السبت، 16 نوفمبر 2013

"الحداثة" اسم دون مسمى .....أو في ترجمة كتاب "روح الحداثة" لطه عبد الرحمن

لا يمكن أن نتحرر بالفعل من وصاية الفكر الغربي علينا, إلا إذا استطعنا في ترجمتنا لهذا الفكر أن نجعلها ترجمة استكشافية لا ترجمة استنساخية
"و ليس المقصود بالترجمة الاستكشافية –كما يسبق إلي الذهن – الترجمة التي تتطلع إلي نقل الطرق التي توصل بها المؤلف لوضع نصه , و إنما هي الترجمة التي تتطلع إلي نقل هذه الطرق على الوجه الذي يوصل المتلقي إلي وضع نص يضاهي نص المؤلف ",
 و هذا يتطلب وفقا لعبد الرحمن أن نقوم بترجمة ثلاثة مستويات للكتاب , هي على الترتيب؛ المضمون المنطقي (البنى العقليى التي تشكل المحتوى الفكري للنص الأصلي  ) و البنية الدلالية ( البنى المعنوية التي توسلت بها البنى المنطقية في النص الأصلي و هذه البنى تتكون من مجموعتين: "مجموعة المدلاولات الإصطلاحيةو اللغوية" و "مجموعة المثل و القيم العليا " ) ثم البنية التركيبية (البنى النحوية التي توسلت بها – أو صيغت بها- البنى الدلالية؛ و هذه البنى تتكون من مجموعتين  اثنيتين "مجموعة الصيغ المفردة " و مجموعة العبارات المركبة " ), و ربما نحن نتفق مع الدكتور طه في روح هذه الفكرة لا في تحققها الفعلي في واقع كتابه, فروح الفكرة هو أن الترجمة بهذه الطريقة تهدف لأن تمكن المتلقي من إبداع نص جديد , أي أنها فقط تفتح عينه على القوة الكامنة في إيداع النص تهيئة له لإبداع نص جديد لا الخضوع للنص المترجم كما تفعل الترجمة الاستنساخية, لكن ما نتخلف فيه معه هو أن هذه "البنى الدلالية" بما تشمله من المصطلحات و الدلالات بما فيها التقسيم و التصنيف لإن التقسيم لا يمكن دون شحن المضطلحات بمعاني محددة, لا يمكن ببساطة أن ينظر له على أنه مجرد وعاء يمتلك خصوصية ثقافية لبنية منطقية معينة تتسم بالشمول لأنها عقلية , فقد يكون البنية الدلالية محاولة للتغطية على مضمون منطقي معين بإبرازها مضمون منطقي آخر ,  هذا الانتباه تزداد ضرورته إذا كان الكتاب المراد ترجمته استكشافيا هو أصلا كتاب ترجمة لخطاب غير عربي بصورة اسكشافية , حيث يصبح واجبا السؤال عن مدى استكشافية النص الترجمة و مدى قدرته بالفعل على التفريق بين المضمون المنطقي و بين البنية الدلالية الخصوصية , و مراقبة البنية الدلالية للكتاب الترجمة لمعرفة هل بالفعل ما يتم إيصاله عبرها من مضمون منطقي هو بالفعل استكشاف للخطاب الأصلي أم أنها تقوم بالتغطية على ترجمة غير استكشافية له , و نحن نستطيع اعتبار كتاب عبد الرحمن هذا الذي بين ايدينا محاولة لترجمة اسكشافية لخطاب الحداثة , و الفصل فيه بين مضمون منطقي عالمي هو من حق كل الحضارات بل و موجود فيها و لو بالقوة و بين واقع معين و مجال تداولي بعينه يمثل خصوصية التحقق الفعلي للحداثة , هذه الترجمة الاستكشافية غرضها تمكين المتلقي ذو عربي اللسان من إبداع خطاب حداثي جديد و هو هدف نتفق فيه مع الدكتور , لكن محاولتنا هي فتح باب لترجمة هذا الكتاب الترجمة بطريقة استكشافية بحيث نفصل فيه بين المضمون المنطقي الذي يريد عبد الرحمن إيصاله إلينا و هو كونه قام بترجمة استكشافية حقيقية للحداثة  و بين  البنية الدلالية التي ربما تحمل مضمون منطقي آخر ..

ما الحداثة؟
________
"الملاحظ أن هذه التعريفات على اختلاف قوة إحاطتها بمفهوم "الحداثة " تقع في تهويل هذا المفهوم حتى تبدو الحداثة و كأنها كائن تاريخي عجيب يتصرف في الأحياء و الأشياء كلها تصرف الإله القادر , بحيث لا راد لقدره؛ و الحال أن هذا التصور للحداثة تصور غير حداثي, لأنه ينقل الحداثة من رتبة مفهوم عقلي إجرائي إلي رتبة شيء وهمي مقدس؛ لذلك, يتعين أن نبدأ بالتخلص من هذا "التشيييء" الذي أدخلته هذه التعاريف على مفهوم "الحداثة"؛ و السبيل إلي ذلك هو أن نفرق في الحداثة بين جانبين اثنين هما: "روح الحداثة" و "واقع الحداثة"


ثم يفصل المفكر المغربي هذه المباديء و أركانها محاولا إيضاح الشيء الجوهري فيها , و واقع الغرب الذي جعل هذه المباديء تؤدي لنتائج محددة , ثم إيضاح كيف تستطيع الحداثة الإسلامية تحقيق روح الحداثة بصورة أفضل نتيجة اختلاف واقعها عن واقع الغرب , و اختلاف الواقع هذا يجعل محاولة فرض نماذج الغرب على واقعنا أو الأخذ بواقع الحداثة هو خروج على روح الحداثة , حيث أول مبدأ في هذه الروح هو مبدأ الرشد و يعني (مقتضى هذا المبدأ أن الأصل في في الحداثة الانتقال من حال القصور إلي حال الرشد؛ و المراد بالقصور هنا –كما جاء في جواب كانط عن السؤال: "ما هي الأنوار؟" _هو "عدم قدرة المرء على استخدام فكره في الأمور دون إشراف الغير عليه , مع وقوع مسؤولية هذا القصور عليه هو لا على الغير "أو بايجاز , إن القصور هو اختيار التبعية للغير ") و له ركنان: الاستقلال و الابداع , و الاستقلال هو (استغناء الراشد عن كل وصاية فيما يحق له أن يفكر فيه , و يصرف كل سلطة تقف دون ما يريد أن ينظر فيه, فتنطلق بذلك حركيته؛ و لا يكتفي هذا الإنسان بالإنفصال عما يحول دون ممارسة حقه في التفكير , بل إنه يتطلع إلي أن يشرع لنفسه ما يجب فعله أو تركه ,فترسخ بذلك ذاتيته؛ و هكذا, فالانسان الراشد منطلق الحركة قوي الذات ") , و اذا كان الاستقلال يمثل جوهر الحداثة فإن السياق الغربي أدى به لنتاج معين يحتلف عن ما يراد لواقعنا , فبينما كانت مشكلة الغرب الرئيسية هي التحرر من هيمنة الاكليروس في الداخل فتم توجيه الإستقلال هذا الإتجاه فإن الأمر لدينا مختلف حيث مشكلتنا تتمثل في محاولة التحرر من هيمنة الاستعمار فهو ما يمثل عائق لتحرير الإنسان و حركيته بكل الأشكال التي يتخذها حتى إنه يتحدث بلسان بعضنا , لكن مشكلة هذه الرؤية هي أنها ببساطة تفرغ الإستقلال من أي مضمون أولا, ثم تؤهله ليقبل أي مضمون اخر حتى و ان كان غير قادر على أن يعبر عن جوهر الحداثة ثانيا, فإن كان طه يرفض اعتبار العقلانية مبدأ للحداثة لأسباب منها أنها كانت موجودة في حضارات سابقة , فهل يا ترى لا نستطيع أن نقول نفس الكلام عن الإستقلال بعد ما أصبح مجرد استقلال عن المستعمر أو عن طبقة كهنوت , ألم توجد هذه الأفعال قبل الحداثة التي يستكشفها عبد الرحمن مما يجعل هذه الأمور ليست دليلا و لا معلما فضلا عن أن تكون جوهرا لها , إن كان الأمر كذلك , فلماذا وضع الإستقلال كمبدأ للحداثة بعد أن فقد أي مضمون يجعله معبرا عن روح الحداثة ؟ حتى نصل لإجابة هذا السؤال علينا أولا أن نبحث عن هذا المضمون الذي يجعل فعل الإستقلال فعلا جوهريا معبرا عن روح الحداثة  و الذي يحاول عبد الرحمن إقصائه , هذا المضمون الجوهري هو كون فكرة الإستقلال و رفع الوصاية المميزة للحداثة هي فكرة أنطولوجية تتعلق بعلاقة الانسان بالله و العقل بالوحي و العالم بما وراءه , فتنظيم هذه العلاقة بصورة جديدة تصبح أساس لفعل معرفي و أخلاقي و جمالي , سياسي و اقتصادي جديد ومحرر هو ما يميز فعل الحداثة عن اي تحرر سابق من المستعمر أو من الكهنوت (1), فالحداثة لم تكتفي برغبة التحرر من الكهنوت بل قدمت أساسا فلسفيا لهذا التحرر , و هذا فقط ما يجعل للإستقلال معنى حقيقي , و يجعله ممثلا لروح الحداثة , لذا فوضع عبد الرحمن الاستقلال كمبدأ معبر عن روح الحداثة بلا مضمونه يعني التخلي ببساطة عن مضمون الحداثة , و يجعل دافع التمسك باللفظ فارغا من معناه  هو الرغبة في توجيه هذا الإستقلال تجاه بعض الأفكار التي تشكل هذا المضمون بعد إظهارها بصورة الأفكار غير الجوهرية بل المتعلقة فقط بواقع الغرب كما سيلي بيانه , و إن كان سبب من اسباب تجاهل مركزية فكرة العقلانية كونها مضمنة داخل هذه المبادي المتادخلة فإن  عبد الرحمن يفصل فصل شديد بين المباديء الثلاثة حتى تظهر بأحقية في الوجود ممثلة لروح الحداثة فيتم إخفاء ما بينها من تداخل, فهو مثلا لا يحدثنا عن علاقة "النقد" الركن الثاني لروح الحداثة  ب"الرشد" , و هذا الفصل الشديد  يؤدي بصورة أكبر لتفريغ ركن الرشد الأول و هو الإستقلال من مضمونه حتى يصعب  جدا ربطه بالنقد , حيث الرابط بينهما يرتبط بالمضمون , فإن كان الانسان يحتفظ في فعله بإستقلال تجاه الله نفسه فإن هذا يعني أن كل ما يوجد حولنا من أفكار و رؤى هي بشرية قابلة للنقد و التجاوز , و كون طه يرى أن النقد ليس المبدأ الوحيد للمعرفة بل هناك مبدأ آخر هو الإخبار "في بعض الحالات يكون الإخبار أكثر يقينية من النقد" فإن هذا لا يمكن إلا بتفريغ الاستقلال من معناه, حيث الاستقلال يذهب بنا إلي كون الإخبار ليس مصدر للمعرفة فوق العقل بل إنه مصدر خاضع للعقل في المعرفة و الأخلاق , فحتى لو ظهر الله لموسى و عيسى فلن يخبرهم عن عالم الطبيعة شيء و إلا أخل بمبدأ استقلال العقل في قراءة الطبيعة و إن تحدث لهم فبلغتهم التي في حدود عقل عصرهم لا العقل المحض, أما عن الأخلاق فالعقل حاكم على قديس الإنجيل كما يقول كانط و ليس العكس , أي أن تمرير فكرة الإخبار لا يمكن إلا بتفريغ الاستقلال من معناه ليسهل فصله عن النقد , ثم بإعطاءه معنى وحيد هو الإستقلال تجاه واقع الحداثة الغربية و تصوير فكرة أهمية النقد و استيعابها للعقل _او اقصائها للاخبار كمصدر للمعرفة بالأحرى_ على انها واقعية تتعلق فقط بواقع الغرب الذي حصر المعرفة بالنقد في حين كما قلنا هو مبدأ جوهري كجوهرية الاستقلال إن كان له مضمون, هذا الإستقلال يفضي أيضا إن كان بمضمونه الحقيقي إلي كون الناس تشرع لنفسها أحكام مستمدة من واقعها و لكن إمعان طه في تفريغ الإستقلال من معناه يؤدي به في النهاية لحصر قضية التحديث في التشريع بكونها قائمة على كون التشريع قائم على اختيار الناس و ليس عن وصاية غيرهم _فالتحرر من وصايتهم هو فقط معنى الاستقلال عند _حتى لو كانت هذه التشريعات مستمدة من مصدر خارج العالم لا يملك الإنسان الإستقلال في التشريع تجاهه .

و إن كان عبد الرحمن يؤكد على فكرة الواقع بإعتبارها السبب في كون التفصيل _الركن الثاني في مبدأ النقد _قائم على الفصل التام بين الدين و العقل في الغرب حيث الدين المسيحي و طقوسه اللاعقلانية (2) على خلاف الإسلام العقلاني , نقول إذا كان طه يركز هنا على سمة في المسيحية تختلف عن سمة اسلامية كمنشأ لهذا الفصل إقرارا منه بفعل الواقع ثم يؤكد على ضرورة الاستقلال عن نتاج الواقع الغربي هذا, فإنه في مبدأ التعقيل _الركن الأول من مبدأ النقد -لا يرد كون التعقيل قائما على قهر الطبيعة للواقع و سمات اللاهوت المسيحي و صورة الاله فيه_ و هو من ناحية يؤكد كون الحداثة عرضت نفسها من داخل الدين بل و كون بعض رجال الحداثة مجرد مصلحين دينين, و من ناحية أخرى يمكن اعتبار توظيفه لمفهوم الرحمان اسم الله كإطار لعلاقة أخرى مع الطبيعة لا تقوم على نفيها شعور بكون الإطار القهري في التعامل معها تم أيضا بسبب تصورات معينة لله و هو ما يؤكد عليه مفكرين غيره كثير_ و لا يدعونا بالتالي لاعادة النظر في هذه الصورة, حيث هذه السمة الواقعية تشترك مع الاسلام هذه المرة !

ليست القضية في الفصل بين الثلاثة مباديء فقط بل بين أركان المبدأ الواحد , كما بين الاستقلال و الإبداع داخل مبدأ الرشد في قضية قراءات القران , فالمسلمات الثلاثة التي يعتبرهم طه هم أساس خطط الأنسنة و الأرخنة و العقلنة في القراءات الحداثية للقران , و هي ترك الله للانسان , و ترك الاخرة للدنيا , و ترك الوحي للعقل , يردهم لواقع الصراع الغربي بين الانورايين و رجال الكنيسة الذي جعل قضية الفصل كشرط للإبداع ضرورة , و بالتالي فاستبطان هذه المباديء في قراءة القران  عبارة عن إبداع مقلد غير مستقل , لكن هذه القضايا لا يمكن ردها أبدا لواقع الصراع الغربي بل هي قضايا تتعلق بمضمون الإستقلال الذي يقصيه طه أي الإستقلال الأنطولوجي أي لروح الحداثة لا تحققها , فالنظر للأمر باعتباره تشدد رجال الكنيسة أدى لتشدد في المقابل يعد غير دقيق و يفقد كما قلنا سابقا فعل الإستقلال مضمونه كمميز للحداثة , فالمنطقي النظر للاستقلال الانطولوجي كعلاج عميق و جذري لقضية تشدد الكنيسة , و هذا يمثل جوهر فكرة الإستقلال أنها أنطولوجية هدفها تحرير الإنسان , أما كونها تخلصت من الله أو الآخرة أو الوحي بدلا من إعادة تنظيم العلاقة فهذا ما يمكن تسيمته بواقع الحداثة ,

اهتزاز "صورة العالم "
___________________________

"خلاصة هذا الفصل هي أن التطبيق الغربي لركن التعميم من أركان روح الحداثة يقصره على الآدميين, و لا يتعدى به إلي غيرهم من الكائنات, بل إنه يقطعهم عنها, محدثا انصلالات جوهرية ثلاثة و هي: "الانفصال عن التراث"و "الانفصال عن الطبيعة" و "الانفصال عن الحيز"؛ فيلزم أن يكون تضاكن الآدميين الذي يتجلى فيه هذا التطبيق عبارة عن تضامنهم ضد غيرهم من الكائنات مفضيا لإلي آفات ثلاثة هي: "آفة التزلزل" و "آفة الخوف" و "آفة التشرد" في حين أن التطبيق الإسلامي لهذا الركن يجعل التعميم يسع الموجودات كلها, محولا الانفصالات القاطعة إلي انفصالات واصلة؛ ذلك أن مبدأ التراحم الذي يتجلى فيه هذا التطبيق الثاني تتتفرع عليه واجبات رحمية تقضي كلها بإيجاد عالم تكون فيه العلاقات بين الأياء و الأشياء جميعا علاقات بين أقرباء, أقرباء فيما بينهم و أقرباء من الرحمان الذي يتجلى عليهم, لا بقهره و إنما برحمته, فيتفكرون في مظاهر رحمته و يتشبون بأخلاقه, بحيث تكون الواجبات فيما بينهم, لا واجبات الأجانب, و إنما واجبات الأقارب ."
  "

التفريق بين الإله الذي يتجلى برحمته و الإله الذي يتجلى بقهره ,الاقتداء باسم الله الرحمن ,  الخلق باعتباره رحمة _ و الرحمة لا شك أعلى من فكرة الخلق بمحض المشيئة المستقرة في الأذهان _ , التأكيد على الأحاديث التي تتحدث عن اتساع رحمة الله أو أنها سبقت غضبه , هي ما يمثل العمود الفقري لهذا الفصل من الكتاب , لكن إن كان طه عبد الرحمن يرى أن علاج أزمة الحداثة المتمثلة في كون التعميم جرى فيها على انفصالات ثلاثة مع التراث و الطبيعة و الحيز أدت بالترتيب إلي التزلزل و الخوف و التشرد , يتمثل في التأكيد على صورة معينة لله و لعلاقته بالعالم " صدور الأولامر و النواهي عن الرحمة , الخلق كرحمة " , فإن هذا معناه أنه يرجع_ و لو بصورة سالبة _  عيوب الحداثة لصورة أخرى لله , ليس الله فيها رحمان بل قهار و ليست المخلوقات فيوض الرحمة بل محض المشيئة , صورة فيها غصب الله يسبق رحمته , لكن ذكر دور هذا العامل في تلك الانحرافات للحداثة المفصح عند عدد لا بأس من المفكرين _و الذي لم ينفيه طه بكونه يؤكد على كون الحداثة توسلت بلغة دينية و أن بعض روادها كانوا مصلحين دينين لكنه لا يصرح به لكون هذه الصورة للإله نفسها موجودة في الإسلام ايضا _, لا يتم بصورة واضحة عند طه , و هذا يجعل  العلاج عن طريق توظيف هذا المعجم المفاهيمي للرحمة من داخل الإسلام لا يتم كإعادة أو محاولة إعادة لرسم علاقة الله بالعالم و الإنسان بل فقط انتقاء من داخل الإسلام لبعض الأحاديث و الآيات و الرؤى التي يوجد داخل النصوص و في التراث الإسلامي ما يخالفها , هذا لإن إعادة رسم هذه الصورة بما يحقق استقلال للإنسان و للعالم "استقلال انطولوجي " هو المضمون المنفي في قراءة عبد الرحمن لروح الحداثة في مبدأ الاستقلال الذي يقصره على الإستقلال عن وصاية الغرب, حيث تصبح روح الحداثة في تصور غير طاهاوي هي رسم صورة للعالم تستطيع تحقيق هذا الإستقلال الانطولوجي , و يصبح انحرافها لقهر الطبيعة و التراث و الحيز راجع للواقع الغربي و من ضمنه السمات التي عظمها العقل الديني في نظرته الإله التوحيدي و تصوره لفكرة الخلق , و للاننا نحمل نفس الرؤية فهذا يعني أن التحديث مرهون بإعادة رسم هذه الصورة  , و ليس يتوظيف معجم الرحمة المفاهيمي فلا زال التصور الآخر له نفس المشروعية و ربما أكثر مما يهدد فعالية توظيفه!!
التمظهر بالحداثة لرفضها
___________________
"و لما كان المترجم في هذا المستةى يركز على نقل البنى العقليى للنص الأصلي, جاء نقله لبناه الدلالية و بناه التركيبية مقيدا بنقله لهذه البنى المنطقية كالآتي: فإن وجد أن نقل هذين النوعين من البنى يوافق نقل البنى المنطقية, نقلهما على ما هما عليه؛ و إن وجد أنه يخالفه, تركهما و استبدل مكانهما بنى دلالية و تركيبية أخرى توافق هذه البنى المنطقية؛ ذلك أنه لو أبقى هذين النوعين من البنى على حالهما من المخالفة, لزاد من عقبات استيعاب المتلقي العربي اللسان للبنى المنطقية, و حال دون اكتسابه للأسباب التي توصله إلي الإبداع المنطقي؛ أو قل بإيجاز إن المترجم, على مستةى الترجمة المنطقية, يتصرف في دلالات النص الأصلي و تراكيبه معا بحسب ما يوجبه نقل بناه المنطقية على وفق مقتضيات المجال التداولي الإسلامي العربي, متحملا بذلك مسؤولية استقلاله عن هذه الدلالات و التراكيب باعتبارها تمارس نوعا من الوصاية عليه"

إن تصرف طه عبد الرحمن في البنية الدلالية للخطاب المترجم وصل إلي حد إفقاد كلمة ركن معناها حين جعل الإستقلال مفرغا من مضمونه و شحنه بحمولة حولته للمفارقة لسلاح ضد مضمونه الحقيقي , و إلي حد قطع الروابط بين هذه الأركان الممثلة لروح الحداثة إمعانا في هذا التفريغ , و إلي حد الانتقائية الواضحة في اللجوء إلي الوقائع أو تركها حسب ما تمليه الرؤية المسبقة , هذا كله جعل  الفصل بين ما يمثل روحا للحداثة و ما يمثل تحققا غربيا لها فصلا متعسفا, و هو متعسف لا لكونه غير مشروع بل لكونه لا يتم وفقا لاستكشاف حقيقي بل يتم وفقا لرؤية مسبقة و جاهزة في رأس المؤلف عن حداثة بمقاس خاص لا تحمل من الحداثة إلا الأسم دليلا على أزمة يتعرض لها الخطاب الإسلامي في كونه حتى غير قادر على تقديم مشروعه إلا باسم يريد بكل قوة هرعه للتسمي به الفرار من مسماه , إننا لو اتفقنا مع المفكر المغربي الكبير في روح فكرته عن الترجمة الاستكشافية كما قدمنا فإننا نظن أن كتابه ليس ترجمة استكشافية بل هو فقط مجرد محاولة لإثبات عدم أحقية القراءة الإستنساخية , لكن للأسف محاولة لا ترقى لتكون قراءة استكشافية , حيث تفقد مضمون لفظ الاستكشاف الذي يتنافي مع وجود الخطة جاهزة, خطة هي المضمون المنطقي للكتاب الترجمة مهما حاولت بنيته الدلالية التعمية على هذا...
____________________________

(1) ليس الغريب أن عدد من المفكرين لاحظ هذا البعد العميق للحداثة و مفرقا به بين الحداثة و إجراءاتها , بل الغريب التفات عدد من المفكرين الاسلاميين لكون مسألة مثل التحرر من المستعمر أو مقاومة الغربنة تحتاج لصياغة جديدة عن علاقة الله بالانسان , ففي كتابه "العودة إلي الذات" يرجع شريعتي الذوبان في الغربي للتراث الصوفي الذي يرسم علاقة الانسان بالله على أنها علاقة ذوبان , هذا يعني أن حتى قصر معنى الإستقلال على الإستقلال عن المستعمر يتطلب إعادة النظر في الرؤية الانطولوجية التي نحملها ..

(2) بعد أن رأى عبد الرحمن أن هناك فرق بين المسيحية و الإسلام في درجة العقلانية , فإنه يدافع عن ما يمكن أن نجده من لا عقلانية في الإسلام بأن ما يبدو كذلك لا يعدو أن يكون مقبولا عند العقل الجدلي أو لملكة أخرى فوق عقلية أو للعقل الروحي , و السؤال هنا لماذا لا يعد حقا للمسيحي الموصوف بالاعقلانية أن يحتج بنفس الحجج أمام محكمة الحداثي ؟!!