السبت، 16 نوفمبر 2013

"الحداثة" اسم دون مسمى .....أو في ترجمة كتاب "روح الحداثة" لطه عبد الرحمن

لا يمكن أن نتحرر بالفعل من وصاية الفكر الغربي علينا, إلا إذا استطعنا في ترجمتنا لهذا الفكر أن نجعلها ترجمة استكشافية لا ترجمة استنساخية
"و ليس المقصود بالترجمة الاستكشافية –كما يسبق إلي الذهن – الترجمة التي تتطلع إلي نقل الطرق التي توصل بها المؤلف لوضع نصه , و إنما هي الترجمة التي تتطلع إلي نقل هذه الطرق على الوجه الذي يوصل المتلقي إلي وضع نص يضاهي نص المؤلف ",
 و هذا يتطلب وفقا لعبد الرحمن أن نقوم بترجمة ثلاثة مستويات للكتاب , هي على الترتيب؛ المضمون المنطقي (البنى العقليى التي تشكل المحتوى الفكري للنص الأصلي  ) و البنية الدلالية ( البنى المعنوية التي توسلت بها البنى المنطقية في النص الأصلي و هذه البنى تتكون من مجموعتين: "مجموعة المدلاولات الإصطلاحيةو اللغوية" و "مجموعة المثل و القيم العليا " ) ثم البنية التركيبية (البنى النحوية التي توسلت بها – أو صيغت بها- البنى الدلالية؛ و هذه البنى تتكون من مجموعتين  اثنيتين "مجموعة الصيغ المفردة " و مجموعة العبارات المركبة " ), و ربما نحن نتفق مع الدكتور طه في روح هذه الفكرة لا في تحققها الفعلي في واقع كتابه, فروح الفكرة هو أن الترجمة بهذه الطريقة تهدف لأن تمكن المتلقي من إبداع نص جديد , أي أنها فقط تفتح عينه على القوة الكامنة في إيداع النص تهيئة له لإبداع نص جديد لا الخضوع للنص المترجم كما تفعل الترجمة الاستنساخية, لكن ما نتخلف فيه معه هو أن هذه "البنى الدلالية" بما تشمله من المصطلحات و الدلالات بما فيها التقسيم و التصنيف لإن التقسيم لا يمكن دون شحن المضطلحات بمعاني محددة, لا يمكن ببساطة أن ينظر له على أنه مجرد وعاء يمتلك خصوصية ثقافية لبنية منطقية معينة تتسم بالشمول لأنها عقلية , فقد يكون البنية الدلالية محاولة للتغطية على مضمون منطقي معين بإبرازها مضمون منطقي آخر ,  هذا الانتباه تزداد ضرورته إذا كان الكتاب المراد ترجمته استكشافيا هو أصلا كتاب ترجمة لخطاب غير عربي بصورة اسكشافية , حيث يصبح واجبا السؤال عن مدى استكشافية النص الترجمة و مدى قدرته بالفعل على التفريق بين المضمون المنطقي و بين البنية الدلالية الخصوصية , و مراقبة البنية الدلالية للكتاب الترجمة لمعرفة هل بالفعل ما يتم إيصاله عبرها من مضمون منطقي هو بالفعل استكشاف للخطاب الأصلي أم أنها تقوم بالتغطية على ترجمة غير استكشافية له , و نحن نستطيع اعتبار كتاب عبد الرحمن هذا الذي بين ايدينا محاولة لترجمة اسكشافية لخطاب الحداثة , و الفصل فيه بين مضمون منطقي عالمي هو من حق كل الحضارات بل و موجود فيها و لو بالقوة و بين واقع معين و مجال تداولي بعينه يمثل خصوصية التحقق الفعلي للحداثة , هذه الترجمة الاستكشافية غرضها تمكين المتلقي ذو عربي اللسان من إبداع خطاب حداثي جديد و هو هدف نتفق فيه مع الدكتور , لكن محاولتنا هي فتح باب لترجمة هذا الكتاب الترجمة بطريقة استكشافية بحيث نفصل فيه بين المضمون المنطقي الذي يريد عبد الرحمن إيصاله إلينا و هو كونه قام بترجمة استكشافية حقيقية للحداثة  و بين  البنية الدلالية التي ربما تحمل مضمون منطقي آخر ..

ما الحداثة؟
________
"الملاحظ أن هذه التعريفات على اختلاف قوة إحاطتها بمفهوم "الحداثة " تقع في تهويل هذا المفهوم حتى تبدو الحداثة و كأنها كائن تاريخي عجيب يتصرف في الأحياء و الأشياء كلها تصرف الإله القادر , بحيث لا راد لقدره؛ و الحال أن هذا التصور للحداثة تصور غير حداثي, لأنه ينقل الحداثة من رتبة مفهوم عقلي إجرائي إلي رتبة شيء وهمي مقدس؛ لذلك, يتعين أن نبدأ بالتخلص من هذا "التشيييء" الذي أدخلته هذه التعاريف على مفهوم "الحداثة"؛ و السبيل إلي ذلك هو أن نفرق في الحداثة بين جانبين اثنين هما: "روح الحداثة" و "واقع الحداثة"


ثم يفصل المفكر المغربي هذه المباديء و أركانها محاولا إيضاح الشيء الجوهري فيها , و واقع الغرب الذي جعل هذه المباديء تؤدي لنتائج محددة , ثم إيضاح كيف تستطيع الحداثة الإسلامية تحقيق روح الحداثة بصورة أفضل نتيجة اختلاف واقعها عن واقع الغرب , و اختلاف الواقع هذا يجعل محاولة فرض نماذج الغرب على واقعنا أو الأخذ بواقع الحداثة هو خروج على روح الحداثة , حيث أول مبدأ في هذه الروح هو مبدأ الرشد و يعني (مقتضى هذا المبدأ أن الأصل في في الحداثة الانتقال من حال القصور إلي حال الرشد؛ و المراد بالقصور هنا –كما جاء في جواب كانط عن السؤال: "ما هي الأنوار؟" _هو "عدم قدرة المرء على استخدام فكره في الأمور دون إشراف الغير عليه , مع وقوع مسؤولية هذا القصور عليه هو لا على الغير "أو بايجاز , إن القصور هو اختيار التبعية للغير ") و له ركنان: الاستقلال و الابداع , و الاستقلال هو (استغناء الراشد عن كل وصاية فيما يحق له أن يفكر فيه , و يصرف كل سلطة تقف دون ما يريد أن ينظر فيه, فتنطلق بذلك حركيته؛ و لا يكتفي هذا الإنسان بالإنفصال عما يحول دون ممارسة حقه في التفكير , بل إنه يتطلع إلي أن يشرع لنفسه ما يجب فعله أو تركه ,فترسخ بذلك ذاتيته؛ و هكذا, فالانسان الراشد منطلق الحركة قوي الذات ") , و اذا كان الاستقلال يمثل جوهر الحداثة فإن السياق الغربي أدى به لنتاج معين يحتلف عن ما يراد لواقعنا , فبينما كانت مشكلة الغرب الرئيسية هي التحرر من هيمنة الاكليروس في الداخل فتم توجيه الإستقلال هذا الإتجاه فإن الأمر لدينا مختلف حيث مشكلتنا تتمثل في محاولة التحرر من هيمنة الاستعمار فهو ما يمثل عائق لتحرير الإنسان و حركيته بكل الأشكال التي يتخذها حتى إنه يتحدث بلسان بعضنا , لكن مشكلة هذه الرؤية هي أنها ببساطة تفرغ الإستقلال من أي مضمون أولا, ثم تؤهله ليقبل أي مضمون اخر حتى و ان كان غير قادر على أن يعبر عن جوهر الحداثة ثانيا, فإن كان طه يرفض اعتبار العقلانية مبدأ للحداثة لأسباب منها أنها كانت موجودة في حضارات سابقة , فهل يا ترى لا نستطيع أن نقول نفس الكلام عن الإستقلال بعد ما أصبح مجرد استقلال عن المستعمر أو عن طبقة كهنوت , ألم توجد هذه الأفعال قبل الحداثة التي يستكشفها عبد الرحمن مما يجعل هذه الأمور ليست دليلا و لا معلما فضلا عن أن تكون جوهرا لها , إن كان الأمر كذلك , فلماذا وضع الإستقلال كمبدأ للحداثة بعد أن فقد أي مضمون يجعله معبرا عن روح الحداثة ؟ حتى نصل لإجابة هذا السؤال علينا أولا أن نبحث عن هذا المضمون الذي يجعل فعل الإستقلال فعلا جوهريا معبرا عن روح الحداثة  و الذي يحاول عبد الرحمن إقصائه , هذا المضمون الجوهري هو كون فكرة الإستقلال و رفع الوصاية المميزة للحداثة هي فكرة أنطولوجية تتعلق بعلاقة الانسان بالله و العقل بالوحي و العالم بما وراءه , فتنظيم هذه العلاقة بصورة جديدة تصبح أساس لفعل معرفي و أخلاقي و جمالي , سياسي و اقتصادي جديد ومحرر هو ما يميز فعل الحداثة عن اي تحرر سابق من المستعمر أو من الكهنوت (1), فالحداثة لم تكتفي برغبة التحرر من الكهنوت بل قدمت أساسا فلسفيا لهذا التحرر , و هذا فقط ما يجعل للإستقلال معنى حقيقي , و يجعله ممثلا لروح الحداثة , لذا فوضع عبد الرحمن الاستقلال كمبدأ معبر عن روح الحداثة بلا مضمونه يعني التخلي ببساطة عن مضمون الحداثة , و يجعل دافع التمسك باللفظ فارغا من معناه  هو الرغبة في توجيه هذا الإستقلال تجاه بعض الأفكار التي تشكل هذا المضمون بعد إظهارها بصورة الأفكار غير الجوهرية بل المتعلقة فقط بواقع الغرب كما سيلي بيانه , و إن كان سبب من اسباب تجاهل مركزية فكرة العقلانية كونها مضمنة داخل هذه المبادي المتادخلة فإن  عبد الرحمن يفصل فصل شديد بين المباديء الثلاثة حتى تظهر بأحقية في الوجود ممثلة لروح الحداثة فيتم إخفاء ما بينها من تداخل, فهو مثلا لا يحدثنا عن علاقة "النقد" الركن الثاني لروح الحداثة  ب"الرشد" , و هذا الفصل الشديد  يؤدي بصورة أكبر لتفريغ ركن الرشد الأول و هو الإستقلال من مضمونه حتى يصعب  جدا ربطه بالنقد , حيث الرابط بينهما يرتبط بالمضمون , فإن كان الانسان يحتفظ في فعله بإستقلال تجاه الله نفسه فإن هذا يعني أن كل ما يوجد حولنا من أفكار و رؤى هي بشرية قابلة للنقد و التجاوز , و كون طه يرى أن النقد ليس المبدأ الوحيد للمعرفة بل هناك مبدأ آخر هو الإخبار "في بعض الحالات يكون الإخبار أكثر يقينية من النقد" فإن هذا لا يمكن إلا بتفريغ الاستقلال من معناه, حيث الاستقلال يذهب بنا إلي كون الإخبار ليس مصدر للمعرفة فوق العقل بل إنه مصدر خاضع للعقل في المعرفة و الأخلاق , فحتى لو ظهر الله لموسى و عيسى فلن يخبرهم عن عالم الطبيعة شيء و إلا أخل بمبدأ استقلال العقل في قراءة الطبيعة و إن تحدث لهم فبلغتهم التي في حدود عقل عصرهم لا العقل المحض, أما عن الأخلاق فالعقل حاكم على قديس الإنجيل كما يقول كانط و ليس العكس , أي أن تمرير فكرة الإخبار لا يمكن إلا بتفريغ الاستقلال من معناه ليسهل فصله عن النقد , ثم بإعطاءه معنى وحيد هو الإستقلال تجاه واقع الحداثة الغربية و تصوير فكرة أهمية النقد و استيعابها للعقل _او اقصائها للاخبار كمصدر للمعرفة بالأحرى_ على انها واقعية تتعلق فقط بواقع الغرب الذي حصر المعرفة بالنقد في حين كما قلنا هو مبدأ جوهري كجوهرية الاستقلال إن كان له مضمون, هذا الإستقلال يفضي أيضا إن كان بمضمونه الحقيقي إلي كون الناس تشرع لنفسها أحكام مستمدة من واقعها و لكن إمعان طه في تفريغ الإستقلال من معناه يؤدي به في النهاية لحصر قضية التحديث في التشريع بكونها قائمة على كون التشريع قائم على اختيار الناس و ليس عن وصاية غيرهم _فالتحرر من وصايتهم هو فقط معنى الاستقلال عند _حتى لو كانت هذه التشريعات مستمدة من مصدر خارج العالم لا يملك الإنسان الإستقلال في التشريع تجاهه .

و إن كان عبد الرحمن يؤكد على فكرة الواقع بإعتبارها السبب في كون التفصيل _الركن الثاني في مبدأ النقد _قائم على الفصل التام بين الدين و العقل في الغرب حيث الدين المسيحي و طقوسه اللاعقلانية (2) على خلاف الإسلام العقلاني , نقول إذا كان طه يركز هنا على سمة في المسيحية تختلف عن سمة اسلامية كمنشأ لهذا الفصل إقرارا منه بفعل الواقع ثم يؤكد على ضرورة الاستقلال عن نتاج الواقع الغربي هذا, فإنه في مبدأ التعقيل _الركن الأول من مبدأ النقد -لا يرد كون التعقيل قائما على قهر الطبيعة للواقع و سمات اللاهوت المسيحي و صورة الاله فيه_ و هو من ناحية يؤكد كون الحداثة عرضت نفسها من داخل الدين بل و كون بعض رجال الحداثة مجرد مصلحين دينين, و من ناحية أخرى يمكن اعتبار توظيفه لمفهوم الرحمان اسم الله كإطار لعلاقة أخرى مع الطبيعة لا تقوم على نفيها شعور بكون الإطار القهري في التعامل معها تم أيضا بسبب تصورات معينة لله و هو ما يؤكد عليه مفكرين غيره كثير_ و لا يدعونا بالتالي لاعادة النظر في هذه الصورة, حيث هذه السمة الواقعية تشترك مع الاسلام هذه المرة !

ليست القضية في الفصل بين الثلاثة مباديء فقط بل بين أركان المبدأ الواحد , كما بين الاستقلال و الإبداع داخل مبدأ الرشد في قضية قراءات القران , فالمسلمات الثلاثة التي يعتبرهم طه هم أساس خطط الأنسنة و الأرخنة و العقلنة في القراءات الحداثية للقران , و هي ترك الله للانسان , و ترك الاخرة للدنيا , و ترك الوحي للعقل , يردهم لواقع الصراع الغربي بين الانورايين و رجال الكنيسة الذي جعل قضية الفصل كشرط للإبداع ضرورة , و بالتالي فاستبطان هذه المباديء في قراءة القران  عبارة عن إبداع مقلد غير مستقل , لكن هذه القضايا لا يمكن ردها أبدا لواقع الصراع الغربي بل هي قضايا تتعلق بمضمون الإستقلال الذي يقصيه طه أي الإستقلال الأنطولوجي أي لروح الحداثة لا تحققها , فالنظر للأمر باعتباره تشدد رجال الكنيسة أدى لتشدد في المقابل يعد غير دقيق و يفقد كما قلنا سابقا فعل الإستقلال مضمونه كمميز للحداثة , فالمنطقي النظر للاستقلال الانطولوجي كعلاج عميق و جذري لقضية تشدد الكنيسة , و هذا يمثل جوهر فكرة الإستقلال أنها أنطولوجية هدفها تحرير الإنسان , أما كونها تخلصت من الله أو الآخرة أو الوحي بدلا من إعادة تنظيم العلاقة فهذا ما يمكن تسيمته بواقع الحداثة ,

اهتزاز "صورة العالم "
___________________________

"خلاصة هذا الفصل هي أن التطبيق الغربي لركن التعميم من أركان روح الحداثة يقصره على الآدميين, و لا يتعدى به إلي غيرهم من الكائنات, بل إنه يقطعهم عنها, محدثا انصلالات جوهرية ثلاثة و هي: "الانفصال عن التراث"و "الانفصال عن الطبيعة" و "الانفصال عن الحيز"؛ فيلزم أن يكون تضاكن الآدميين الذي يتجلى فيه هذا التطبيق عبارة عن تضامنهم ضد غيرهم من الكائنات مفضيا لإلي آفات ثلاثة هي: "آفة التزلزل" و "آفة الخوف" و "آفة التشرد" في حين أن التطبيق الإسلامي لهذا الركن يجعل التعميم يسع الموجودات كلها, محولا الانفصالات القاطعة إلي انفصالات واصلة؛ ذلك أن مبدأ التراحم الذي يتجلى فيه هذا التطبيق الثاني تتتفرع عليه واجبات رحمية تقضي كلها بإيجاد عالم تكون فيه العلاقات بين الأياء و الأشياء جميعا علاقات بين أقرباء, أقرباء فيما بينهم و أقرباء من الرحمان الذي يتجلى عليهم, لا بقهره و إنما برحمته, فيتفكرون في مظاهر رحمته و يتشبون بأخلاقه, بحيث تكون الواجبات فيما بينهم, لا واجبات الأجانب, و إنما واجبات الأقارب ."
  "

التفريق بين الإله الذي يتجلى برحمته و الإله الذي يتجلى بقهره ,الاقتداء باسم الله الرحمن ,  الخلق باعتباره رحمة _ و الرحمة لا شك أعلى من فكرة الخلق بمحض المشيئة المستقرة في الأذهان _ , التأكيد على الأحاديث التي تتحدث عن اتساع رحمة الله أو أنها سبقت غضبه , هي ما يمثل العمود الفقري لهذا الفصل من الكتاب , لكن إن كان طه عبد الرحمن يرى أن علاج أزمة الحداثة المتمثلة في كون التعميم جرى فيها على انفصالات ثلاثة مع التراث و الطبيعة و الحيز أدت بالترتيب إلي التزلزل و الخوف و التشرد , يتمثل في التأكيد على صورة معينة لله و لعلاقته بالعالم " صدور الأولامر و النواهي عن الرحمة , الخلق كرحمة " , فإن هذا معناه أنه يرجع_ و لو بصورة سالبة _  عيوب الحداثة لصورة أخرى لله , ليس الله فيها رحمان بل قهار و ليست المخلوقات فيوض الرحمة بل محض المشيئة , صورة فيها غصب الله يسبق رحمته , لكن ذكر دور هذا العامل في تلك الانحرافات للحداثة المفصح عند عدد لا بأس من المفكرين _و الذي لم ينفيه طه بكونه يؤكد على كون الحداثة توسلت بلغة دينية و أن بعض روادها كانوا مصلحين دينين لكنه لا يصرح به لكون هذه الصورة للإله نفسها موجودة في الإسلام ايضا _, لا يتم بصورة واضحة عند طه , و هذا يجعل  العلاج عن طريق توظيف هذا المعجم المفاهيمي للرحمة من داخل الإسلام لا يتم كإعادة أو محاولة إعادة لرسم علاقة الله بالعالم و الإنسان بل فقط انتقاء من داخل الإسلام لبعض الأحاديث و الآيات و الرؤى التي يوجد داخل النصوص و في التراث الإسلامي ما يخالفها , هذا لإن إعادة رسم هذه الصورة بما يحقق استقلال للإنسان و للعالم "استقلال انطولوجي " هو المضمون المنفي في قراءة عبد الرحمن لروح الحداثة في مبدأ الاستقلال الذي يقصره على الإستقلال عن وصاية الغرب, حيث تصبح روح الحداثة في تصور غير طاهاوي هي رسم صورة للعالم تستطيع تحقيق هذا الإستقلال الانطولوجي , و يصبح انحرافها لقهر الطبيعة و التراث و الحيز راجع للواقع الغربي و من ضمنه السمات التي عظمها العقل الديني في نظرته الإله التوحيدي و تصوره لفكرة الخلق , و للاننا نحمل نفس الرؤية فهذا يعني أن التحديث مرهون بإعادة رسم هذه الصورة  , و ليس يتوظيف معجم الرحمة المفاهيمي فلا زال التصور الآخر له نفس المشروعية و ربما أكثر مما يهدد فعالية توظيفه!!
التمظهر بالحداثة لرفضها
___________________
"و لما كان المترجم في هذا المستةى يركز على نقل البنى العقليى للنص الأصلي, جاء نقله لبناه الدلالية و بناه التركيبية مقيدا بنقله لهذه البنى المنطقية كالآتي: فإن وجد أن نقل هذين النوعين من البنى يوافق نقل البنى المنطقية, نقلهما على ما هما عليه؛ و إن وجد أنه يخالفه, تركهما و استبدل مكانهما بنى دلالية و تركيبية أخرى توافق هذه البنى المنطقية؛ ذلك أنه لو أبقى هذين النوعين من البنى على حالهما من المخالفة, لزاد من عقبات استيعاب المتلقي العربي اللسان للبنى المنطقية, و حال دون اكتسابه للأسباب التي توصله إلي الإبداع المنطقي؛ أو قل بإيجاز إن المترجم, على مستةى الترجمة المنطقية, يتصرف في دلالات النص الأصلي و تراكيبه معا بحسب ما يوجبه نقل بناه المنطقية على وفق مقتضيات المجال التداولي الإسلامي العربي, متحملا بذلك مسؤولية استقلاله عن هذه الدلالات و التراكيب باعتبارها تمارس نوعا من الوصاية عليه"

إن تصرف طه عبد الرحمن في البنية الدلالية للخطاب المترجم وصل إلي حد إفقاد كلمة ركن معناها حين جعل الإستقلال مفرغا من مضمونه و شحنه بحمولة حولته للمفارقة لسلاح ضد مضمونه الحقيقي , و إلي حد قطع الروابط بين هذه الأركان الممثلة لروح الحداثة إمعانا في هذا التفريغ , و إلي حد الانتقائية الواضحة في اللجوء إلي الوقائع أو تركها حسب ما تمليه الرؤية المسبقة , هذا كله جعل  الفصل بين ما يمثل روحا للحداثة و ما يمثل تحققا غربيا لها فصلا متعسفا, و هو متعسف لا لكونه غير مشروع بل لكونه لا يتم وفقا لاستكشاف حقيقي بل يتم وفقا لرؤية مسبقة و جاهزة في رأس المؤلف عن حداثة بمقاس خاص لا تحمل من الحداثة إلا الأسم دليلا على أزمة يتعرض لها الخطاب الإسلامي في كونه حتى غير قادر على تقديم مشروعه إلا باسم يريد بكل قوة هرعه للتسمي به الفرار من مسماه , إننا لو اتفقنا مع المفكر المغربي الكبير في روح فكرته عن الترجمة الاستكشافية كما قدمنا فإننا نظن أن كتابه ليس ترجمة استكشافية بل هو فقط مجرد محاولة لإثبات عدم أحقية القراءة الإستنساخية , لكن للأسف محاولة لا ترقى لتكون قراءة استكشافية , حيث تفقد مضمون لفظ الاستكشاف الذي يتنافي مع وجود الخطة جاهزة, خطة هي المضمون المنطقي للكتاب الترجمة مهما حاولت بنيته الدلالية التعمية على هذا...
____________________________

(1) ليس الغريب أن عدد من المفكرين لاحظ هذا البعد العميق للحداثة و مفرقا به بين الحداثة و إجراءاتها , بل الغريب التفات عدد من المفكرين الاسلاميين لكون مسألة مثل التحرر من المستعمر أو مقاومة الغربنة تحتاج لصياغة جديدة عن علاقة الله بالانسان , ففي كتابه "العودة إلي الذات" يرجع شريعتي الذوبان في الغربي للتراث الصوفي الذي يرسم علاقة الانسان بالله على أنها علاقة ذوبان , هذا يعني أن حتى قصر معنى الإستقلال على الإستقلال عن المستعمر يتطلب إعادة النظر في الرؤية الانطولوجية التي نحملها ..

(2) بعد أن رأى عبد الرحمن أن هناك فرق بين المسيحية و الإسلام في درجة العقلانية , فإنه يدافع عن ما يمكن أن نجده من لا عقلانية في الإسلام بأن ما يبدو كذلك لا يعدو أن يكون مقبولا عند العقل الجدلي أو لملكة أخرى فوق عقلية أو للعقل الروحي , و السؤال هنا لماذا لا يعد حقا للمسيحي الموصوف بالاعقلانية أن يحتج بنفس الحجج أمام محكمة الحداثي ؟!!

الأربعاء، 30 أكتوبر 2013

العلم في مواجهة التكرار أو قناعا له ....بين طه حسين و مالك بن نبي

" و لا ينبغي أن يخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب , و لا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلي عصور , و يحاول أن يدخل فيه شيئا من الترتيب و التبويب و التنظيم ؛ فذلك كله عناية بالقشور و الأشكال لا يمس اللباب و لا الموضوع , فمازال العرب ينقسمون إلي بائدة و باقية , عاربة و مستعربة , و مازال أزلئك من جرهم , و هؤلاء من ولد إسماعيل , و ما زال امرؤ القيس صاحب "قفا نبك..." و طرفة صاحب "لخولة أطلال ..." و عمرو بن كلثوم صاحب "ألا هي ..." و ما زال كلام العرب في جاهليتها و إسلامها ينقسم إلي شعر و نثر . و النثر إلي مرسل و مسجوع , إلي آخر هذا الكلام الكثير الذي يفرغه أنصار القديم فيما يضعون من كتب و ما يلقون على التلاميذ و الطلاب من دروس"
طه حسين ..."في الشعر الجاهلي "

صحيح أن بن نبي حين يتحدث عن مشكلة الثقافة فانه يعني بها اسلوب حضارة يحرك الإنسان , و لا يعني بها المعنى الآخر الذي قد يتبادر للذهن و الذي يعني الإشتغال بالفكر , و هذا المعنى أيضا هو ما يقصده طه حسين في حديثه عن مستقبل الثقافة , لكن هذا لا يمنع هنا من كون التطرق للمعنى الآخر للثقافة أمر ضروري في سياق حديثنا , و بالطبع لا يمكن الإتيان الآن على كل تلك التعريفات أو التفصيلات التي خضع لها مصطلح مثقف بمعنى المشتغل بالأفكار , لكن يعنينا هنا فقط تفريق رئيسي أثاره علي حرب في كتابه "أوهام النخبة أو نقد المثقف ", و هو أن ثمة فارق بين المثقف و المفكر , فالمثقف حارس هوية داعي لأفكار معينة لا يبحثها , في حين أن المفكر هو الذي يناقش الأفكار و يبحثها و يبدع أفكارا , و دعنا من تسميات حرب فالهمهم الآن هو هذه اللمحة لفارق بين طريقتين في التعامل مع الأفكار ممن يتشغلون بها بين من يحرسها و يعيد تكرارها و صياغتها و بين من يحاول إبداع الجديد و صياغة الواقع مفهوميا , و ربما لا نتفق مع كون حرب يرجع هذا التمسك العجيب بالأفكار بمنأى عن مشرط الناقد لوهم المطابقة بين الفكرة و الحقيقة  و هو وهم ارسطي ديكارتي , فلا شك أننا لا زالنا نحتاج للسؤال لماذا تعامل مثقفونا مع فكر ارسطو نفسه أو ديكارت عن التطابق بإعتباره في هوية و تطابق مع الحقيقة و لا يمكن تفسير هذا بإنه بسبب وهم التطابق الديكارتي لأن هذا يوقعنا في دور منطقي , فنفسر تعاملنا هذا مع الأفكار بكونها تطابق الحقيقة بأن سببه ديكارت , ثم حين نسأل و مالذي جعلنا نتعامل هكذا مع ديكارت تكون الإجابة بسبب وهم التطابق !! , و يخرجنا من هذا الدور البحث داخل الثقافة نفسها _بمعناها الأول عند بن نبي و العميد _عن سبب لهذا التعامل , و ثقافتنا لأنها كما يقال عنها ثقافة متمركزة حول النص , فإن تعاملنا مع هذا النص يترك مجاله المحدود ليتحول لنمط تفكير حول أي نص أو أية منظومة فكرية أخرى , و بما أن هذا النص يحوي الحقيقة كلها بما هو كلمة الله الأزلية أو حكاية عنه ,  و فإن تعاملنا مع هذا النص هو النظر له بإعتباره خارج التاريخ و المجتمع بما يعني أنه لا يتم التفكير فيه بل يتم التفكير به , و لا يتم النظر إليه داخل إطار الواقع بل يتم إخضاع الواقع له , و لا يمكن هنا لعقل اللمثقف سوى الإنبناء على الدفاع لا التفكير ’, التكرار لا الإبداع , تغيير القشور لا اللباب ,  و لعله من اللافت أن هذا المثقف الذي هو في حضارتنا المتكلم وفقا للجابري قد تحولت وظيفته  كما يرى عبد المجيد الصغير في كتابه "المعرفة و السلطة في التجربة الإسلامية " بهذا الإنقلاب الجاري في التسمية و التعريف الذي جعل "علم الكلام" علما للعقائد "ينافح" عن العقائد الإيمانية أو أصول الدين بالأدلة العقلية بدلا من كونه كلاما حول السياسة "الواقع "  لتنحصر هذه الوظيفة في التبرير و الدفاع و التكرار _في أشكال جديدة ظاهريا كما صدرنا في كلام العميد _لا الفهم و التحليل و الإبداع و الجدة الحقيقة , المرتبطة بخروج العقل من الدوران في الأفكار التي تمثل سلطة عليه و على الواقع إلي الواقع نفسه لصياغته مفهوميا كما يقول علي حرب ..

 
التعمية على التكرار
______________

و حين يتحول الأمر من التكرار لتكرار التكرار أو حتى التعمية على التكرار بشكل جديد فإن الأمر يزداد صعوبة ,
وإن كان  القاريء لبن نبي يصادفه كثير من المعادلات التي تشبه معادلات الرياضة و الرسوم التوضيحية و التمثيل بالطب و الفيروسات و علم الأمراض , كل هذا في سياق تحديده مشكلاتنا و وضعه لشروط النهضة و محاولة الرقي بمسلمات النهضة لمرتبة العلم فإن كل هذا يبدوا مجرد قشرة خارجية فقط إذا ركزنا في خطابه ,
 فإن كان خطاب الإصلاح الديني مع محمد عبده و قبله الأفغاتي قد وضع لافتة رئيسية عليه و هي لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها , بحيث انحصر الأمر كله في التكرار الذي يبدو أكثر وضوحا في تفسير انحدار الأمة بإبتعادها عن الأصل أو الإسلام الأزلي الذي خانه الأسلام التاريخي مما يعني أن مشكلة أمتنا أنها ابتعدت عن التكرار_ هنا نذكر قولة الأفغاني الشهيرة لابد أن نثبت لهم أولا أننا لسنا مسلمين  _!! , فإننا نستطيع أن نرى في مشروع المصلح الجزائري الكبير مجرد تكرار لخطاب الإصلاح بنفس مضمونه و منطلقاته و الياته و إن كان بن نبي يضعها في هيكل يبدوا جديدا من الرطانة العلمية في ظاهرها فقط , فمالك بن نبي يرى أن الأمم في صعودها و انحدارها تخضع لقانون صارم تماما كقوانين الفيزياء التي نصنع بها الجسور , و إن كانت غفلتنا عن قوانين بناء الجسوء أثناء بناءها يسبب انهيار الجسر كله فإن تغافلنا عن قوانين تطور الحضارات أثناء بنائها يسبب مزيد من الإنحدار , و هو كلام جيد جدا إلا أن مالك بن نبي لا يخبرنا عن قانون تطور الحضارات بل فقط يترجم مسلمة الإصلاح و لافتته بلغة جديدة  مدعومة برسوم توضيحية لتصبح لا تتطور الحضارات إلا بالفكرة التي كانت سببا في إحياءها فهي مركب حضارتها"الفكرة الدينية" , بل إن هذه الصياغة الجديدة لم تكرر فقط بل إنها ذهبت أبعد كثيرا من خلفها الإصلاحي في نفي الواقع الذي يعد الإلتفات إليه مزية الرؤية العلمية التي يخايل بها خطاب بن نبي, فإن كان المصلح يرى أن الأمة صلحت بالإسلام فإن بن نبي لا يرى وجودا لللأمة أصلا قبل الإسلام , و من هنا يشيع في كتاباته كلام مثل "الإنسان الفطري " , و الأمة العذراء و تراكيب مثل تشرق شمس الحضارة بما تشير إليه قبلها من ظلام دامس , أو
 تصوير الجاهلية بالإنسان في عمر الطفل يتمحور فقط حول الأشياء  , كل هذا يجعله يرى أنه لو كان لكل أمة ميلادان روحيان أولها عند ميلاد الفكرة الدينية منشأ الحضارة عند بن نبي و ثانيها عندما تسكن هذه الفكرة النفوس  , و إن كانت أمة المسيح ولادتها الحقيقة كانت مع الأمم الجرمانية البدوية و ليس في اليونان , فإن ولادتي الأمة الإسلامية جمعتا في وقت واحد , حيث كان عند اليونان خليط ديانات و فلسفات منعتها عن تشرب روح المسيحية , أما في الإسلام فكانت الأنفس عذراء كما قلنا فسكن الإسلام النفوس , و هذا النفي التام لوجود أي فكر قبل الإسلام و الذي يتبدى الغرض منه في صيانة الأفكار المطبوعة التي تمثل أساس حضارة الإسلام و هي أفكار القرآن من أي صلة تربطها بالواقع السابق عليها تنزيها لها تماما من أدران الواقع و إخضاع الواقع لها في كل زمان و مكان و تعليق النهوض بالعودة إليها , قد يكون قدحا في هذه الأفكار ذاتها حيث كما وضح طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي " أن أدراك العقول لبلاغة القرآن و فهم تعاليمه غير ممكن إلا إذا بلغت العقول قدر من النضج يتضح بصورة أكبر في طريقة عرض القرآن حججه في مواجهة مشركي قريش الذي يجادلون كما يقول العميد في البعث و الخلق و المجزة و إمكان الإتصال بالسماء و هي مسائل يفني الفلاسفة اعمارهم فيها دون أن يوفقوا فيها لحل , و ليس الغريب هو هذا الإستدلال المنطقي من العميد و الذي يتجاهله بن نبي بل الغريب كون طه حسين في هذه النقطة بالذات هو متابع لإمام الإصلاح محمد عبده الذي افترض المعرفة الجيدة بواقع قريش و معجمها اللغوي قبل الإسلام لفهم القرآن !!هذا يعني أن تعامل بن نبي مع فكر الإصلاح لإنه تكراري لم يستطع سوى الإحتفاظ بالمتكرر داخل الخطاب و غفل النظر عن رؤية بعض الأفكار التي تؤذن برؤية جديدة قد تتجاوز أزمة الخطاب المتمثلة في غياب الواقع من بين يديه ..

 و ليس الابتعاد عن الأصل و تكراره عند بن نبي مجرد فكرة يتم الدفاع عنها بل هي  مفتاح تفسير كل شيء في واقعنا , فتفسير قضية مثل استيراد الأفكار المميتة الغربية يتم تفسيره أيضا بنفس الطريقة , فحين ابتعدنا عن الأفكار المطبوعة و فقدت أفكارنا الموضوعة الصلة بها امتلأ واقعنا بالأفكار الميتة التي تمثل فيروس وراثي يمتص الميكروب الوافد أي الأفكار المميتة , و لكي يوضح بن نبي عبثية فكرة الإستيراد  يستخدم مجاز من عالم الطبيعة و هو مجاز البذرة المتكرر عند عدد لا بأس به من المفكرين ,  شريعتي مثلا , فيقول المصلح الجزائري " لا يحمل الطعم إذا حمل ثمار الأرومة التي وضع فيها بل ثمار الأرومة الأم "  و هذا المجاز يستخدم لإيضاح أنه لا يمكن للأفكار المستوردة أن تعيش بيننا إلا كما يعيش الشجر المشترى جاهزا و الذي يغرس بقوة و عنف في التربة فيشبه فقط البستان المنقول منه في ظاهره في حين لا يستطيع أن يثمر و يزهر,  فقط تهيئة التربة و انتقاء البذور و غرسها و تعهدها هو الطريق لصنع حضارة حقيقية , لكن مشكلة هذه الفكرة هي أنها تصطدم مع نفي بن نبي الحاسم أي علاقة بين الأفكار المطبوعة و واقع جزيرة العرب , بحيث أن هذه الأفكار في هذه الحالة ليست سوى أفكار مفروضة على الواقع "التربة " و ليس شيء مزروع فيه و ليست القضية هنا في كون هذه الأفكار الهية أو غيره حيث أن المشكل هو العلاقة بين الفكرة و الواقع و ليس طبيعة الفكرة, فليس ثمة مشكلة أن تكون الفكرة الهية لكنها تحترم قانون الواقع و لو من باب احترام الأفهام كما يرى محمد عبده , بل إن نفيه وجود أي أفكار في هذه التربة تعترض تشرب تربة النفوس لبذور الإسلام و الذي سبق القول أنه يجعل الإسلام هو الخالق لحياة العرب و ليس فقط المصلح أو الموجه لها , لا يفعل سوى تأكيد كون مجاز البذرة عنده لا معنى له , فإن الغرس هذا و العناية يتطلب فترة طويلة تعني أنه كان ثمة رقي و محاولات قبل الإسلام لتجاوز الواقع المتدني جاء الإسلام فتوجها و مضى بها لأبعد نقطة ممكنة , و هو ما لا يقوله أبدا بن نبي لينفي أي علاقة للأفكار بالواقع , و لا نعلم بعد هذا كيف يعترض بن نبي على استيراد الأفكار إذا كان خطابه كله تأكيد لهذه الفكرة !! فالبدء من الواقع و زرع البذور فيه غير ممكن إلا بإعادة الإعتبار له في نشأة و بلورة الأفكار  و ليس بتعليقه بأفكار لا علاقة لها به ينحصر مشكل النهوض في قدرتنا على تكرارها و إحضاع واقعنا لها.


من الأشياء للأفكار بين العميد و مالك بن نبي
_____________________________

"فالعالم الإسلامي يتعاطى هنا (حبة) ضد الجهل , و يأخذ هناك (قرصا ) ضد الستعمار , و في مكان قصي يتناول (عقارا ) كي يشفى من الفقر , فهو يبني هنا مدرسة , و يطالب هناك بإستقالاله , و ينشيء في بقعة قاصية مصنعا . و لكنا حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح البرء ,....إن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن "الحضارة هي التي تلد منتجاتها " و سيكون من السخف و السخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة , حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها "
مالك بن نبي ..."شرو النهضة "

 يرى مالك بن نبي أننا اهتتمنا كثيرا بالأشياء على حساب الأفكارو هو محق تماما في كون الحضارة الحقيقية ليست الأشياء ,  و هو يفسر هذا الكلف بالأشياء أيضا  بأننا نعيش شيخوخة ابتعدنا بها عن أفكارنا المطبوعة التي يمثل الاختفاظ بها توازنا بين عالم الأشياء و الأفكار و الأشخاص , و لفقدان قدرتنا على الإبداع و خلو عالمنا من الأشياء مما يؤدي للكلف بها , أي أن موت الأفكار سيؤدي إلي أفكار مميتة و نظر للأشياء بإعتبارها تمثل الحضارة فيتم تكديسها , و الحل عنده هو إعادة بناء الأفكار التي ماتت , لكن هل هذا الإحياء أو إعادة البناء سيؤدي لإحداث التوازن و لصنع حضارة من الأفكار بدلا من الظن بأن الأشياء كافية ؟

, ربما تظهر ملامح الإجابة إذا قلنا إن المشكل في كونننا كلفين بالأشياء و كوننا نستوردها كعلامة على الحضارة هو أننا لا نستطيع سوى استيرادها لا صنعها , و استيرادها سببه عدم قدرتنا على إبداعها و سبب هذا هو العقل المتعلق بالنص المشتغل تحت سقفه الذي قد يصاحب العلم لكنه لا يصنعه _كما يقول الجابري_  أو يتزيى به كما عند بن نبي ,

فهذه الزخرفة بالمصطلحات العلمية و التنقل بين علوم الطبيعة و الحياة  في صياغة نفس المسلمات التقليدية ليس سوى وجه من أوجه تناقض خطاب الإصلاح الراغب في الإتجاه نحو العالم محتفظا بنفس مسلماته و أفكاره و طرائقه بمنأى عن أي نقد , فتكديس الأشياء و المؤسسات و الشكل الخارجي للدولة الحديثة إلي محاولة التغطية على تكلس الأزهر بتدريس العلوم الطبيعية داخله رغم  اختلاف مناهجها عن مناهج دراسة العلوم التقليديه داخله , إلي آخر كل هذا ,  بدء منذ الطهطاوي بل و شيخ الأزهر حسن العطار كحل لكل الأمور , أو بدقة كحل لقصر التحديث على الخارج للحفاظ على نفس الأفكار التي نحملها دون نقد أو فحص , و لا يختلف تغطية مسلمات الإصلاح الذي يرى الحل في تكرار الأصل ببعض الكلمات و المصطلحات التي تبدو علمية عن تغطية الواقع المغرق في التقليدية و القبلية ببرلمانات و مؤسسات تفتقد شروط وجودها الموضوعية ..
و هذه التناقضات كلها هي التي طرحت نفسها على وعي طه حسين أحد وارثي خطاب محمد عبده , ليس فقط في النقد الموجه دوما لثنائية التعليم ككاشف لثنائية الوعي, بل بكون كتب طه حسين هي دراسة لنفس الموضوعات التي يتناولها الخطاب التقليدي لكن بطريقة علمية تعتمد المناهج الحديثة , و تستثمر الأفكار التي تناسب هذا المنهج داخل خطاب الإصلاح , و إعتماد طه حسين على المنهج العلمي ذاته و ليس قشرة من المعادلات و الرسوم يعني إدراكه لهذا التناقض الذي لم ينتج عنه سوى التمسك بالقديم و استيراد الأشياء الحديثة بدلا من إبداعها , بحيث يمثل فعله هذا التهيئة الحقيقية للتربة لبذر الأفكار الجديدة , و من الموضوعات الرئيسية التي تعتبر موضع شديد الخصوبة لاختبار طريقة اشتغال عقل المفكر و هل هو عقل علمي أم لا , هي الخلافات بين الصحابة , هذا لإن هذه الخلافات يصعب تفسيرها طالما أننا رأينا ما قبل الإسلام مجرد جاهلية لا ينبغي أن تفهم و أن أهل الجزيرة فطريون دخل الإسلام فجأة إلي نفوسهم العذراء أي طالما فسرناها تفسير غير علمي  ينفي الواقع ,مما يجعل تفسير الخلاف بين الصحابة بعد سنين قليل من وفاة مؤسس الدين نفسه أمرا غريبا ,  لذا فتفسير هذه الخلافات عند أصحاب هذه الرؤية يحور و يدور كثيرا ثم يلجأ لكثير من العوامل المتوقعة انطلاقا من طريقته في التفكير , فإن كان نفي وجود للواقع قبل للإسلام معناه الإغراق في كون وجود الإسلام في هذه المنطقة لا يخضع لأي تفسير عقلي موضوعي بل يترك للإرادة المطلقة , فإن حل الإشكال الناتج عن هذا يكون بإفتراض ارادة بشرية مطلقة أيضا هي سبب الفتنة , و هنا يحمل مثلا ابن سبأ الفتنة بإعتباره يهودي دخل الإسلام مختارا لافساده , و لكن بن نبي لا يعرض هذا الرأي لإنه يريد رأي له شكل أكثر علمية فيتم النظر للخلافات بإعتبارها نتاج لتغير نفسي للمسلمين أو بمصطلحه هو انفصام للدافع الذاتي الذي حرك الرعيل الأول _و كأن الرعيل الأول لم يشهد خلافات _ ليبقى السؤال كما هو و لماذا حدث الانفصام بعد ما تشربت النفوس العذراء الإيمان ؟
 فتأتي الإجابة بأنها خيانة الأفكار المندمجة في السلوك و التي خانت الأفكار الأصلية المطبوعة و التي تتسلسل عبر الأجيال كجرثومة مرضية تفسد المجتمع , و لكن يبقى السؤال و لماذا خانت النفوس المؤمنة الأفكار المطبوعة ؟!
 و هكذا من سؤال لسؤال دون إجابة أو تفسير مقنع سوى ترديد كلمات الأمراض و الجراثيم و العلل و الفيزياء و الجسور , حيث هذه الصعوبة في إيجاد تفسير ناتج عن مشكلة الإصرار على نفي الواقع و اللجوء لأي تفسير أرادي أو نفسي يركد هذا النفي, و رغم أن طه حسين لا يرجع الخلافات هذه لخلاف بين الصحابة كان موجود قبل الإسلام إلا أن  تعامله جاء متوافقا مع منطلقه العلمي حيث اعتبرها نتاج لظروف موضوعية تتعلق بإختلاف طبيعة العرب و المسلمين عن طبيعة الأمم المغلوبة_ و في النهاية لا يعنينا مضمون التفسير بقدر ما يعنيا كونه نابع من قراءة موضوعية تثبت الواقع و لا تنفيه _  , و لم يكن في ظننا نفيه وجود شخصية بن سبأ إلا كما لاحظ علي الوردي نفي لتلك الرؤية السكونية التي تنفي حركة الواقع المتعلقة بقوانينه و التي لا ترى الحركة إلا بفعل إرادة مطلقة خارجه , كالإسلام الذي يخلق الأمة من عدم خلقا كما يرى بن نبي الذي لا يرى أي حركة داخل الواقع قبل الإسلام حيث هو ساكن متجانس مكون من نفوس فطرية ملتفة حول الأشياء !!
فالفارق بين تفسير العميد و تفسير بن نبي هو كون الأول يلجأ للعوامل الموضوعية التي سببت خلافات الصحابة , أما الثاني فإصراره على نفي الواقع و قوانينه مع الرغبة في المخايلة بالعلمية ينتهي إلي مجرد كلام عن خيانة الأفكار و عودتها للإنتقام !!
و هذه المخايلة قطعا لا تستطيع حل إشكال تكديس الأشياء و لا الكلف بها و اعتبارها الحضارة نفسها حيث لا يكون الحل إلا بتكريس عقلية علمية تضع الواقع في قلب رؤيتها , 
لكن هذه المخايلة تكشف عن كون العلاقة بين الفكر التقليدي الإجتراري الدائري و الفكر النقدي المرتبط بالواقع ليست بسيطة أو عادية بل هي علاقة شديدة التركيب , بحيث لم تقتصر محاولة الفكر التقليدي صيانة نفسه  عن طريق إلصاق كل التهم المعقولة و الغير معقولة بالفكر الآخر و تكفير أصحابه و الإستنغاثة بالحكومات لتكبيلهم و مصادرة كتبهم و تقديمهم للمحاكمة , و لا حتى المجاورة بين فكرهم التقليدي و الفكر الحديث في صور هجينة , بل تتمثل المحاولة الأهم في تزيين أفكارهم بقشرة خارجية علمية علّها تحجب عن الأنظار تكلس المضمون , و لكن لإن الأمر ليس سوى مجرد زينة خارجية فإن المشاكل المطروحة تظل قائمة دليلا على فشل الخطاب ...

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

الله و العالم ......أو تجاوز انشطار الذات


" و في عبادته للاله يحاول أن يتصل بذلك الشطر من نفسه الذي فقده عن طريق الإسقاط , و هو يتوسل الآن إلي الإله بعد أن أعطاه كل ما يملك , لكي يعيد إليه بعض ما كان يملكه أصلا .و لكنه بعد أن فقد نفسه أصبح تحت رحمة الإله تماما , فهو يشعر بالضرورة كما يشعر "الخاطيء" , مادام قد جرد نفسه من كل ما هو خير , و لن يستطيع أن يسترد ما يجعله إنسانا إلا بفضل الإله و رحمته , و في سبيل إقناع الإله بأن يمنحه شيئا من حبه , ينبغي عليه أن يثبت له شدة حرمانه من الحب , و في سبيل إقناع الإله بأن يهديه الحكمة الفائقة , ينبغي عليه أن يثبت مدى حرمانه من الحكمة إذا ترك لنفسه "
إيريك فروم ....الدين و التحليل النفسي 


من غير المنطقي أن تقتصر محاولة الإصلاح على إصلاح العقل فقط , ليس فقط لكون الإنسان عقل و وجدان , بل لإن الوجدان ذاته لا يمكن الإفصاح عنه إلا عبر عقل معين , و أيضا لإن وجداننا ليس فقط مجموعة من المشاعر بل إن وجداننا يستقر فيه عدد من الأفكار و الرؤى العقلية التي تتحكم بالطبع في عقلنا الواعي , لذا فمفهوم جدا هذا النقد الذي يوجهه برهان غليون في كتابه "الوعي الذاتي "لخطاب محمد عبده حديثا و خطاب المعتزلة قديما لاقتصارهم في النظر إلي العقيدة على الجانب العقلي و إهمال التجربة الذاتية و الوجودية "الوجدان" ,
فهذا في رأيه كان سبب لحرمان خطاب الإصلاح لعبده من قاعدة شعبية قوية , لإن الهجوم على التصوف أدى لكبت المشاعر الدينية ثم انبعاثها حول أهداف و رموز سلبية , طائفية أو مهدوية , و يرجع غليون هذا الإهمال لضغط الظروف التي تشكل فيها الخطاب و التي جعلت مشكل العقل له الأولوية كلها و بالتالي أدى لإختلال التوازن , و في ظل مطلب التوازن ذاته يرى فهمي جدعان في كتابه " الماضي و الحاضر , دراسة في تحولات التجربة الفكرية العربية "  أن الطريق الملكي للإصلاح يتمثل في استعادة محاولة الأشعري الجمع بين العقل و النص و الوجدان , الذي انحرف مع الغزالي لإعتبار الوجدان نفسه أو الروح بديل للعقل ذاته , و بالتالي فسواء غليون أو جدعان فتفسير الإنحراف تجاه الروح أو الوجدان من جهة أو تجاه العقل من جهة أخرى أسبابه خارجية عن منطق العقل الذي نشتغل من خلاله , لكن ربما إعادة صياغة المشكل بشكل مختلف يظهر لنا أمور أخرى , فنظن أن تلك الصياغة , (مشكل خطاب الإصلاح أنه مال لعقل , مشكل الغزالي انحرافه عن طريق الأشعري الملكي ), هي السبب في كوننا نبحث عن أسباب خارجية لتبين أسباب هذه الأزمة , في حين لو طرح المشكل بصورة أشمل بحيث يكون لماذا  الإتجاه للعقل مفضي دائما لإقصاء الوجدان , و الإتجاه للوجدان مفضي دوما لإقصاء العقل؟ , أي طرح المشكل بإعتباره هذا التناقض القائم في أذهاننا بين العقل من جهة و الوجدان "الروح" من جهة , هذا يجعل في استطاعتنا بصورة أكبر رؤية السبب الحقيقي وراء هذا التناقض , و مبدئيا علينا ملاحظة أن ما يقوله جدعان عن انحراف الغزالي هو رؤية مكررة يذكرها كثير من الباحثين في تناولهم الإمام الغزالي "1", و هي مصادرة في حقيقة الأمر على كون خطاب الأشعري وسطي و توفيقي , و لإنه لا يكفي لخطاب ما أن يسم نفسه بالوسطية أو أن يجمع داخله النقائض حتى يكون خطابا توفيقيا , فإن محاولة تبين صحة هذا الفرض أو المصادرة تعد واجبة , و حتى لا يطول بنا الأمر فالسؤال الجوهري هو هل لا يمكن تفسير هذا الميل للوجدان عند الغزالي بالعودة لخطاب الأشعري نفسه ؟ أو بصورة أخرى هل ممكن اعتبار صوفية الغزالي امتدادا لأشعريته ؟ أو بصورة أكثر دقة هل يمكن النظر لخطاب الغزالي بإعتباره فضحا للمخفي في خطاب الأشعري ؟ إن الأشعري المؤسس حين اعتمد في صياغته عقائده على قواعد الشافعي التي تعطى الأولوية للنص على الواقع و العقل , ثم اعطى لهذه الطريقة سندها الأقوى بعقيدة أزلية النص فإنه قد قرأ بالفعل علاقة الله بالعالم قراءة معينة , و هي علاقة العالم فيها لا يتقوم بقانون بل هو خاضع تماما لإرادة خالقه , أي أنها علاقة تبعية فقيرة  يصفها علي مبروك في كلمة واحدة بأنها ليست علاقة , و لا يمكن تصور جعل القرآن معنى قائم بالأزل و الحرف الفاني تعبيرا عنه توفيقا بين القائلين بأزلية القرآن و خلقه , بل بالأحرى تلك الصورة لا تزيد فكرة فقر العالم و هامشيته إلا وضوحا , فالمعنى خارج العالم لا يمنح الله العالم منه أكثر من صدى صوت , لذا فإصرار الغزالي على نفي السببية إبرازا لوجه الله السلطاني و على السفر عروجا في السماء بروحه وصولا للمعنى تجاوزا للحرف الفاني الذي تعرفه العقول هو الاإمتداد الطبيعي للأشعري , فالعالم هو أيضا إشارة على الله تماما كحرف القرآن , لذا فهو مجرد معبر لماوراءه , و الإشارة يقرأها العقل "الفقه , التفسير , التأويل , علوم الكلام " لكنها أبدا لا ترضي الروح  , و لإن الإشارة أو العلامة شديدة الفقر لأنها فقط تشير و لا تنقل من الحقيقة إلا الظل فهي تستحيل سدا يحجب الحقيقة  و لابد أن يتم التخلص منه , لذا نرمي وراءنا البدن و العالم و الحرف لنعبر للحقيقة طالما أنها وحدها الحقيقة , فطالما أن ماوراء العالم أفضل من العالم و المعنى خارج العالم و الأرض يجكمها النص الخارج عنها , فمهما قيل عن وسطية الأشعري و توفيقه فإنه يظل كلاما فوق السطح ينتظر عبقري كالغزالي للإفصاح عن عمقه !!
و أخصب موضع لإظهار هذا العمق الذي يحتله الإله مطلق الإرادة نافيا تقوم العالم و مخضعا العقل للروح هو رؤية الغزالي للوحي , يقول نصر أبو زيد في الفصل الذي عقده عن الغزالي في كتابه "مفهوم النص " إن حركة الوحي النازلة من الله إلي الإنسان و التي تعني الكشف و الإفصاح و البيان قد تحولت في الفكر الديني المتأخر إلي حركة صعود من جانب الإنسان إلي الله ذاته , و على حين كانت حركة الوحي في بدايتها تستهدف الإنسان بما هو عضو في جماعة و من ثم تستهدف إعادة بناء الواقع لتحقيق مصلحة الإنسان و لإشباع حاجاته المادية و الروحية , فقد كانت الحركة الإنسانية في التصورات الصوفية  حركة للخلاص الذاتي ...لقد تحولت حركة الكشف إلي محاولة اكتشاف , و صار النص الكاشف مجرد أداة لاكتشاف قائل النص و التوحد به ..."
و بالتالي فإن الوحي ليس تجربة  يتخارج فيها الإله عن ذاته إلي العالم , بل هي تجربة تتطلب منا نحن الخروج من العالم بإلغاء العقل و الواقع و الحرف الذي يحجب جلال الحقيقة , و بالتالي فهي تجربة روحية غير عقلية في مبناها أو محاولة تفسيرها , بل إن العقل ليس فقط مستبعد بل  تابع لها لإنه تابع في إدراته للواقع للنص نتاج هذه التجربة في خطاب الأشعري المؤسس , و هذا معناه أن عدم قدرة العقل على مباشرة الواقع لإنه عقل تأويلي _أو أشعري كما يقول الجابري _"2 " و هي الأزمة الأخرى التي تؤرق غليون تنتج عن هذه الرؤية نفسها لعلاقة العالم بما وراءه و التي تلغي العالم لحساب ما وراءه , مما يؤكد أن  كون الإتجاه للعقل لا يؤدي إلا إلي إفقار الروح و العكس بالعكس , و أن الإتجاه للروح هو الأكثر منطقية حيث المعني خارج العالم و العقل حيث المعنى صفة الله الأزلي , يرجع كله لتصرونا عن الإله صاحب الهوية المغلقة التي تتأبى التخارج ....

و هذا الإله نفسه هو الذي يحتل خطاب عبد الكريم سروش رغم أن ظاهره يوحي بغير ذلك , فإن كان المفكر الإيراني الكبير يرى أن تجربة الإتصال بالسماء هي تجربة بعدد نفوس الخلائق و أن النص غير حاكم على الواقع مما يعطي إيحاء بتحريره من قبضة النص الأزلي , إلا أن أسباب عدم حاكمية النص للواقع عند سروش هي ما تكشف عن هذا الوجه للإله الممتد من الأشعري عبر الغزالي , فالنص غير حاكم عند سروش لإن الدين غير علماني كما يذكر في كتابه "الدين العلماني " , فالدين عند سروش هو تجربة روحية , صعود آخر نحو الله , و العالم مطلب لابد من إشباعه سريعا بواسطة العقل لتتفرغ الروح لرحلتها سر وجودها , مرة أخرى الله \ العالم , الروح \ العقل , و سروش حين ينزع عن الأصل المفارق "النص" أصليته لكونه حرف أو بلغة سروش مستعيرا من كانط نتاج لتجربة النبي المحددة في الإفصاح عنها بقوالبه العقلية "المرتبطة بعالم الظواهر , عالم الحس " الغير قادرة على النفاذ لعالم الشي في ذاته "الله " , فإنه يمضي أبعد من الإمام الغزالي في إظهار تلفيقية الأشعري باقية الأثر في خطاب الغزالي , فإن كان النص تم نزعه عن سياقه ليصبح أزلي بما يعينيه من نفي لقوانين يتقوم بها العالم فهو ينفي تماما أهمية العالم , و بالتالي من غير المنطقي أن يطلب قائل النص منا أن ندير عالمنا و نهتم به إذا كان هو أصلا زائد عن الحاجة و منفي في نصه الأزلي , حيث يصبح الإهتمام به إبتعاد عن النص بما هو أزلي غير واقعي , بهذا يصبح الغزالي حين يجعل النص حاكم على الواقع الغير مهم أصلا  وارثا لبعض تناقضات خطاب الأشعري التي تنجلي عارية مع سروش حين يعلن إغلاق التجربة على العبور الروحي لما وراء العالم و نفي العالم عن  إهتمامهما ليؤكد تلك الصورة للإله صاحب الهوية المغلقة الذي يأبى الخروج عن ذاته ...



التجربة كحركة ..أو مسافة المسيري
_______________________
ربما مفهوم المسافة عند المسيري و الذي يراه مميزا للرؤية التوحيدية في رؤيتها للوجود (الله و الطبيعة و العالم ليسوا كل واحد بل الله تفصله مسافة عن الإنسان و الطبيعة  كذا الإنسان تفصله مسافة عن الله و الطبيعة ) يعطي ايحاء بحكم حرفه حتى بعلاقة لا تقوم على الصعود لله بل على الحركة من الإنسان و الله كليهما , أي أنها تعطي إيحاء بتخارج الله عن ذاته , و علينا فحص هذا المفهوم جيدا حتى نستطيع تبين هل هذا الإيحاء صحيح أم لا , لكن علينا أولا فهم نظرة المسيري للعلمانية حيث تتحدد رؤيته التوحيدية تلك في مواجهة العلمانية كما يراها , فنقول إن المسيري لا يرى مثل البعض أن العلمانية هي فلسفة مادية تقصي الروح بل هو يراها قائمة على إذابة الروح في المادة , الله في الكون  الإنسان في الطبيعة , فالثنائية الأزلية التي تحير الإنسان عنده ليست (روح \ مادة أو الله \ عالم) , بل هي (ثنائية \ واحدية , حلولية , مادية أو روحية ), لذا فإن كان البعض يرى علاج الأزمة التي تولدت عن العلمنة هو إضافة الروح , فإن الحل عند المسيري يتمثل في "المسافة " , في النظر للوجود بإعتباره ليس كل مصمت بل عالم يفصل بين حدوده مسافة , و لو سألنا المسيري لماذا يتجه الإنسان لإختزال هذه المسافة التي يراها هو أصلية في الوجود , فإن المسيري يقول أن الإنسان تتنازعه نزعتان ربانية تحاول الحفاظ على المسافة , و أخرى جنينية تحاول اختزالها رغبة منها في العودة لعالم فردوسي سائل واحدي ليس فيه مسافات , عالم يشبه عالم آدم قبل أن ينطق باللغة "التي خلقت المسافة بينه و بين الطبيعة " , لكن لو تأملنا قليلا سنجد أن هذا يعني أن مرحلة التوحد الفردوسي هذه هي جوهر الوجود أصلا و أن خلق آدم و منحه اللغة شيء طاريء على الوجود , نزعه من هذه الحالة الأصلية قرار آلهي , ويمضي المسيري ليخبرنا عن كون الإله حين يمنح آدم اللغة ليفصله عنه و عن الطبيعة فهو لا يمنحها كاملة بل فقط دوالها أم المدلولات فهي في يده لا زالت !! , و حين يرسل الله لنا رسالة يظل معناها الأزلي عنده و لنا الحرف الفاني , و حين يحدثنا فهو يحدثنا عن مالا نرى , عن الغيب و ليس عنا و عن أرضنا , و بالتالي فهي ليست رسالة حيث المرسل إليه "كعضو في جماعة يحيا في العالم " غائب  , و هي ليست مسافة , حيث الله لم يخرج عن ذاته , و تفقد اللغة كونها أداة للتواصل لتصبح أداة لحجب الله عنا أو بلغة المسيري للحفاظ على المسافة , و تظهر وهمية مفهوم المسافة بصورة شديدة الوضوح , حين يصبح الضامن لاتفاق الدوال و المدلولات هو الله , و الضامن لعدم تدخل الله في التاريخ "للحفاظ على المسافة بين عالم حرية الإنسان و بين الله " هو الله فهو وعدنا ألا يتدخل في التاريخ , أي أن المسافة ليست شيء في جوهر الوجود بل هي منحة من إرادة مطلقة تعد و تضمن , و كونها تعد و تضمن ينفي تقوم التاريخ و اللغة بأي قانون من ذاتهم حتى نضطر لإثبات تقومهم باللجوء لخارجهم أي بنفي تقومهم , فالمسافة لا تكون جزء من الوجود إلا إذا كان الله هوية متخارجة يفترض آخر و ليس يختار بحرية لا اكتراث وجود هذا الآخر "العالم , و الإنسان" , أي أن مفهوم المسافة عند المسيري بما هو مقحم و هجين على التصور التقليدي للوجود و لصورة الإله لا يفعل أكثر من إظهار عدم قدرة هذا التصور على إعطاء العالم تقوما أو الإنسان حرية أو اللغة جوهرها أو الرسالة معناها !!
, أي أنه لا يفعل سوى إظهار ضرورة تجاوز هذا التصور ! "3"


من العبودية إلي العبادية
______________
لو عدنا إلي تعليق نصر أبو زيد على تحول الوحي إلي تجربة صعود لله , و سألنا كيف يرى نصر أبوزيد الوحي؟ , صحيح أن نصر لا يتفرغ لحل إشكالات لاهوتية , لكن نظرة نصر للقرآن نفسها تفترض حامل لاهوتي معين , فنصر حين يحاول موضعة الواقع و الإنسان داخل الخطاب القرآني و حين يقول إن القرآن حياة , فهو لا شك يرى تجربة الوحي كتجربة من أجل الواقع لا للخروج منه , و هذا يعيدنا للإشكال الرئيسي و هو صورة الله , أي أن السؤال يصبح هل تتغير صورة الله عند نصر عنها في رؤية من ذكرنا في السطور السابقة ؟
على الأقل مرتين يتعرض نصر لعلاقة الله بالعالم و الإنسان  في كتابه "نقد الخطاب الديني " , المرة الأولى حيث يصل بتحليل الخطاب الديني لكون أحد منطلقاته الذهنية و آليات تفكيره رد كل الوقائع إلي علة واحدة هي الإرادة المطلقة , و المرة الثانية حين يتحدث في الفصل الثالث "دراسة إستشكالية لأنماط الدلالة" عن التحويل الدلالي الذي قام به القرآن في لفظة "عبد " عند وصفه لعلاقة الله بالإنسان , و كيف أن القرآن نقل العلاقة مع الإنسان من العبودية بمعنى الإنسحاق للعبادية بما تعنيه من كون الحب و استقلال الذات ركن أساسي فيها , رفض فكرة العبودية أو إهدار كل القوانين بإطلاق الإرادة المطلقة هو اعتراض على صورة الله \ السيد \ الملك \ المستبد , و العبادية التي تعنى عبادة مطعمة بالحب هو محاولة لتأسيس صورة جديدة , و إن كان ما يميز صورة الله \ السيد \ الملك \ المستبد هو أن علاقته بالطرف الآخر "العالم , الانسان " علاقة أحادية , من اتجاه واحد فقط , أي لا علاقة كما تقدم , فإن شرط الصورة الجديدة هو كونها قادرة على صنع علاقة حقيقية , مليئة بالحركة  , و لكي تكون العلاقة بهذه الصورة , لابد أن يفقد الاله استبداده النابع من كونه هوية مغلقة يستمد وجوده من انغلاقه على ذاته ليصبح الإله متخارجا عن ذاته ...
و هو يتخارج عن ذاته في الوحي , الذي يصبح اتجاه العقل  للعالم , حيث تجلي الإله المتقوم بذاته  , و العقل تجلي الروح , و هذا التصور يقضي على الأبوية و الهرمية التي تسكن ثنائيات الله \ العالم , روح \ مادة , وجدان \ عقل إلي آخره , و يحتاج و يفترض في نفس الوقت إضاءة لتجربة النبوة نفسها و فهمها فإن كان تصور سروش و قبله الغزالي و الأشعري يجعل النبوة إما إختبار مطلق من الله أو كسب نتيجة لنمو قدرة روحية _غير عقلية _ عند النبي , فربما لو كنا نصريين أكثر من نصر لربما كنا سنقول وفقا لرؤيته السابقة تلك أن تجربة النبوة هي نتاج تطور ملكة العقل نفسها في قراءة الواقع !!


_______________________________________________

"1" قراءة نصر للغزالي تتميز عن غيرها بكونها تستحضر الجانب الأشعري إلي جوار الجانب الغنوصي في تفكيره , في حين يقتصر البعض على قراءة الغزالي كخاضع للأفكار الغنوصية وحدها بما يعني كون التصوف العازف عن العالم هذا و الذي يؤدي لإستقالة العقل هو نتاج تأثير ثقافات غير إسلامية على الإسلام , و ربما هذا لسيطرة فكرة كون الإسلام يوفق بين هذه العالم و ماوراءه , و العقل و الوجدان إلي آخره

"2" يرى الجابري في كتابه "الخطاب العربي المعاصر ....دراسة تحليلية نقدية " أن عقل الإصلاح الديني هو العقل الإشعري بالذات الذي لا يخالف فيه العقل النص لإنه تابع له , و الذي لا يستطيع بطبيعة الحال أن ينتج علما لكنه فقط قد يكون صديقا له !

"3" و الغريب و الكاشف أن المسيري حين يحاول في كتابه "
العلمانية الشاملة و العلمانية الجزئية " تطعيم أطروحة برجر و فيبر التي تفسر نشأة العلمنة بأنها امتداد للأديان التوحيدية  الأد بكون الروافد الحلولية داخل التراث التوحيدي هي السبب في نشأة العلمانية الحلولية التي تختزل المسافة لإنه يرى الرؤية التوحيدية تقوم على  المسافة , فإنه يشير إلي تراث القبالاة الحلولي , و تراث القبالاة الحلولي هذا هو نتاج لرؤية تنسب للإله تلك الهوية المغلقة التي تتجلى في الإستبداد , فذوبان الإله في العالم عند القبالي لا يمكن تفسيره بكونه تخارج للذات مثلا بل يفسر بكونه رغبة في الهيمنة على الوقائع داخل العالم و التخلص من التاريخ الإنساني لمصلحة تاريخ إلاهي محدد سلفا بحيث تصبح التفاصيل في العالم علامات متطابقة مع ما قاله الله في التوراة الموجودة قبل العالم "تماما كالقران في التصور الأشعري , و لغة التوراة العبرية مقدسة عنهدم أيضا كالعربية في التصور الأشعري "  !!, و هي لو كانت رؤية طارئة على التوحيد فهي ليست طارئة على التصور السائد للإله و الذي يكرسه المسيري كما ذكرنا , هذا يعني أن المسيري حين أقحم مفهوم المسافة على بنية للوجود لا تحتمله فقد أعاد لنا نفس صورة الإله المستبد الذي يراه هو سببا في ظهور العلمنة التي يحاربها , و إذا كان يشدد على دراسة اسبينوزا و أثره في نشأة العلمنة الحلولية و هو يهودي , فإنه يتناسى أن اسبينوزا هو امتداد ديكارت الذي دشن العصر بضمان الإله قوانين الفيزياء , كضمان الإله عند المسيري لاتصال دوال اللغة بمدلولاتها و عدم التدخل في التاريخ , بحيث ذوبان الإله عند سبينوزا في الطبيعة أو رفع الطبيعة لمرتبة الإله أقرب أن يكون بسبب تعليق قانون الطبيعة في يد الإله وحده عند ديكارت و عدم تغيير النظرة لطبيعة الإله !!



الجمعة، 4 أكتوبر 2013

الروح \ المادة هرمية تتخفى وراء قناع التوفيق

"إن قضية الخلق , هي , في الحقيقة قضية الحرية الإنسانية "
 هكذا قال بيجوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق و الغرب " ليثير في أذهاننا عدد من الإشكاليات الفلسفية القديمة و الكبرى , يمكنننا الدخول لهذه الإشكاليات من خلال هذا السؤال الذي طرحته مشاغبة لانجه في كتابه "تاريخ المادية "(1) , و هو سؤال أي طريقي التفلسف أقدر على تحرير الإنسان , هل الفلسفة المادية أم الفلسفة المثالية ؟  لاشك أن كل فريق سيستطيع أن يجد له أدلة على كون طريقه الفلسفي هو طريق التحرير الوحيد , فلن يعدم المادي أن يقول إن المستبد لا يريد أكثر من تغيبب العقول عن رؤية الأسباب المباشرة الواضحة لمشاكلها و نسبتها إلي إرادة خارجة عن العالم حتى لا تقوم بمحاولة تغييرها , و أكثر من إقناعهم بتأجيل حلمهم في العدل لعالم آخر , لذا فليس طريق التحرير سوى التخلص من محاولات التغييب , و الأقتصار على عالمنا الذي نرى , ففيه الداء و الدواء و ما بعده محض خرافة صيغت لتبرير القهر أو للجهل بقزانين العالم , و لن يعدم صاحبنا أيضا من تزيين أطروحته تلك بأسماء لفلاسفة كبار عظام من التيار المثالي مثل أفلاطون لم يرتاحوا لحكم الناس لأنفسهم و لا حتى لتعميم المعرفة بينهم , تلك الفضيلة التي تحسب للسوفسطائييين بإخراج المعرفة من غموض و سرية الفيثاغورثيين لفضاء الأجورا , لإكمال ذلك الطريق الذي اختطه الفلسفة لنفسها منذ البداية حيث نزعت الكلمة من ملك القصر المسيني و كاهنه و أعطتها للديموس "الشعب " ليعرف بنفسه كما يحكم بنفسه (2), ثم أعادها فلاسفة المثالية للسماء و اشترطوا للوصول لها الصعود بجدل افلاطوني عبر المحسوس تجاه المجرد يقدر عليه الحر اليوناني و لا يستطيعه العبد الغارق في المادة , لكن الفيلسوف المثالي سيرد الصاع صاعين , و يقول إن التحرير لا يمكن أن يتم إلا بالتأكيد على كون الواقع ليس هو الواقعية النهائية , فهناك دائما مثال يتجه له الإنسان هو ما يحرره من قبضة هذا الواقع و من أن يتم إستعيابه فيه ,  سيرفع عقيرته قائلا من أين نستمد الأخلاق و الجمال إذ لم يكن العالم غير مادة ؟ و لن يعدم هو أيضا تزيين أطروحته بأسماء لفلاسفة ماديين كانت فلسفتهم تثبيت للوضع القائم المليء بالقهر , ألم يكن إستعمار الغرب للعالم مدعوم بنظرة مادية ترى أن الطيبيعة فضلت هؤلاء على هرلاء و أوكلت لهم حمل العبء ,و حسبت مدخلات الحرب و مخراجتها دون مراعاة كون الإنسان غاية لا وسيلة ,  كيف علاج هذا إذ إن لم يكن بالعودة للروح للمثال ؟


في الحقيقة نستطيع تصور استمرار هذا الجدل طويلا ربما دون حسم , و كل تهمة يكيلها كل صاحب فلسفة للآخر تستطيع أن تجدها عنده هو أيضا , فتقسيم الناس تقسيم أزلي لطبقات و نفي حرية الإنسان و قدرته على الفعل و تعتيم المعرفة و إحاطة مناهجها بسرية تجعلها مملوكة لفئة واحدة ,و تثبيت الوضع القائم و تأبيده ,  هي أمور موجودة في كل من التيارين الفلسفيين الكبار , و تظل حجج كل تيار مقنعة في ربط التيار الآخر بنيويا بالقهر !! و تظل حجج كل تيار في ربط نفسه بنويا بالتحرير أيضا مقنعة !! , فبالفعل لا يمكن أبدا تخيل إمكان تحرير الإنسان من قبضة الأفكار أو الأوضاع إلا بإرخنتها أي قرائتها قراءة علمية تفسر قوانينها من داخل العالم , في حين قد يميل التصور المادي لتصور العالم ساكن و حتمي و بهذا يصبح التغيير مستحيل حيث تختفي الحرية ذاتها و القدرة على الفعل !! , و إذا كانت الرؤية المثالية تجعل العالم هو موضع التغير لا الثبات و الأزلية الذي تحفظه لماوراء العالم فإنها أيضا قد تميل لإعتبار العالم غير مهم بسبب هذه السمات نفسها التي تعد عندها سمات نقص و ترك العالم يفضي يصورة عكسية لتثبيت أوضاعه , أضف إلي هذا كون نسبة العالم المادي نسبة تبعية تامة لما ورائه تجعل حتى حوادثه المتغيرة محكومة بالماوراء أي أنها أيضا فوق قدرة الإنسان على تغييرها !!
لهذا فإن محاولة تجاوز هذه الثنائية مادة \ روح أو بلغة اخرى عالم \ ما وراء لتحقيق التحرير الحقيقي للإنسان  هو ددين كثير من المحاولات الفلسفية و قبل هذا هو ديدن الأديان ذاتها بإعتبار من أهم أهدافها إن لم يكن الأهم هو تحقيق التوازن للإنسان و تحريره , و بالطبع فإن القول بإن الدين الإسلامي استطاع تحقيق هذا التوازن بين عالمي المادة و الروح و العالم و ما وراءه إلي ما يتبع هذا من ثنائيات مثل العقل و الوجدان و العلم و الدين و العمل و العبادة , نقول إن هذا القول مشهور لدرجة لا تحتاج منا لتكرار , لكن ما يبرر لنا الحديث عنها مرة أخرى هو ضرورة إعادة وضعه بين الأقواس , أشكلته , إخراجه من طور المسلمة إلي طور المشكلة التي تحتاج لبحث , هذه الضرورة تنبع من كون التوازن لا يزال مفقودا , و من كون تكرار مثل هذه المقولات عند عدد لا بأس منه المفكرين الكبار ليس سوى محاولة منا لإخفاء الشكل الحقيقي الذي تنظر به عقولنا لهذه الثنائيات ...

إفصاح زكي نجيب و إخفاء بيجوفيتش
_______________________
نستطيع أن نلمس و لو قدر من التقارب على الأقل في موضوع التوزان بين الثنائيات عند كل من زكي نجيب و علي عزت بيجوفيتش , فالقاريء لصاحب "عربي بين ثقافتين " و لصاحب "الإسلام بين الشرق و الغرب "  يستطيع تلمس الرغبة الشديدة التي يملأها الحيرة أحيانا في الجمع و التوفيق بين العلم و الدين و الإنسان و الله و العالم و ماوراءه , بل إن كان عملاق التنوير يرى أنه أول من وضع إشكالية النهضة بإنها إشكالية التوفيق بين الأصالة و المعاصرة , فإن هذا الإشكال لم يغب عن ذهن بيجوفيتش و إن بصورة أقل مما هي عليه عند وكي نجيب , لكن زكي نجيب يفصح ببساطة عن المأزق الرئيسي في قضية التوفيق_ و هو ما لا يفعله بيجوفيتش _ ,و هي أن أطراف الثنائية ليست متساوية , فالروح أفضل من المادة , و الدنيا مهما اهتم الإسلام بها فهي جسر إلي الآخرة الخير و الأبقى  , و الحياة حتى لو هامة فهي ليست الحيوان , بهذا تتجلى الهرمية التي تحكم كل الثنائيات , و التي تفعل فعلها في إفشال كل محاولات التوفيق التي يجهد نجيب نفسه في محاولة عقدها , فبعد أن وضع الدين و الأخلاق و الفن في جانب الأصالة "الوجدان" و العلم في المعاصرة "العقل" , فإنه لا يضعهم أبدا على قدم مساواة , فالعلم يظل خاضعا للدين كما نرى في موقفه من نظرية داروين , و يتجلى أكثر في قبول طريقة تعامل مع النص لا تستطيع أبدا الإتساق مع الطريقة العلمية في التفكير , فالتعامل مع النص وفقا لآلية التفكير بالأصل بما تنطوي عليه من نفي قوانين اللغة و الإجتماع و التاريخ لا يستطيع سوى تهديد الرؤية العلمية و ضربها في الصميم , أي أنه مؤذن في النهاية بتفجير تلك الوحدة الممتخيلة و إفقادنا هذا التوازن المنشود !!
غير أن من اكثر المجالات التي حللها العملاق بخصوبة و أصالة و قدرة أيضا على إظهار الحيرة هي محاولة توفيقه بين الفن و العلم الحديث (3) , فالرجل بعقل نابه يلمس كون الفن العربي القائم على مراعاة النماذج المعدة سلفا أكثر من مراعاة الواقع و تجربة الفنان يعد مهددا لتوجيه العقل إلي الواقع , و لكن وضعه للفن في جانب الأصالة يجعله يتردد في رفض هذه الطريقة في التعبير عن الوجدان لينتهي به الأمر لمحاولة التوفيق داخل الفن نفسه بين الفن القائم على الفردية و التجربة المعاشة و بين النظرة الكلية التي تمثل جوهر رؤية العربي للعالم , هذا يعني ببساطة أن محاولة التوفيق بين العلم و الفن انتهت لمحاولة توفيق بين الفن و الفن !! مما يعني أن محاولة الدكتور إحداث توازن لم تفعل سوى كشف اللاتوزان الحقيقي بين عقل العربي و وجدانه الذي يعمل على مفارقة العالم من جهة و بين العلم الحديث الذي يتجه له من جهة أخرى بسبب الهرمية التي تحكم علاقة العالم بما وراءه في أذهاننا , تلك الهرمية المخفية و التي أفصح عنها هو بذكاء !!

و تفصح أيضا هذه المحاولة عن إدراك عميق لعلاقة الفن الحديث بالرؤية العلمية الحديثة لإشتراكهم في الأصل الفلسفي و هو رفض النماذج السابقة التي تمثل وصاية على العقل و تحجب عنه الرؤية الواضحة لواقعه و التعبير الحر عن وجدانه, و هو الإدراك الغائب عن ذهن بيجوفيتش !! , لكن لتوضيح هذا علينا أولا التنبه لكون الأمر عند بيجوفيتش هو عكسه عند زكي نجيب , فإن كان زكي نجيب بحكم محاولته تكريس رؤية علمية يحاول التوصل لفن يستطيع التوافق مع هذه الرؤية , فإن بيجوفيتش يتعامل مع الفن بإعتباره طريق الخلاص من العالم المادي الذي سقط فيه الإنسان في العصر الحديث, و هو و إن كان لا يرفض العلم إلا إنه يفضل الفن عليه , فلا يمكن مساواة تأمل تولستوي في مصير البشر و إبداع بيتهوفن لسيمفونيته بإفناء جليليو عمره في التفكير في مسألة  سقوط الأجسام أو بتفكير نيوتن في الجاذبية,
فالفن روح و إلهام و طريق إلي الله بإستعادة لحظة الخلق لحظة الحرية كما صدرنا كلامنا,  في حين العلم مادة , و الروح أفضل  من المادة و الإتجاه لما وراء العالم أولى من الإتجاه للعالم , هذه الرؤية الهرمية التي أفصح عنها نجيب و يخفيها بيجوفيتش وراء "الوحدة ثنائية القطب " تلك المقولة التي يرى فيتش أن الإسلام حققها في كل شيء و يحاول هو قراءة كل شيء من خلالها , فالثقافة روح و الحضارة مادة , و الفن روح و العلم مادة , و لإن بيجوفيتش يتجاهل العلاقة بين الفن الحديث بكل تطوراته حتى الفن العبثي يقدرته على سبر أعماق الإنسان و تحريره و تجسيد تجربته و فهمها من ناحية و بين العلم الحديث و منهجه من ناحية أخرى فإن محاولته تخرج من نطاق التوفيق إلي نطاق الإضافة و التجميع الغير واعي , فإن قبول هذه البينة الهرمية و محاولة إخفائها سيجعل العالم في تصورنا تابع تام لما ورائه و ما يتبع هذا من إفقار للعالم و التجربة المعاشة فيه لصالح نماذج أزلية تحدد طريقة نظرنا للعالم و طريقة تعبيرنا عن وجداننا نفسه !!
مما يعني أن الفن المعبر عن الإنسان و طموحاته و أحلامه و انكساراته لن يصبح له وجود في ظل هذه الرؤية , و لعل ممن تنبهوا لفكرة إخضاع الفن العربي للنماذج السابقة هو محمد قطب في كتابه عن الفن الإسلامي لكن لإن قطب يظهر بوضوح رؤيته الهرمية فإنه لا يقبل هكذا الفن الحديث بكل تطوراته بل هو يضع نموذج بديل للفن يظهر فيه الإنسان بالصورة التي رسمها القرآن و التي و إن جمعت الروح و المادة و الانتصار و الإنكسار إلا أنها لا يمكن أن تحتفل بلحظات الإنكسار و الخطيئة كما يفعل الفن العبثي الذي يدافع عنه بيجوفيتش بإعتباره رغبة في عالم أفضل تنطلق من إدراك لعبثية العالم المعاصر "الواقع " , فالفنان عند بيجوفيتش مرتبط بواقعه و معبر عنه في حين عند قطب هو معبر عن النموذج , و فكرة النموذج لا يمكن تجاوزها بالإشادة ببكيت بل فقط بتجاوز ما يؤسسها من هرمية تنفي عن العالم تقومه بذاته و خصوبة تجربته و حرية العقل في قرائته و التعبير عنه و عن وجدانها دون التقيد بنماذج معدة سلفا و هو تجاوز غير موجود عند بيجوفيتش بل يتم التعمية عليه بالوحدة ثنائية القطب ..

في قلب الثنائيات
___________
" السر يوجد في الدنيا كما يوجد ورائها , و السماء و الارض و الاشياء تخاطبنا في كل حين , علينا أن نعي ما نقول , فأنا اعشق السر كما يتجلى في هذه الدنيا , كما سأعشق وجوده بعد الموت "

اسماعيل قدري من "قشتمر " لنجيب محفوظ

في قلب كل هذه الثنائيات تتمركز الثنائية الرئيسية و الكبرى و هي ثنائية الله \ العالم , و تتجلى فيها بقوة تلك الهرمية التي تجعل العالم مجرد تابع خاضع للإرادة المطلقة الغير محددة , هذه الإرادة أنشأت العالم انشاءا لمحض لمشيئتها و بالتالي فالعالم زائد عن الحاجة , كان و كان من الممكن ألا يكون إلا أن الإرادة شاءت هذا , و هذه الرؤية التي تجعل العالم لا قوام له وقفت كحاجز أمام كل محاولة من العقل لجعل العالم مفهوما , فتحرير العلم من قبضة اللاهوت معناه تحرير العالم من الإرادة المطلقة و إثبات تقومه بقانون داخله يستطيع العقل قرائته , و أهم المحاولات في العصر الحديث في هذا الصدد هي محاولة أبي الفلسفة الحديثة ديكارت , لكن ديكارت لم يضع موضوع الإرادة المطلقة موضع سؤال بل إنه اكتفى بتعديل متعلق هذه الإرادة معتمدا على عناصر أخرى داخل اللاهوت الكاثوليكي , فمتعلق الإرادة لم يصبح اللاقانون بل أصبح القانون , فالإرادة المطلقة ارتأت أن تحد نفسها بقوانين لإن هذه الإرادة هي إرادة إله رحيم غير ماكر يريد أن يهيديني و يجبني مزالق الشيطان الماكر , فخلق العالم واضحا مفهوما بقوانين حتى استطيع قرائتها , لا شك هناك محاولات تشبه محاولة ديكارت هذه تحاول البحث عن إثبات لتقوم العالم عن طريق الإعتماد على الله , و إن كانت أصالتها و إحتفائها بالعقل أقل كثيرا من ديكارت كما يظهر من أنها لا تقيم هذا على أساس قراءة عقلية لله بل عن طريق اللجوء فورا للنص , المهم أن هذه الرؤى تبحث عن إثبات تقوم العالم بقانون عن طريق اللجوء لما وراء العالم , وبصورة أوضح في حالة من يلجأ للنص لإن فيها يتم القيام بإثبات القانون يتم برفع القرآن فوق الواقع أي نفي قوانين الواقع , معنى هذا إن كل هذه المحاولات و إن بدرجات مختلفة تنفي تقوم العالم بقانون حال إثبات تقومه بقانون!! هذه المفارقة وحدها دليل على الحاجة الماسة لإخضاع هذه الثنائية لقراءة جديدة تخلصها من تلك الهرمية التي تسكنها ..
و الغريب أن قراءة هذه الثنائية وفقا لعلاقة أخرى تختلف عن العلاقة الأحادية موجود له بدايات بالفعل داخل التراث التوحيدي نفسه , فقراءة بعض المتصوفة على رأسهم الشيخ الأكبر ابن عربي (4 )  تجعل العالم قد خلق بصورة "ضرورية " حتى يرى الله كمالاته في العالم , أي أن العالم هو تعين إمكانات الخالق نفسه و بالتالي فوجودها ليس وجود شيء زائد كان ممكنا ألا يوجد بل هو وجود تفقد الألوهية ذاتها معناها إن لم يكن موجودا , و وضعنا كلمة ضروري بين معقوفتين هو لإزالة سوء الفهم المتوقع تجاه تلك اللفظة بإعتبارها توحي أن هناك شيء آخر أجبر الله على خلق العالم , فليس هكذا الأمر فالخروج من العلاقة الأحادية يخرج بنا أًصلا من ثنائية اختبار مطلق \ جبر , فالخلق هنا إبداع تتجلى فيه الممكنات فهو اختيار و ضرورة في آن , و إذا كانت الحرية عند بيجوفيتش لا تتعارض مع وجود قوانين للعالم و في رأيه هذا أيضا تصور الإسلام , فإن هذا الطابع الثنائي للحرية متجذر في الخلق نفسه , أليست قضية الخلق هي قضية الحرية كما يقول في المقطع الذي صدرنا به هذه السطور ؟!!

العلم و الفن مرة أخرى
______________
القراءة التي يقرأ بها بيجوفيتش كانط هي قراءة محكومة بالهرمية المتعمد إخفائها في خطاب بيجوفيتش !! ,  فالنظر لفلسفة كانط بإعتبار أنها لإنها فلسفة تثبت عدم قدرة العقل النظري على إثبات وجود الله و الخلود و الحرية في حين يستطيع هذا العقل العملي فإنها فلسفة تكشف عن تناقض الذات البشرية هي في الحقيقة نظرة ملئية بالمشكلات , فأولا هذه القراءة لا تكشف عن تناقض الذات البشرية و لا شيء بل هي بالأحرى تكشف عن التناقض الذي سببه الفصل الحاد بين العقل و الروح في الفلسفة الحديثة و الذي يسبتطنه بيجوفيتش بحيث لا يعيد التفكير في الرؤية الحاكمة للعلاقة بين العالم و ماوراءه المسؤولة بقدر كبير عن هذا الفصل بل فقط يكتفي بنقل مركز الثقل للروح ظنا منه أن هذا سيحل الأمر, و فلسفة كانط تنبع من إحساس بإنسحاق الأخلاق و الجمال و الحرية تحت قطار العلم الحديث ,. لكنها حين تأسس هذه الأخلاق و الجمال فإنها تأسسها على العقل أيضا !! فأخلاق كانط و رؤيته الجمالية هم رؤيتان عقليتان , فالجمال عند كانط مثلا ليس محض شيء شعوري كما نظن بسبب وقع المصطلح على أذهاننا بل إن الجمال عند كانط له شروظ على رأسها الكلية و الضرورة و هي نفس شروط القضايا العقلية في العقل النظري عنده , فالوجود عند كانط خاضع للعقل , النظري في العالم المحسوس و العملي و الجمالي فيما وراءه , فليست الأخلاق و الجماليات عند كانط شيء مفارق للعقل أو معجز له بل هي فقط تختلف عن العقل النظري المتعلق بالمادة بحكم تركيبته , هذا أولا ,  ثانيا : هذه الرؤية التي تجعل كانط يحاول تحديد حدود العلم ليفسح مكانا للإيمان و ليس البحث عن الإيمان داخل العلم نفسه محددة بالسقف المعرفي الذي يتحرك فيه كانط و المعتمد على يقين و صدق فيزياء نيوتن و هندسة إقليدس الذين جعلوه يعتبرهم جزء من قوانين العقل النظري نفسه و هذا كله انهار مع الفيزياء الحديثة و الهندسات الاقليدية , و معه انهارت فكرة عدم قدرة العقل النظري على الوصول لله و الحرية و خلود الروح و التي تطلبت البحث عنهم في العقل العملي و الجمالي , فهذه الفكرة كانت مرتبطة كما قلنا بكون قواعد الفيزياء و الهندسة جزء من بنية العقل الفطرية و ليست مجرد إبداع من إبداعاته  كما تبين لنا الآن _ و أهم أسباب هذا هو ما فعله ديكارت من إضفاء القداسة على هذه القواعد بإعتبارها متعلق إرادة الله _, و كون العقل النظري نفسه موطن إبداع يؤهله هو أيضا لإعادة لحظة الخلق في قرائته للعالم , مما يجعل العلم و الفن كليهما موضع إبداع و يساوي بين تأمل تولستوي في مصر البشر و تفكير جاليلو في مشكلة سقوط الأجسام , فكليهما تجلي للروح , فروح الإنسان سارية في كل نشاطاته , هذا يجعل الوصول لما وراء العالم لا يتطلب ترك العلم بالعالم أو تأجيله أو وضعه في مرتبة أقل من هيمان الروح بالفن الذي ينظر له بإعتباره مفارقة للعالم , بمعنى أن الوصول لما وراء العالم لا يتطلب الخروج من العالم ,  فإن كان العالم هو تجلي ممكنات الألوهة , فإن قراءته و الإنشغال به هو طريق معاينتها !! و عدم تبين بيجوفيتش لهذه الجوانب في فلسفة كانط نابع من كونه يقرأها برؤية تفصل بين الروح و العقل , الثقافة و الحضارة إلي آخر الثنائيات المبثوثة في خطابه و التي يظنها تمثل وحدة ثنائية القطب في حين خضوع أحد قطبيها للآخر مؤذن بإنفجارها في أي وقت !!

 و النظر لللعالم كموضع لتجلي الروح الإنسانية يحافظ عليه من النزعة الإستعمالية التي يشتكي منها عدد من الكتاب منهم بيجوفيتش و يرونها إمتداد للرغبة في السيطرة على الطبيعة التي بدأت مع العلم الحديث و يرون  حلها في موازنة الأمور بالإتجاه لتأكيد أهمية الروح و أولويتها و هو ما قلنا إنه إن لم يتخلص من البنية التي تحكم الثنائيات و الثنائية المركزية فيها فهي مهددة بعدم وجود علم أصلا و بسقوط الفن في النماذج المسبقة أي بقتل الروح نفسها !!

عود على بدء
_________
" إن المجتمع العاجز عن التدين هو أيضا عاجز عن الثورة "سبب هذا عند بيجوفيتش هو كون شرط الثورة مشاعر النضال و التضحية و العدالة و التضامن , بهذا تحول الثورة عند بيجوفيتش إلي محض مشاعر و تفقد شروطها العقلية التي أهمها كون الواقع ممكن تغييره , أي كونه نتاج فعل بشري , و حين نقرأ آخر فصل في كتاب بيجوفيتش ذاك الفصل الذي يتحدث فيه سريعا عن مشكلة الشر و المواقف الحدية التي تحيط بوجود الإنسان و تحعله عاجز عن السيادة على مصيره مما يبرر اللجوء لله و الإستسلام له وحده و طلب عنايته يثار في ذهننا سؤال هام و هو هل الإستسلام لله بإعتباره صانع المقادير و طلب عنايته هو طريق الثورة لتغيير الواقع التي يربطها بيجوفيتش ربطا حاسما بالدين و ينفي عن الدين أي وقوف ضد الثورات بل ينسب هذا للدين الرسمي دين المؤسسات ؟! أم أن الإيمان بكون الواقع قابل للتغير لإنه صنعة بشرية_ و هذا يتوافق بشدة مع التوحيد الذي يجعل المقدس واحد مما يعني أن الواقع قابل لتغير و اللتجاوز _ هو الطريق إلى جعلها ممكنة , لكن الإجابة ليست مستعصية حيث تفصح البنية الهرمية عن ذاتها بقوة في فصل بيجوفيتش بين العمل و نتيجته , ليجعل النتيجة بين يدي الله ليعود العمل في العالم فعل غير متقوم بذاته , يكتسب  وجوده من خارجه , خاضع للإرادة المطلقة !!
إن وجود الله لا يمكن أن يكون محررا لوعي الإنسان هكذا بإطلاق بل يتعلق الأمر بكيفية نظرنا لعلاقته بالعالم و كونها علاقة إبداع و تجلي تجعل العالم متقوم و ليس زائد عن الحاجة كمجرد نتاج للإرادة المطلقة ..


________________________________________________________
(1 ) آفاق الفلسفة ...فؤاد زكريا
(2 ) راجع دراسة جان بيار فرنان لنشأة الفلسفة في كتابه الرائع "أصول الفكر اليوناني "
(3) تناول زكي نجيب محمود للفن في مشروعه لتجديد الفكر العربي لمحاولة رائدة لتبين العلاقة بين الأدب العربي  و بين الفكر العربي و لربط تغيير النظرة إلي العالم بتغيير النظرة للتعبير عن وجداننا , فنحن لا نحتاج فقط لإعادة التفكير في عقلنا للعالم بل حتى في طريقة صياغتنا لمشاعرنا  , و أعقب هذا محاولات أدونيس و كليطو و غيرهم من المتخصصين في الأدب , و لا شك أن الأدب العربي نفسه منذ بداية تنبه لهذا بشدة كما يتضح في محاولات تغيير الأسلوب و نشدان الوضوح و التعبير عن الذات و نبذ النماذج و الأساليبالمعطاة سلفا ..
(4 )قطعا لا يمكن الحديث أو حتى الإشارة للشيخ الأكبر في هامش !! لكن نود فط الإشارة لكون فكر ابن عربي ينتهي لجعل العالم كله مرآة لله و أنه كما يرى نصر أبو زيد امتداد للرؤية الأشعرية للعالم التي تحاول أن تجعل كل العالم في قبضة الإرادة فنتهي لرمي العالم في لجة العدم  لكن ما قصدناه هنا في ذكر تلك العلاقة بين العالم و بين الأسماء الآلهية و التي هي علاقة حدلية و ليست علاقة أحادية هو فقط الإسيتئناس بتلك المحاولة لتحفيز عقولنا على التفكير في ثنائية الله \ العالم بصورة جديدة 

الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

قراءة الدين بواسطة المناهج الحديثة

في بداية التعرف على العلوم الحديثة كانت هناك محاولة لاستيعاب تلك العلوم من عدد من مشايخ الأزهر مثل حسن العطار , لكن في هذه الفترة كانت العلوم المشار إليها في معظمها علوم إجرائية , و ليس نظريات علمية , لذا كان من السهل نسبيا إضافتها _أو هكذا خيل للعطار _إلي حصيلة العلوم التقليدية داخل الأزهر دون توقع حدوث أي صراع ,لكن الانفتاح على النظريات العملية خصوصا نظرية التطور كان مؤذنا بتغير علاقة الدين بالعلم داخل خطاب الإصلاح نفسه الذي نظر للإسلام بإعتباره يحوي كل عناصر المدنية و في مقدمتها العلم , حيث أصبح العلم هذه المرة في مواجهة بعض المسلمات العقدية , فتم النظر بتوجس للنظريات العلمية  , و اتجه الخطاب اكثر ناحية صيانة العقيدة كما نرى عند الأفغاني في الرد على الدهريين أو في ردود حسين الجسر على نظرية التطور , خصوصا عند قيام عدد من رواد العلمانية الجذرية بتوظيف نظرية التطور كبديل للرؤية الدينية و إيذانا بإنتهائها , أما المنعطف الثالث الذي أخذته العلاقة في اتجاه الصراع حدث عندما تم تطبيق المناهج الحديثة على بعض المسلمات التي يتبناها الخطاب الديني السائد باعتبارها حقائق أزلية , مثل تطبيق علي عبد الرازق منهجه الوضعي (بالمعنى الواسع للوضعية أي بدراسة الخلافة وفقا للواقع المحسوس و ما يشهد به العقل و التاريخ و ليس دراسة لاهوتية ) على تاريخ الخلافة , و تطبيق طه حسين المنهج الديكارتي على الشعر الجاهلي , و التطرق لبعض القضايا التي تتعلق بالنص مثل قضية الأحرف السبعة , و قضية الحقيقة التاريخية للقصص القرآني , و تطبيق المنهج الوضعي  كإمتداد للرؤية التجريبية التي أرساها بيكون و المنهج الديكارتي عبد الرازق و العميد يعني محاولة استعياب أساس النظرة العلمية الحديثة في رافديها الكبيرين تجاوزا لمجرد استيراد علوم تطبيقية تظل عصية على التجذر في مجتمعنا لغياب جذورها, لذا كان هذا التطبيق إيذانا بإشتعال المعركة بين العلم بمعناه العميق و بين الدين في خطابه السائد , حيث برهن هذه الخطاب على عدم قدرته تقبل شيء من العلم غير ثماره فقط .
أما إذا امتد الأمر لجوهر العلم نفسه عجزت بنية هذا الخطاب عن تقبله لأن تقبله معناه التخلص من هذه البنية نفسها كما سيتبين عبر السطور القادمة!!

العلم يدرس الدين

________________
كانت هذه المحاولات هي بداية تناول الدين  (العقائد , التشريع , طبيعة النصوص الدينية , بعض المسائل التاريخية التي يضفي عليها الخطاب السائد قداسة خاصة مثل الخلافة ..._كلما تكررت كلمة الدين في السطور القادمة فهي تعني ما وضعناه هنا بين الأقواس  _ ) بالبحث و هو ما لم يحدث في بداية التعرف على العلم كما ذكرنا , و لم يكن للتعامل الجذري الذي أظهره مثلا اسماعيل مظهر و الزهاوي أن يجد تأثير كبير , حيث لم يكن الأمر دراسة للدين على ضوء المناهج الحديثة بقدر ما تعلق الأمر بالتخلص من الدين تماما و العمل من خارجه و هذا يعني أن هذه الطريقة في التفكير التي تبدو علمية ظلت في واقعنا غير علمية حيث عملت دوما على فرض نماذجها دون فهم الواقع أولا أي أنها كررت ما تعتبره عيب التيار السائد الرئيسي و هو تغييب الواقع, أما محاولات طه حسين و علي عبد الرازق فلم تدخل في حوار مع الفكر السائد أولا , بل قامت بتطبيق منهج حديث دون تجاوز القديم بما يعني العمل من خارج الواقع و فوق سطحه أيضا ,  هذا و ذاك ربما جعل الخطاب السائد أقوى لدرجة أنه فرض بنيته التي لا يمكنها الاتفاق مع العلم إلي جوار العقلية العلمية في عقل طه حسين و استمر الأمر إلي صورة من أعلى صور الجمع بين البنيتين على يد رائد لمنهج علمي شديد الإفراط في نزعته التجريبية و هو زكي نجيب محمود.

 الفلسفة الوضعية المنطقية هي أحد التطورات للمنهج التجريبي الذي بدأ مع بيكون , تجعل العبارة العلمية التي تشير إلي واقع تجريبي وحدها عبارة لها معنى , أما ما عداها فلك أن ترميها في النار على حد قول هيوم , أو تأخذ برخصة من إمام الوضعية المنطقية في مصر زكي نجيب بأن تتسلى بها في أوقات الفراغ , و برغم خطورة الوضعية المنطقية على الميافيزيقا عموما حيث تقصر الحقيقة على العالم التجريبي , فإن رائدها زكي نجيب توصل إلي نوع من أنواع التوفيق بينها و بين الدين في خطابه السائدة , قام هذا التوفيق على صيانة مساحة الوجدان ليشغلها الدين , قاصرا الوضعية على العقل , وجدان , دين , اصالة \عقل , علم , معاصرة , فالإنسان ليس مجرد عقل بل عقل و وجدان و لو عدنا للإسلام لوجدناه عقل و وجدان , إيمان وجداني بالقران ثم عقل لهذا القرآن , هنا ينقسم العقل بوضوح لعقل في دائرة الدين و عقل خارجها , العقل خارجها وضعي يبدأ من العالم , في حين العقل في الدين نصي ينزع النص عن الواقع , عقل أشعري مع النص يخفف من غرور العقل المعتزلي الذي ينشد الحرية خارج حدود النص, و هذه الطريقة التي يقوم بها زكي نجيب محمود تعالج الموقف المتأزم السابق الذكر و هو تطبيق المناهج الحديثة على الدين , فهنا نحن نقبل بالمناهج الحديثة لكن خارج إطار الدين تماما ,  عدم واقعية هذا الطرح كشفت عنه كتابات العملاق نفسه , حيث تنبه لعناصر معينة في العقيدة الأشعرية السائدة لا يمكن لها الاستمرار مع العقلية العلمية التي ينادي بها بل يهدد بالقضاء عليها مثل فكرة نفي السببية عند الغزالي فقام برفضها و قبل الباقي , و لم ينتبه لكون العقيدة علم متناسق بحيث لا يمكن داخل مذهب عقدي أن تختار و تنتقي فكل عنصر مرتبط بالبقية ,

وبالتالي فهذه المحاولة أقرب للتلفيق منها للتوفيق و مليئة بتناقضات داخلية تعيدنا مرة أخرى لنقطة البدء , و هي مقاومة الخطاب الديني السائد للمناهج الحديثة لإن قبولها يعني تجاوز بنيته نفسها . فالمناهج الحديثة تضع الواقع في مركز الرؤية و تفسره من داخله لا من خارجه , و هذا تماما عكس الدين في خطابه السائد الذي يصر على تفسير الواقع ميتافيزيقا , و يصر على نفي أثار الواقع داخل بنية الدين نفسه .

تحرير الواقع

__________

 من اشهر المحاولات في السنوات الاخيرة لتطبيق المناهج الحديثة على الدين , كان تطبيق منهج الالسنيات على النص مع نصر ابو زيد ,يرى نصر أن المصدر المفارق للنص لا يعني امتناع تطبيق المناهج الحديثة عليه , فهو في النهاية نص لغوي عربي , و لا يمكن لأي نص داخل أي ثقافة إلا الأشتغال من داخلها , و محاولته إبداع مفاهيم جديدة و تشكيل الثقافة بشكل مختلف تأتي بعد مرحلة كان فيها النص منتَج لهذه الثقافة نفسها , لذا ففهم النص ممكن عقليا حيث لا معاني مفارقة في النص , فبمجرد نطق محمد بالقران تموضع بشريا و أصبح خاضع للفهم العقلي عن طريق مجادلة سياق نزوله مع سياقه الداخلي "تطويره للدلالات" مع سياق القاريء ,تمكن نصرعن طريق هذه الرؤية أن يعيد تفسير عدة أمور (منها وجود الحسد و السحر و الجن و التصور الملكي لله في القران) باعتبارها تصورات متعلقة بالثقافة التي تشكل فيها القرآن   , و لأن اللغة ليست مجرد كلمات تشير إلي أشياء كما كانت في التصور الكلاسيكي قبل سوسير الذي جعل العلاقة بين اللغة و العالم محكومة بأفق المفاهيم و التصورات الذهنية الثقافية التي تشكل العالم الخارجي بطريقة معينة وفق كل ثقافة ,و بهذا  فإن عربية القرآن لا تعني مجرد  عروبة مفرداته بل يعني عروبة تصوراته للعالم و ان تطوير هذه التطورات يتم من داخلها و في حدود لا تسمح بالقطع التام معها , و هذا المنهج الذي استخدمه نصر و الذي يعتبر خروج عن القراءة القديمة للقرآن و التي كتب لها السيادة و هي قراءته كنص لغوي مفارق لواقعه التاريخي , مكن نصر من تجاوز ثنائيات مثل المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ و قطعي الدلالة و ظاهرها , حيث هذه الثنائيات نتاج التعامل مع النص كمعطى نهائي متكون خارج الثقافة منقطع الصلة بها أي التعامل مع النص كسلطة, و رغم أن السقف الذي حدده نصر لمشروعه هو فقط التحرر من سلطة النصوص أو التعامل معها كسلطة دون الدخول في جدال حول قضايا لاهوتية إلا أن ثراء المنهج يجعله مؤذن بتثوير الدين ليس في بنيته التشريعية فقط بل حتى داخل بنيته العقائدية نفسها .

 و لم يكن ممكنا لنصر أن يحكم الدائرة حول منهج التعامل مع النص كسلطة بمجرد بيان منهجه الجديد و تطبيقه و إظهار نتائجه ,بل  كان عليه أن يدخل في حوار مع المنهج السائد نفسه , و هو ما فعله في كتابه "نقد الخطاب الديني " مستخدما آليات تحليل الخطاب و موضحا بشرية المنطلقات و الآليات الذهنية لهذا المنهج السائد بل و الاغراض الايدلوجية لمروجيه المعاصرين, و في كتابه "الامام الشافعي و تأسيس الايدولوجي الوسطي" يذهب نصر لأبعد جذر لهذا المنهج , مع الإمام الشافعي   الذي أسس لهذه الطريقة  في كتابه الرسالة و نزع النص عن سياقه التاريخي أي رفعه فوق العقل, فضلا عن تأسيسه حجية السنة وحصر الاجتهاد في القياس على النص , و بهذا تأسس العقل التابع , قام نصر بالحوار مع الشافعي  و من مدخل ألسني أيضا فرسالة الإمام هي رسالة في البيان و القاعدة المحورية هي أن اللغة العربية متسعة بحيث لا يستطيع الإحاطة بها إلا نبي أي أنها فوق بشرية و هذه القاعدة التي تبرر للإمام القول بشمول القرآن لكل النوازل سواء بالنص او بالقياس عليه أي بتابعية الواقع للنص هي في صلب الألسنيات , أي أن مدخل نصر للتشريع الفقهي هو الاستخدام اللغوي من قبل الفقيه  , بمعنى أن منهج نصر لو طبق على النص فقط لما استطاع إثبات تاريخية التشريع برغم قدرته على إثبات تاريخية العقائد , فقضية التشريع تتطلب الاتجاه لدراسة المجتمع و ظهور التشريعات فيه أي إلي شيء خارج عن منهج الألسنيات , لكن ما مكن نصر من هذا هو كون الفقه في رغبته نفي السياق الواقعي للنص و للنشريع بالذات لم  يفعل سوى نزع اللغة عن واقعها , لذا يصبح اختراق بنية الفقه التقليدي و رد النص لواقعه رهين بتأسيس ألسني جديد . يضع اللغة في التاريخ و هو حلم طه حسين القديم في كتابه "في الشعر الجاهلي".

 هذا المدخل الإجتماعي نجده عند ياسين , ففي محاولته الاقتراب من الظاهرة الدينية يفرق تفريق أصلي بين الدين و التدين , الأول مطلق و هو الله و الأخلاق الكلية فقط و الثاني متغير بحكم وجود الاجتماع في قلبه و هو التشريع و الطقوس, و حضور الاجتماع في التدين لا يتعلق فقط بمرحلة ما بعد إغلاق النص لكنه أيضا يتعلق بمرحلة تشكل النص نفسه , حيث  يقوم الوحي المفارق عند دخوله بنية الإجتماع بتفضيل خيارات تشريعية و طقوسية محددة , و مرارا يؤكد ياسين على كون الواقع الإجتماعي نفسه مصدر تشريع حيث لا مجتمع دون عرف أو تشريع , و أن النص بعد هذا يقوم بالتقرير أو التعديل الجزئي لكنه لا ينشيء الاحكام إبتداء, , بهذه القاعدة الإجتماعية التي يقررها ياسين و يطبقها على عدد كبير من الأمثلة في كتابه , يفقد النص المؤسس نفسه صفات التشريع الأبدي و هي الإبتدائية و التجريد و الشمول_و تصبح تشريعاته خاصة بزمانه و مكانه  _ و هو ما لا يعطيه ياسين سوى للقانون الأخلاقي فقط  , و تظهر محاولة الشافعي تأسيس حجية السنة و حصر النص في بنيته اللغوية , و ثنائيات الناسخ و المنسوخ , و كثير من التقنيات الفقهية و التفسيرية الأخرى كمحاولة في التعمية على هذا المصدر الإجتماعي للتشريع , و إضفاء الأطلاقية على خيارات محلية و زمنية معينة , خيارات قراءتها من عقل حالي يعيدنا على حد تعبيره لسياقات أنثروبولوجية بعيدة جدا !!

و لو أردنا ذكر مثال لمحاولات التعمية هذه سنذكر مفهوم السنة عند الشافعي, وفقا لياسين لم يكن مصطلح السنة قبل الشافعي يعني سنة الرسول بل كان يعني ما جرى عليه العمل و يدخل فيه العرف و عمل الصحابة و عمل أهل المدينة , و ما فعله الشافعي هو قصر المفهوم على الرسول ثم إعطائه حجية للتشريع للمستقبل أو إضفاء الإطلاقية عليه , و بذا كان تأسيسه هذا في مواجهة العرف و مواجهة أيضا الرأي عن طريق توسيع إطار النصوص و اضفاء الإطلاقية على تشريعاتها و التعمية على كونها هي نفسها كانت عرفا لمجتمع معين .(1)
و يصبح البحث عن الأسباب الواقعية وراء تأسيس هذا الخطاب مع الشافعي فقهيا وتأسيسه عقائديا عند الأشعري و الغزالي و الأسباب وراء سيادته مطلب معرفي هام في إطار تجاوز هذا الفكر الذي يصر على نفي وجود الواقع مبتدئا بنفي وجوده في الدين (النص , العقائد , الشرائع , الخ ),و هذا ما يقوم به علي مبروك حيث يبحث في ما وراء تأسيس الأصول عن الجذور الثقافية لهذه الطريقة في التعامل مع الدين و النصوص بخاصة , حيث يرى أن الثقافة بمعناها الانثروبولوجي السابق على وجود الثقافة المكتوبة مع الإسلام , هي التي وجهت هذه الأخيرة وجهة معينة , و هي وجهة الإتباعية , فلم تصر الثقافة الإسلامية إتباعية لكون القرآن فرض نفسه داخلها كأصل للإتباع , بل إن الثقافة السابقة على القرآن هي التي وضعته على هذه الصورة .
و في إطار ضرب هذه المخايلة بالتعالي من علم العقائد يقوم مبروك بإرجاع العقائد لسياقاتها التاريخية حتى يكشف الدوافع السياسية و القبلية بل و النفسية التي تتخفى وراءها , و تتخفى وراء سيادة خطاب معين منها هو الخطاب الأشعري الذي يخايل بأحقيته المطلقة ممثلا للعقائد الإيمانية , في حين سيادته تعود لكونه يحفي وراء تكريس سلطة الأصل معرفيا , تكريس سلطة السياسي , و حيث الأصل منبت الصلة بالواقع الذي لا يتقوم ذاتيا بل يكون نهبا للإرادة الإلهية الغير متحددة بالعلم و الحكمة,قناع لوجه السلطان الذي يوجد مع تخلف شروط وجوده و لا يوجد راد لقضائه.

و وفقا لما تسفر عنه محاولات تطبيق المناهج الحديثة على الظاهرة الدينية أو على النصوص بالأخص والتي ذكرنا بعضا من أوجهها تصبح المقاومة التي يبديها الفكر السائد لهذه القراءة مقاومة مفهومة , و أنها مهما حاولت التذرع بكون منبعها الرئيسي كون هذه المناهج غربية (2) و كون مقاومتهم لها هي مقاومة للإستلاب الفكري أو للتقليد أو للتبعية, نستطيع اكتشاف بوضوح منبعها الحقيقي الذي يتمثل في كون هذه العلوم بسبب اتخاذها الواقع نقطة انطلاق تختلف جذريا مع بنية هذا الفكر السائد الذي يعمل على نفي هذا الواقع عن إطار الرؤية و إلحاقه بما هو خارج عنه, و محاولة تجاوز هذه الطريقة في التفكير داخل إطار الدين ذاته باعتباره الميدان المركزي لتطبيق هذا الفكر , معناه تهديد الهالة المقدسة التي يضفيها هذا الفكر على نفسه بزعم ارتباطه بالدين , و فتح الطريق لتأسيس فكر جديد يحرر الدين و العقل و الواقع .(3)


وفي الحقيقة ظن هذا الفكر السائد بكونه قادر على تحريرنا من التبعية يظل أقرب إلي الوهم ! , حيث أن بنيته التي تحدثنا عنها و عن استهداف تطبيق المناهج الحديثة على الدين و النصوص بالأخص لها هي التي تنتج هذه التبعية , فكما ذكرنا أن نفي كون الواقع جزء من الدين و من النص معناه إنكار القوانين والنظر للعالم من خارجه , و رفع النص من التاريخ ليصبح سلطة فوقه يجعل العقل غير قادر على فهمه بل عليه أن يخضع له كتابع , و حين تتأسس التبعية يصبح المتبوع شيء ثانوي , فلا فرق أن يكون القرآن أو التراث أو الغرب , و بالتالي يصبح الجدل حول المتبوع إما جهل بأن جوهر الفكرة أهم من تمظهراتها , أو محاولة للتعمية على تمركز التبعية داخل هذا الفكر نفسه ,و تجاوز جوهر فكرة التبعية لا يكون إلا برد هذا الفكر لظروف نشأته و أسباب سيادته الواقعية , و إفساح الطريق لقراءة الدين قراءة جديدة تحرره كما تفعل القراءات الجديدة التي أتينا على بعض عناصرها .


قراءة ضد الأبوية

___________
و بذلك  تصبح هذه القراءة الجديدة بداية و شرط تأسيس العقل النقدي الإبداعي بديلا لعقل الإتباع , و كون الدخول في حوار مع الفكر السائد عن طريق تفهم منطلقاته و أساسيته سواء في صورته الحالية أو في جذوره التراثية معبر عن عقلية هذه القراءة التي تبدأ من الواقع  فإن هذا يجعلها القادرة على إحلال قيم الحوار بديلا عن قيم الفرض القسري من الخارج , كل هذا يجعلها قراءة ضد الأبوية بكل صورها , حيث تجرد السياسي المستبد و المرشد الديني و النخب المتعالية من أسلحتها (و خصوصا عدم محاولة تفهم الواقع و شروطه و إماكاناته كبداية لتغييره , و ممارسة الوصاية و احتقار الآخر و الناس و تجريدهم من دورهم في التغيير بحيث ترى التغيير دوما من خارجهم لإنهم جهال أو عبيد إلي آخر قائمة الأوصاف التي تعني في مجملها أو تنعي فشل المثقف )  و بذلك تصبح قراءة غرضها تحرير الذات و ليس تفريغها من قوامها كما يردد التيار السائد (4) 

و دراسة علم العقائد دراسة ترده لسياقه التاريخي الواقعي , و دراسة العقائد بقراءة النص من مدخل ألسني , أو الإشارة إلي تأثير الإجتماع في صياغة اللاهوت بصورة معينة , كل هذا يعد بداية لمحاولة وضع اللاهوت نفسه موضع الدراسة , و طرح أسئلة عن الوحي و النبوة و عن التعددية الدين و عن الصورة التي نتصورها عن الذات الإلهية,و لا شك أن كل المداخل التي ذكرناها بالأعلى تتماس كثيرا مع أرض اللاهوت و تطرح أسئلة مثل هذه بحكم تداخل عناصر الدين كلها , فمثلا قضية التعددية الدينية يتم طرحها من خلال التعامل مع الآيات الخاصة بالحض على الابتداء بقتال الكفار و أهل الكتاب , فنجد أنه من مدخل ألسني يرى نصر أن هذه الآيات في معرض النظر للقرآن كخطاب و ليس نص تصبح آيات تهديدية ليس الغرض منها التشريع , و من مدخل اجتماعي نجد عبد الجواد ياسين يرى هذه الآيات دليل على حضور الواقع في بنية التشريع , و يطبق عليها فكرته القائلة بأن حضور الواقع كجزء من التشريع يجعله فاقد لأحقية التشريع لللمستقبل بل يحصره في إطاره الزماني و المكاني , هذه القضية المثارة هنا و هي وجوب قتال المخالفين (5) تظل رغم هذه المحاولات محتاجة لمنظور يتجاوز التعامل الألسني أو الإجتماعي لتعامل يطرح السؤال نفسه من مدخل لاهوتي و هذا يذهب بنا فورا للبحث في النبوة و الوحي و أحقية دين واحد بتحقيق الخلاص , و البحث في النبوة و الوحي و قضايا اللاهوت هو ذاته متداخل مع القضايا التي يطرحها التعامل الألسني مع النصوص و التعامل الإجتماعي مع الدين الهادفين إلي موضعة الواقع المنسي في بنية الدين و نصه المؤسس لتحرير الدين و الواقع و العقل , حيث أن الفكر السائد حين قام بمحاولة نفي آثار هذا الواقع في الدين لابد قام بإعادة صياغة قضايا اللاهوت بصورة تأطلق ما هو واقعي داخلها , لذا فمحاولة التحرير هذه لن تتم إلا بإخضاع القضايا اللاهوتية نفسها لقراءة جديدة. .______________________________________


(1) هذه المقاربة تشير إلي قضية فكرية هامة تحدث عنها البعض و هي قدرة الخطاب السائد أن يخترق الخطابات الأخرى المناوئة له , نحن حتى الآن نقرأ مالك و أبا حنيفة من منظور الشافعي , أي من منظور الخطاب السائد , فنحن نقسم المذاهب لمذاهب رأي و مذاهب رواية أو رأي و نص , ثم نقول أن الشافعي إما عند البعض توسط أو عند آخرين انحاز لخطاب الراوية أو النص أو السنة بالتحديد , نقول كل هذا في حين أن التقسيمة نفسها لم توجد قبل الشافعي , فمالك و أبو حنيفة لم يميلا للرأي في مواجهة السنة أو العكس , حيث السنة بمفهوم الشافعي لم تكن موجودة , بل كانت داخلة في إطار العرف الواسع و لم يكن لها الإطلاقية و الحجية التي أكسبها لها الشافعي , هنا يصبح تقديم عمل أهل المدينة أو عمل بعض الصحابة أو حتى الرأي عند أبي حنيفة هو اجتهاد طبيعي في غياب مصدر له الشمول التام و الابتداء و التجريد و هي الصفات التي أضفاها الشافعي على القرآن و عمل الرسول,لذا فالنظر لمشروع الشافعي بإعتباره إعادة بناء لهيكل الدين بفعل الإجتماع كما يقول ياسين مهم جدا , حيث يجعلنا نقرأ خطاب الشافعي باعتباره تأسيس جديد و ليس بإعتباره الإطار الطبيعي الذي يتم من خلاله تقييم بقية الخطابات , و هو الناتج عن سيطرة هذا الخطاب و اختراقه لخطابات الأخرى و تحميها بحمولة معجمه المفاهيمي . 

(2)نحن نجد أحيانا إحتفاء ببعض المناهج الغربية إذا توافقت و لو في ظاهرها مع مسلماتنا أو أحلامنا , نذكر بالأخص مناهج النسبوية العلمية التي يتم استخدامها لإثبات تهتافت موضوعية العلم و كشف البنى الاجتماعية و السياسية التي تعمل من تحته لتقليل الثقة فيه كمنهج للعلم بالواقع , و أحيانا لتمرير سلطة النص , في حين هذه المناهج نفسها يرفض استخدامها مع الفقه والخطاب الديني السائد . هذا يعني أن العلة ليست "الغربية" بل العلة هي قدرة المنهج على تعزيز رؤى خاصة بنا , أي قدرته على إثبات ما نعتقد , و هنا يستخدم المناهج الحديثة بنفس الطريقة التي خرجت عليها و هي التفكير الدائري الذي ينتهي لنقطة بدايته  و لا يكتشف جديد!!
(3) و هذا الفكر الجديد هو تحرير للمثقف أيضا , فكما يرى إدوارد سعيد في كتابه "المثقف و السلطة" أن احتفاظ المثقف بحساسيته النقدية تجاه سلطة المؤسسات أو الأفكار مرهون بنظرته للوقائع المحيطة و الأنساق الفكرية باعتبارها نتاج لخيارات تاريخية تتخذ داخل هذا العالم الذي تحكمه قوانينه الخاصة , أي مرهون بالنظرة الواقعية لا الخارج واقعية للأشياء . 
(4)يرى البعض و على رأسهم برهان غليون أن التعامل النقدي مع الدين لم يحقق في واقعنا ما حققه في الغرب , حيث لم يحرر العقل من سيطرة سلطة خارجة عنه و لم يجرد المستبدين من اسلحتهم _كان الإقطاع و الكنيسة في الغرب يستندون في سيطرتهم على التراث اللاهوتي _, بقدر ما أخضع العقل لسلطة جديدة تمثلها أفكار الحداثة كمطلق خارج التاريخ , و ربما هذا صحيح في حالة التعامل الجذري الذي تعامل به البعض في بداية عصر النهضة , لكنه قطعا يختلف عن القراءة الجديدة التي توضح هذه السطور بعض آفاقها.
(5) هناك طبعا من يحاول في معرض حديثه عن سماحة الإسلام أن يذكر الآيات الخاصة بأحقية الآخر في اختيار دينه , و في الحقيقة هذا لا يحل المشكلة بل يعقدها , فالتعامل مع القرآن كنص مكتمل يتطلب منا إعتبار أحد هذه الآيات في مرتبة أعلى من الآيات الأخرى , و هذا يتم عن طريق القول بالنسخ الذي للأسف جعله أغلب الفقهاء لآيات التسامح و ليس لآيات السيف , لذا يصعب الحديث عن قبول التعددية الدينية إلا بقبول كون الإلزام الأخلاقي النابع من العقل مصدر الأخلاق الوحيد , و هو ما رفضه الخطاب السائد بشدة في نفيه قدرة العقل على التحسين و التقبيح قبل النص .

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

صراطات سروش المستقيمة و استرداد الواقع الغائب

هناك من يطلق على الإيراني عبد الكريم سروش لقب نصر أبو زيد إيران , ربما يغري بهذا تشابه فكر نصر و سروش ففكرهما ينتظم داخل إطار العقلانية الدينية , و تناول النص المؤسس "القرآن" وفقا لمنهجيات حديثة يعد قضية مشتركة عند كل منهما , لكن لا شك أن ثمة فروقات عديدة سواء في المنطلقات التي ينطلق منها كل مفكر خصوصا في قضية وظيفة الدين و علاقة الدنيا بالآخرة و الذي يظهر حتى في جانب التراث الذي يستند عليه كل منهما فيستند سروش على التراث العرفاني في حين يستاند نصر على تراث المعتزلة , إلي جانب اختلافات واضحة في الحدود التي يضعها كل منهما لمشروعه الفكري , و كلامنا في هذه العجالة لا يقصد منه أن يكون مقارنة بين فكر نصر و سروش لكن يهمنا أن نحاول فهم الفارق بين الفكر الذي قام عليه مشروع الإصلاح الديني منذ بدأت النهضة الحديثة منذ أكثر من قرن و بين ما يقوم به سروش , و لعل فكر نصر أبو زيد يعد جسرا بين الفكرين , و هدفنا من هذا أن نحاول تبين ما يحمله  فكر سروش من إمكانات نهضوية قد تكون خفية في البداية وراء القضايا ذات المظهر اللاهوتي المسيطرة على مضمونه .

الإصلاح الديني :
___________
"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها " عبارة مالك الشهيرة التي تعد اللافتة الأكبر على مشروع الإصلاح , نضع إلي جانبها جملة الأفغاني "علينا أن نثبت لهم أولا أننا لسنا مسلمون " , و تفريقات محمد عبده المتكررة بين الإسلام الأزلي الذي يتوافق مع العقل و لا يعارضه بل يحفز على استخدامه  و بين إسلام المسلمين الذي قد يعارض هذا فيصبح نصيبه الابتعاد عن صلاح الدنيا و الآخرة , و هو ما يصيغة مصلح الجزائر الأشهر مالك بن نبي على هيئة قانون فالحضارة لا تتكون دون مركبها و مركب الحضارة الذي يجعل عناصر الحضارة تتفاعل هو الفكرة الدينية "الإسلام" و هذا قانون لو تنكرنا له لكنا كمن يتنكر عند بناء جسر لقوانين الفيزياء فينهار الجسر , و الإسلام بطبعه مدني فهو "روح المدنية"(!) و هو الطريق إلي قصر السعادة مسدس الشكل عند الأفغاني و هو دين العلم بل إن نصه المؤسس احتوى من علوم الطبيعة ما لم يتوصل له العقل له بعد "من محمد عبده إلي طنطاوي جوهري" (2), هذا هو جوهر مشروع الإصلاح فهو مشروع يؤمن تماما بقدرة الإسلام على صنع المدنية و الحضارة _بل إنه يستغرب إن وجدها عند غير المسلم _, و يفسر التدهور باعتباره ابتعاد عن هذا الأصل "الإسلام" , و هذا الطريقة في التفكير قطعا ليست وليدة عصر النهضة بل إنها فكرة قائمة طوال عصور الإسلام فكلما حدث التدهور تم تفسيره بابتعاد الناس عن الأصل و بإن الأصل طاله التحريف أو الزيادة أو شوهته أفعال الرجال , و لكن الله يبعث مجددا على رأس كل مائة لتجديده , للعودة به إلي اللحظة الزمانية التي تعد فوق الزمان و هي لحظة الوحي _بل إن طريقة التفكير هذه تجد مشروعيتها في تقديم الإسلام نفسه بإعتباره مجرد عودة للأصل الإبراهيمي الذي تم تحريفه -,  فالعقل المجدد أو المصلح دوما عقل لا يفكر في الأصل فالأصل لا يتم التفكير فيه بل يتم التفكير به , و لا يمكن رده للتاريخ بل يتم تفسير التاريخ من خلاله , لذا فحين يتحدث المجدد عن استخدام العقل الذي يتباهي بإنه لا يخالف تعاليم الإسلام و لا يخالف القرآن , علينا التنيه إلي إن هذا العقل  بطبعه لا يمكنه مخالفة القرآن لإنه يفكر به و تحت سقفه و لا يرده للواقع بل يقرأ الواقع من خلاله , عدم المخالفة هذه تأتي من كون هذا العقل هو عقل بالنص  " و كان الخطاب السلفي و لا يزال ينوه ب "العقل" و يدعو إلي الإحتكام إليه . و لكن أي عقل ؟ إنه العقل الذي يرجع في اشتقاقه إلي عقلت البعير إذا جمعت قوائمه و منعته من الحركة أي من النهوض , و يرجع في أساسه الأخلاقي- الديني إلي : و سمي العقل عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك , أي يحبسه , و يستمد فعاليته و اجرائيته من كونه يعقل عن الله إما بفكر و نظر كما يقول المتكلمون و إما بصيرة و معرفة كما يقول المتصوفة السنيون , إنه في الجملة العقل الأشعري الذي حدده الغزالي تحديدا صريحا واضحا حينما وصفه  بأنه العقل الذي يدل على صدق النبي ثم يعزل نفسه ...
العقل السلفي إذن مكبوح الجماح مردود الشطط لا ينتج العلم بل هو صديق له فقط, يبحث في أسرار الكون و لكن مع احترام الحقائق الثابتة , إنه عقل الماضي . لا بل العقل السني الذي ردع و كبح مسيرة نهضة الماضي التي شيدها المعتزلة و الفلاسفة و العلماء ""
(3)
 فهذا يفسر لماذا لم يستطع هذا الخطاب حتى الآن الوصول لتحقيق نهضة علمية بل عدم قدرته حتى  على تكوين وعي مطابق بالواقع   كما يقول برهان غليون " و بالمثل أدى مفهومها الكلامي للعقل و بناؤه على التأويل إلي الحد من إمكان , تأسيس فلسفة اجتماعية و سياسية , مستقلة و منعتقة عن إسار النص , و مؤسسة عقليا , يمكنها التطور من تلقاء ذاتها و استعياب التجديدات المتواصلة في المجتمع و الفكر دون الحاجة في كل مرة إلي العودة لتبرير نفسها و تأسيس شرعيتها بالنص " (4)

لذا كان لابد من محاولة فهم هذا  العقل نفسه  فليس هناك عقل مطلق بل العقل هو طرائق تفكير و آليات مرتبطة بزمانها و مكانها و قابله للنقد , و هذا هو جوهر مشروع الجابري لنقد العقل العربي فهو نقد لطرائق التفكير التراثية التي نفكر بها و التي لم نتحرر منها بعد , و كذلك هو جوهر مشروع نصر أبو زيد  فالتخلص من سلطة النصوص هو محاولة لنقد طرائق التفكير هذه في تعاملها مع القرآن الكتاب المؤسس لإن سيادة هذه الطرائق في التفكير إلي الآن راجع لتوحيدها مع الكتاب ذاته و عدم تفهم أنها مجرد طريقة للتعامل مع النص  و أنه من الممكن التعامل معه بآليات أخرى تكون أقدر على تحرير إماكاناته"5" , و التخلص من هذه الطريقة التي جمدت النص أي  طريقة التفكير بالأصل هو تخلص من اغتراب العقل عن الواقع  و انتقال لقراءة الواقع ابتداء منه و وفقا لقوانيه الداخلية و ليس عن طريق أفكار تفرض عليه فرضا من خارجه ,

و محاولة نصر تقتصر على الكتاب فقط و على أن كون الكتاب وحيا فهذا لا يجعله فوق التاريخ لإن الكتاب في النهاية بلغة العرب و هي جزء من التاريخ , فواقع العربي و تصوراته الذهنية جزء من بنية الكتاب نفسه و هو ما يجعل الكتاب في مرحلته الأولى نتاج للثقافة ثم يحاول بعد هذا تشكيل هذه الثقافة فيصبح منتج لها (بكسر التاء)  , و تفسير الكتاب لا يمكن أن يتنكر لهذه البديهية و صلاحية الكتاب لكل زمان و مكان لا تكمن في كونه مفارق للتاريخ بل تكمن في قدرة المؤمنين بالكتاب على مجادلة سياقه الداخلي بسياق نزوله بالسياق الحالي , بمعنى أن يكون القاريء جزء من النص كما كان العربي المتنزل عليه النص جزء من بنيته نفسها ,, و هذه المحاولة بتحرير الكتاب من نصيته و رده لسياقه الواقعي هو نقد لفكرة التفكير بالأصل التي قام عليها مشروع الإصلاح نفسه و ثبتها , و بداية لمرحلة التفكير في الكتاب لا بالكتاب (6),
 لكن نصر لا يتعرض لفكرة الوحي نفسها بالتساؤل , بل هو يكتفي بالإشارة في " مفهوم النص " لكون العربي قبل الإسلام يؤمن بإمكان الإتصال بالسماء عن طريق الوسائط و أن هذا يعد الأساس الثقافي لفكرة الوحي الإسلامي بحيث لو تصورنا خلو ثقافة العرب منها لكان استعياب ظاهرة الوحي غير ممكن , و يشير إلي تأكيد القرآن في سياق مجادلته مع قريش على تفريق نفسه عن السحر و الكهانة و الشعر باعتبار الوسيط هنا مع السماء مختلف فهو ليس شيطان يسمع السماء بل هو رسول كريم , ذي قوة عند ذي العرش مكين , و هذه المحاولة من نصر و إن كانت لا تسأل عن الوحي نفسه لكنها أيضا محاولة لوضع الوحي في سياق تاريخي  , و مد هذه المحاولة على استقامتها تؤدي إلي وضع الوحي نفسه موضع تساؤل , إلي جانب الإصرار على كون النص لا يحوي أي فكرة مفارقة و الذي يضع فكرة الملائكة كاملة موضع السؤال و بالتالي يجعل الوحي بين قوسين , و الإصرار على بشرية الرسول في مواجهة محاولة جعله مجرد وعاء للوحي "انظر نقده للشافعي في كتابه تأسيس الايدولوجي الوسطي" ستنتهي إلي كون فكرة الوحي نفسها جزء من تكوين محمد _عليه السلام _ الإجتماعي أي أنها قراءته هو للاتصال مع السماء .لذا فنصر حين  قام بنقد الأساس الفكري لمشروع الإصلاح "التفكير بالأصل " لم يمهد لتعاطي جديد مع إشكالية النهضة فقط بل مهد لتعاطي جديد مع القرآن و الظاهرة الدينية  ..

صراطات سروش
_______________

 من الممكن النظر إلي الإشكال الذي يطرحه كتاب  الصراطات المستقيمة من زاية سؤال قديم في الفقه و الكلام الإسلامي و هو سؤال ما أصل الخلاف ؟
فعلوم الفقه و الكلام تعاملت قديما مع هذا السؤال و حاولت الإجابة عنه , في الفقه رأى البعض أن الخلاف سببه أن النص نفسه حمال أوجه إلي جانب تعدد الوقائع , و هذا جعل قبول الخلاف ممكنا داخل إطار الفروع , لكن في العقائد لم يتم قبول فكرة احتمالية النص لذا أصبح المخالف دوما خارج عن الصراط المستقيم (مبتدع - فاسق - كافر ) , لذا فالطريق الوحيد لقبول الاختلاف في العقائد هو إثبات احتمالية النص أيضا حتى في هذا الجانب (7), و هو ما يقوم به سروش عن طريق توظيف بعض الفلاسفة و خاصة كانط , فوفقا لكانط يظل عالم النومينه عصي على التعبير عنه عن طريق أذهاننا مهما صفت أو لغتنا مهما بلغت من التجريد فالتعددية في التعبير عن الحقيقة حتمية و لا يمكن تجاوزها, هذا في الحقيقة معناه أن النبوة تفقد أحقيتها القديمة في حسم الأسئلة النهائية لأن النبي في النهاية يحدثنا عن الحقيقة الإلهية التي عاينها عن طريق تصوراته التاريخية, و بذا تدخل النبوة في الإطار الواسع لتجارب الإتصال بالله التي هي بعدد نفوس الخلائق , و يصبح الكلام عن صراط واحد شيء غير منطقي , فهي صراطات مستقيمة و ليس صراطا واحدا , يقول سروش "ليس التشيع هو الإسلام الخالص و الحق المحض و لا التسنن و لا المذهب الأشعري يمثل الحق المطلق و لا الاعتزالي , و لا الفقه المالكي , و لا الفقه الجعفري , و لا تفسير الرازي و لا تفسير الطباطبائي , لا الزيدية و لا الوهابية , لا عقيدة المسلمين نقية من الشرك و لا عقيدة المسيحين , إن العالم الدنيوي مليء بالهويات الملوثة و غير الخالصة فلا يوجد حق صريح و خالص من جهة و باطل كثيف و خالص إلي جهة أخرى . و عندما و عندما نذعن لهذه الحقيقة فستكون الكثرة أقرب إلي الهضم و المعقولية ".
يصبح الدين هنا هو التجربة الذاتية الوجودية و ليس نسق العقائد المعرفي , فالتجربة تواصل دائم مع الأزلية في حين نسق العقائد تاريخي .
هذه القراءة التي يقوم بها سروش للوحي و للظاهرة الدينية لا تحقق فقط هدف التعددية الدينية , بل  إنها قراءة تؤكد على أن اللحظة التي كانت تعتبر أصلا خارج التاريخ أصبحت قابلة للتكرار هي نفسها و انتاج مضمون متجاوز للمضمون الذي كان يعد أزليا !! أي أنها انتقال واضح من التفكير بالأصل (التفكير الإتباعي) لتفكير يبدأ بوضع الأصل في الواقع التاريخي من أجل تجاوزه (تفكير إبداعي ) .أضف إلي هذا تكرار سروش في مواضع أخرى أن وظيفة الدين هي الآخرة و ليس الدنيا , مما يجعل الواقع محكوما بالعقل فقط و ليس الوحي حيث أن نتاج الوحي بمجرد التعبير عنه أصبح  تاريخيا كما ذكرنا (8)
لذا فما يتناوله سروش في كتابه الصراطات المستقيمة  ليس مجرد قضايا لاهوتية و إن بدا كذلك , فالتأمل فيها يكشف عن إماكانات حقيقية لتكوين فكر يستطيع مباشرة الواقع الغائب دوما و الذي للأسف لم يستطع خطاب الإصلاح بحكم عقليته التراثية _المقصود التراث السائد طبعا و الا فأفكار سروش كما ذكرنا يسندها تراث عرفاني هائل _التي تستبعد الواقع لمصلحة النص الأزلي و الأصل المفارق إعادته لمركز الرؤية  .
_______________________________________
(1) إسم كتاب لمصطفى الغلاييني أحد رواد الإصلاح
(2) طنطاوي جوهري هو صاحب تفسير الجواهر الذي حول فيه القرآن لموسوعة تحوي كل العلوم الحديثة تقريبا
(3) الجابري..."الخطاب العربي المعاصر..دراسة تحليلة نقدية"
(4)برهان غليون..."الوعي الذاتي"
(5) يشير ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام" لكون التعامل اللغوي مع النص الذي ساد في التراث الإسلامي هو ما ضيق نطاق النص لإن اللغة محدودة و إقليمية  بطبعها فتطلب الأمر زيادة النصوص الأخرى كالسنة النبوية التي تعاظمت على قدر الحاجة التي لم يعد النص قادر على تحقيقها , لكن في حيقة الأمر أن التعامل اللغوي مع النص كان الغرض من توسيعه بالتخلص من آثار الواقع داخله و عن طريق رفع اللغة لمرتبة تجعلها غير مرتبطة بالتاريخ و لا تجعلها محدودة بل تجعلها واسعة بما لا يسعها إلا نبي كما يقول صاحب الرسالة "الشافعي" , و نزع النص عن الواقع و حصر الاجتهاد في القياس هو ما جعل النصوص الحديثية مطلوبة حيث أن توسيع النص لا يمكنه أن يتناول كل التفاصيل طبعا , و من ذكاء الإمام الشافعي أنه وسع نطاق الدلالة في آية " و ما ينطق عن الهوى" حيث كانت ايذانا بفتح الباب لتشريعية النصوص الحديثية حتى في أمور اجتماعية و سياسية واضح ارتباطها بواقعها التاريخي ,
نفس الأمر في قضية أسباب النزول التي كان من الممكن  كما يشير علي أومليل في كتابه "في شرعية الإختلاف" أن تكون بداية لربط النص بالواقع لكن تم وضع الاحتياطات حول الفكرة , من أهم هذه الاحتياطات على ما يشير أومليل هو القول يتوفيقية الأسئلة و شمولية الإجابات بل الاقتصار على احيانا على كون أسباب النزول ذات فائدة تفسيرية لا أكثر لكن لا تؤثر على إعادة التفكير في علاقة النص بالواقع , و بعيدا عن أومليل فنحن نجد المحاولات لغلق هذا الباب تأتي من التشديد على تقسيم القرآن لسببي و ابتدائي , فالابتدائي أي الذي لا يكون بسبب سؤال أو حادثة معينة هو الأكثر و السببي هو الاستثناء للحفاظ على ابعاد النص عن الواقع و التاريخ , يزيد الأمر صعوبة حين نعرف أن السبب ليس سبب في التفكير العقدي الأشعري السائد بل هو مناسبة , مناسبة لفعل آلهي أزلي , بكل هذا تحكم الدائرة و يغيب الواقع
(6) تحاشينا استخدام مصطلح "النص " في الإشارة للقرآن , حيث مشروع نصر ينتهي بتحويل النص لخطاب و ما يتبع هذا من خروج من الثنائيات الي تحم بنية التفسير التقليدية , مثل المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ ...الخ
(7) التقسيم هذا سواء في الفقه أو العقائد يقوم على الدلالة اللغوية بالأساس , فالنص المحتمل و الظاهر هو الذي يحتمل التاويل و الاختلاف فيه بحكم بنيته اللغوية , في حين النص الصريح لا يحتمل هذا , فاللغة هنا تشير إلي الواقع و ليس للتصورات الذهنية عنه , فطالما كانت الدلالة قطعية أضحت المدلولات _سواء كانت عقائد أو أحكام فقهية _ثابتة , لكن التغيير في فكرة سروش و أصحاب التقليد الجديد في تناول النص , هو تطبيقهم لنظريات اللغة الحديثة التي تجعل اللغة تعبير عن ما في الذهن ليس في مفراداتها فقط بل في نحوها و تراكيبها و أساليبها , لذا فهي مرتبطة جدا بمتكلميها و واقعهم , و بالتالي قطعية الدلالة لا تعني أن المدلول قطعي , هذا في العقيدة , أما في الأحكام الفقهية فالتعامل من منظور يتجاوز الحصر اللغوي للنص , مفهوم يحرره بفتحه على الواقع يكسب هذه الأحكام نسبية رغم قطعية دلالتها , و ارتباط الأمرين ببعض هام جدا , فإننا نرى عدد من الكتاب يكتفون بالتعامل التاريخي مع آيات الأحكام دون آيات العقائد و هذا غير ممكن لأن الأساس واحد كما رأينا , و لأن الفقه غالبا ما يؤسس على العقائد في التراث الإسلامي , فلا يمكن فصل إجراء نزع القران في التعامل الفقهي عن سياقه الواقعي عن فكرة أزلية النص و كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل خلق العالم ...
(8) يظل مع سروش الوصول إلي الله رهنا بهذه التجربة الروحية التي هي جوهر الدين , و العالم يصبح مطلب لابد من التعجيل بإشباعه من أجل التفرغ لهذه التجربة الروحية التي تشبه معراج الرسول _عليه السلام _, و لا شك أن هذا التفكير في الدين الذي ينتهي بالتعددية الدينية و وضع تجربة الوحي نفسها في التاريخ ليس نهاية المطاف بالنسبة للتفكيرفي الدين , فلا يزال سؤال وظيفة الدين مطروحا , هل إجابته هي أن الدين للآخرة كما يرى سروش  أم هناك إجابات أخرى قد تتجاوز هذا الإشكال القديم و هو علاقة العالم بما وراءه ؟
قد يرى البعض أن الوصول لما وراء العالم غير ممكن إلا من خلال العالم نفسه فقراءة العالم و العمل فيه هو الذي يجعلنا في معاينة الله دوما , هذا الرأي يحاول تجاوز الثنائية القديمة (عالم \ ما وراء العالم ) لكنه لا يصفيها بل يعيد رسم العلاقة بحيث تتجاوز الهرمية التي تحكم بنية نظرنا إليها , لننظر إليها في ضوء جديد ,حيث ما وراء العالم يتكشف في حركتنا داخل العالم , و هذا  يجعل التجربة الروحية أقرب للحدس البرجسوني الناجم عن التعلق بالواقع و معاينته منها إلي الإلهام المفاجي , أقرب لنمو المقدرة العقلية على فهم واقعها و تغييره منها لنمو قدرة قوة روحية فوق عقلية على مفارقة العالم  , و لو قرأنا تجربة محمد - عليه السلام - من هذا منطلق سروش ستكون محاولة اتصال بالله عن طريق نمو مقدرة روحية معينة , في حين لو قرأناها من المنظور الآخر ستكون تجربة إتصال بالله نتجت من طوال نمو للمقدرة العقلية له في فهم واقعه و لا شك الفوارق بين الرؤيتين كبير في تصور تاريخ النبي نفسه , هل كان يقرأ أم لا ؟ هل كان علم بالكتب السابقة أم لا ؟ علاقته بواقعه و فهمه له كيف كان ؟ و هذه أسئلة يطرحها كثيرون مثل الجابري و هشام جعيط و غيرهم في محاولة تكوين وعي حقيقي بتاريخ محمد لإنارة هذه التجربة أكثر و أكثر و إمكان فهمها .