في بداية التعرف على العلوم الحديثة كانت هناك محاولة لاستيعاب تلك العلوم من عدد من مشايخ الأزهر مثل حسن العطار , لكن في هذه الفترة كانت العلوم المشار إليها في معظمها علوم إجرائية , و ليس نظريات علمية , لذا كان من السهل نسبيا إضافتها _أو هكذا خيل للعطار _إلي حصيلة العلوم التقليدية داخل الأزهر دون توقع حدوث أي صراع ,لكن الانفتاح على النظريات العملية خصوصا نظرية التطور كان مؤذنا بتغير علاقة الدين بالعلم داخل خطاب الإصلاح نفسه الذي نظر للإسلام بإعتباره يحوي كل عناصر المدنية و في مقدمتها العلم , حيث أصبح العلم هذه المرة في مواجهة بعض المسلمات العقدية , فتم النظر بتوجس للنظريات العلمية , و اتجه الخطاب اكثر ناحية صيانة العقيدة كما نرى عند الأفغاني في الرد على الدهريين أو في ردود حسين الجسر على نظرية التطور , خصوصا عند قيام عدد من رواد العلمانية الجذرية بتوظيف نظرية التطور كبديل للرؤية الدينية و إيذانا بإنتهائها , أما المنعطف الثالث الذي أخذته العلاقة في اتجاه الصراع حدث عندما تم تطبيق المناهج الحديثة على بعض المسلمات التي يتبناها الخطاب الديني السائد باعتبارها حقائق أزلية , مثل تطبيق علي عبد الرازق منهجه الوضعي (بالمعنى الواسع للوضعية أي بدراسة الخلافة وفقا للواقع المحسوس و ما يشهد به العقل و التاريخ و ليس دراسة لاهوتية ) على تاريخ الخلافة , و تطبيق طه حسين المنهج الديكارتي على الشعر الجاهلي , و التطرق لبعض القضايا التي تتعلق بالنص مثل قضية الأحرف السبعة , و قضية الحقيقة التاريخية للقصص القرآني , و تطبيق المنهج الوضعي كإمتداد للرؤية التجريبية التي أرساها بيكون و المنهج الديكارتي عبد الرازق و العميد يعني محاولة استعياب أساس النظرة العلمية الحديثة في رافديها الكبيرين تجاوزا لمجرد استيراد علوم تطبيقية تظل عصية على التجذر في مجتمعنا لغياب جذورها, لذا كان هذا التطبيق إيذانا بإشتعال المعركة بين العلم بمعناه العميق و بين الدين في خطابه السائد , حيث برهن هذه الخطاب على عدم قدرته تقبل شيء من العلم غير ثماره فقط .
أما إذا امتد الأمر لجوهر العلم نفسه عجزت بنية هذا الخطاب عن تقبله لأن تقبله معناه التخلص من هذه البنية نفسها كما سيتبين عبر السطور القادمة!!
العلم يدرس الدين
________________
كانت هذه المحاولات هي بداية تناول الدين (العقائد , التشريع , طبيعة النصوص الدينية , بعض المسائل التاريخية التي يضفي عليها الخطاب السائد قداسة خاصة مثل الخلافة ..._كلما تكررت كلمة الدين في السطور القادمة فهي تعني ما وضعناه هنا بين الأقواس _ ) بالبحث و هو ما لم يحدث في بداية التعرف على العلم كما ذكرنا , و لم يكن للتعامل الجذري الذي أظهره مثلا اسماعيل مظهر و الزهاوي أن يجد تأثير كبير , حيث لم يكن الأمر دراسة للدين على ضوء المناهج الحديثة بقدر ما تعلق الأمر بالتخلص من الدين تماما و العمل من خارجه و هذا يعني أن هذه الطريقة في التفكير التي تبدو علمية ظلت في واقعنا غير علمية حيث عملت دوما على فرض نماذجها دون فهم الواقع أولا أي أنها كررت ما تعتبره عيب التيار السائد الرئيسي و هو تغييب الواقع, أما محاولات طه حسين و علي عبد الرازق فلم تدخل في حوار مع الفكر السائد أولا , بل قامت بتطبيق منهج حديث دون تجاوز القديم بما يعني العمل من خارج الواقع و فوق سطحه أيضا , هذا و ذاك ربما جعل الخطاب السائد أقوى لدرجة أنه فرض بنيته التي لا يمكنها الاتفاق مع العلم إلي جوار العقلية العلمية في عقل طه حسين و استمر الأمر إلي صورة من أعلى صور الجمع بين البنيتين على يد رائد لمنهج علمي شديد الإفراط في نزعته التجريبية و هو زكي نجيب محمود.
الفلسفة الوضعية المنطقية هي أحد التطورات للمنهج التجريبي الذي بدأ مع بيكون , تجعل العبارة العلمية التي تشير إلي واقع تجريبي وحدها عبارة لها معنى , أما ما عداها فلك أن ترميها في النار على حد قول هيوم , أو تأخذ برخصة من إمام الوضعية المنطقية في مصر زكي نجيب بأن تتسلى بها في أوقات الفراغ , و برغم خطورة الوضعية المنطقية على الميافيزيقا عموما حيث تقصر الحقيقة على العالم التجريبي , فإن رائدها زكي نجيب توصل إلي نوع من أنواع التوفيق بينها و بين الدين في خطابه السائدة , قام هذا التوفيق على صيانة مساحة الوجدان ليشغلها الدين , قاصرا الوضعية على العقل , وجدان , دين , اصالة \عقل , علم , معاصرة , فالإنسان ليس مجرد عقل بل عقل و وجدان و لو عدنا للإسلام لوجدناه عقل و وجدان , إيمان وجداني بالقران ثم عقل لهذا القرآن , هنا ينقسم العقل بوضوح لعقل في دائرة الدين و عقل خارجها , العقل خارجها وضعي يبدأ من العالم , في حين العقل في الدين نصي ينزع النص عن الواقع , عقل أشعري مع النص يخفف من غرور العقل المعتزلي الذي ينشد الحرية خارج حدود النص, و هذه الطريقة التي يقوم بها زكي نجيب محمود تعالج الموقف المتأزم السابق الذكر و هو تطبيق المناهج الحديثة على الدين , فهنا نحن نقبل بالمناهج الحديثة لكن خارج إطار الدين تماما , عدم واقعية هذا الطرح كشفت عنه كتابات العملاق نفسه , حيث تنبه لعناصر معينة في العقيدة الأشعرية السائدة لا يمكن لها الاستمرار مع العقلية العلمية التي ينادي بها بل يهدد بالقضاء عليها مثل فكرة نفي السببية عند الغزالي فقام برفضها و قبل الباقي , و لم ينتبه لكون العقيدة علم متناسق بحيث لا يمكن داخل مذهب عقدي أن تختار و تنتقي فكل عنصر مرتبط بالبقية ,
وبالتالي فهذه المحاولة أقرب للتلفيق منها للتوفيق و مليئة بتناقضات داخلية تعيدنا مرة أخرى لنقطة البدء , و هي مقاومة الخطاب الديني السائد للمناهج الحديثة لإن قبولها يعني تجاوز بنيته نفسها . فالمناهج الحديثة تضع الواقع في مركز الرؤية و تفسره من داخله لا من خارجه , و هذا تماما عكس الدين في خطابه السائد الذي يصر على تفسير الواقع ميتافيزيقا , و يصر على نفي أثار الواقع داخل بنية الدين نفسه .
تحرير الواقع
__________
من اشهر المحاولات في السنوات الاخيرة لتطبيق المناهج الحديثة على الدين , كان تطبيق منهج الالسنيات على النص مع نصر ابو زيد ,يرى نصر أن المصدر المفارق للنص لا يعني امتناع تطبيق المناهج الحديثة عليه , فهو في النهاية نص لغوي عربي , و لا يمكن لأي نص داخل أي ثقافة إلا الأشتغال من داخلها , و محاولته إبداع مفاهيم جديدة و تشكيل الثقافة بشكل مختلف تأتي بعد مرحلة كان فيها النص منتَج لهذه الثقافة نفسها , لذا ففهم النص ممكن عقليا حيث لا معاني مفارقة في النص , فبمجرد نطق محمد بالقران تموضع بشريا و أصبح خاضع للفهم العقلي عن طريق مجادلة سياق نزوله مع سياقه الداخلي "تطويره للدلالات" مع سياق القاريء ,تمكن نصرعن طريق هذه الرؤية أن يعيد تفسير عدة أمور (منها وجود الحسد و السحر و الجن و التصور الملكي لله في القران) باعتبارها تصورات متعلقة بالثقافة التي تشكل فيها القرآن , و لأن اللغة ليست مجرد كلمات تشير إلي أشياء كما كانت في التصور الكلاسيكي قبل سوسير الذي جعل العلاقة بين اللغة و العالم محكومة بأفق المفاهيم و التصورات الذهنية الثقافية التي تشكل العالم الخارجي بطريقة معينة وفق كل ثقافة ,و بهذا فإن عربية القرآن لا تعني مجرد عروبة مفرداته بل يعني عروبة تصوراته للعالم و ان تطوير هذه التطورات يتم من داخلها و في حدود لا تسمح بالقطع التام معها , و هذا المنهج الذي استخدمه نصر و الذي يعتبر خروج عن القراءة القديمة للقرآن و التي كتب لها السيادة و هي قراءته كنص لغوي مفارق لواقعه التاريخي , مكن نصر من تجاوز ثنائيات مثل المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ و قطعي الدلالة و ظاهرها , حيث هذه الثنائيات نتاج التعامل مع النص كمعطى نهائي متكون خارج الثقافة منقطع الصلة بها أي التعامل مع النص كسلطة, و رغم أن السقف الذي حدده نصر لمشروعه هو فقط التحرر من سلطة النصوص أو التعامل معها كسلطة دون الدخول في جدال حول قضايا لاهوتية إلا أن ثراء المنهج يجعله مؤذن بتثوير الدين ليس في بنيته التشريعية فقط بل حتى داخل بنيته العقائدية نفسها .
و لم يكن ممكنا لنصر أن يحكم الدائرة حول منهج التعامل مع النص كسلطة بمجرد بيان منهجه الجديد و تطبيقه و إظهار نتائجه ,بل كان عليه أن يدخل في حوار مع المنهج السائد نفسه , و هو ما فعله في كتابه "نقد الخطاب الديني " مستخدما آليات تحليل الخطاب و موضحا بشرية المنطلقات و الآليات الذهنية لهذا المنهج السائد بل و الاغراض الايدلوجية لمروجيه المعاصرين, و في كتابه "الامام الشافعي و تأسيس الايدولوجي الوسطي" يذهب نصر لأبعد جذر لهذا المنهج , مع الإمام الشافعي الذي أسس لهذه الطريقة في كتابه الرسالة و نزع النص عن سياقه التاريخي أي رفعه فوق العقل, فضلا عن تأسيسه حجية السنة وحصر الاجتهاد في القياس على النص , و بهذا تأسس العقل التابع , قام نصر بالحوار مع الشافعي و من مدخل ألسني أيضا فرسالة الإمام هي رسالة في البيان و القاعدة المحورية هي أن اللغة العربية متسعة بحيث لا يستطيع الإحاطة بها إلا نبي أي أنها فوق بشرية و هذه القاعدة التي تبرر للإمام القول بشمول القرآن لكل النوازل سواء بالنص او بالقياس عليه أي بتابعية الواقع للنص هي في صلب الألسنيات , أي أن مدخل نصر للتشريع الفقهي هو الاستخدام اللغوي من قبل الفقيه , بمعنى أن منهج نصر لو طبق على النص فقط لما استطاع إثبات تاريخية التشريع برغم قدرته على إثبات تاريخية العقائد , فقضية التشريع تتطلب الاتجاه لدراسة المجتمع و ظهور التشريعات فيه أي إلي شيء خارج عن منهج الألسنيات , لكن ما مكن نصر من هذا هو كون الفقه في رغبته نفي السياق الواقعي للنص و للنشريع بالذات لم يفعل سوى نزع اللغة عن واقعها , لذا يصبح اختراق بنية الفقه التقليدي و رد النص لواقعه رهين بتأسيس ألسني جديد . يضع اللغة في التاريخ و هو حلم طه حسين القديم في كتابه "في الشعر الجاهلي".
هذا المدخل الإجتماعي نجده عند ياسين , ففي محاولته الاقتراب من الظاهرة الدينية يفرق تفريق أصلي بين الدين و التدين , الأول مطلق و هو الله و الأخلاق الكلية فقط و الثاني متغير بحكم وجود الاجتماع في قلبه و هو التشريع و الطقوس, و حضور الاجتماع في التدين لا يتعلق فقط بمرحلة ما بعد إغلاق النص لكنه أيضا يتعلق بمرحلة تشكل النص نفسه , حيث يقوم الوحي المفارق عند دخوله بنية الإجتماع بتفضيل خيارات تشريعية و طقوسية محددة , و مرارا يؤكد ياسين على كون الواقع الإجتماعي نفسه مصدر تشريع حيث لا مجتمع دون عرف أو تشريع , و أن النص بعد هذا يقوم بالتقرير أو التعديل الجزئي لكنه لا ينشيء الاحكام إبتداء, , بهذه القاعدة الإجتماعية التي يقررها ياسين و يطبقها على عدد كبير من الأمثلة في كتابه , يفقد النص المؤسس نفسه صفات التشريع الأبدي و هي الإبتدائية و التجريد و الشمول_و تصبح تشريعاته خاصة بزمانه و مكانه _ و هو ما لا يعطيه ياسين سوى للقانون الأخلاقي فقط , و تظهر محاولة الشافعي تأسيس حجية السنة و حصر النص في بنيته اللغوية , و ثنائيات الناسخ و المنسوخ , و كثير من التقنيات الفقهية و التفسيرية الأخرى كمحاولة في التعمية على هذا المصدر الإجتماعي للتشريع , و إضفاء الأطلاقية على خيارات محلية و زمنية معينة , خيارات قراءتها من عقل حالي يعيدنا على حد تعبيره لسياقات أنثروبولوجية بعيدة جدا !!
و لو أردنا ذكر مثال لمحاولات التعمية هذه سنذكر مفهوم السنة عند الشافعي, وفقا لياسين لم يكن مصطلح السنة قبل الشافعي يعني سنة الرسول بل كان يعني ما جرى عليه العمل و يدخل فيه العرف و عمل الصحابة و عمل أهل المدينة , و ما فعله الشافعي هو قصر المفهوم على الرسول ثم إعطائه حجية للتشريع للمستقبل أو إضفاء الإطلاقية عليه , و بذا كان تأسيسه هذا في مواجهة العرف و مواجهة أيضا الرأي عن طريق توسيع إطار النصوص و اضفاء الإطلاقية على تشريعاتها و التعمية على كونها هي نفسها كانت عرفا لمجتمع معين .(1)
و يصبح البحث عن الأسباب الواقعية وراء تأسيس هذا الخطاب مع الشافعي فقهيا وتأسيسه عقائديا عند الأشعري و الغزالي و الأسباب وراء سيادته مطلب معرفي هام في إطار تجاوز هذا الفكر الذي يصر على نفي وجود الواقع مبتدئا بنفي وجوده في الدين (النص , العقائد , الشرائع , الخ ),و هذا ما يقوم به علي مبروك حيث يبحث في ما وراء تأسيس الأصول عن الجذور الثقافية لهذه الطريقة في التعامل مع الدين و النصوص بخاصة , حيث يرى أن الثقافة بمعناها الانثروبولوجي السابق على وجود الثقافة المكتوبة مع الإسلام , هي التي وجهت هذه الأخيرة وجهة معينة , و هي وجهة الإتباعية , فلم تصر الثقافة الإسلامية إتباعية لكون القرآن فرض نفسه داخلها كأصل للإتباع , بل إن الثقافة السابقة على القرآن هي التي وضعته على هذه الصورة .
و في إطار ضرب هذه المخايلة بالتعالي من علم العقائد يقوم مبروك بإرجاع العقائد لسياقاتها التاريخية حتى يكشف الدوافع السياسية و القبلية بل و النفسية التي تتخفى وراءها , و تتخفى وراء سيادة خطاب معين منها هو الخطاب الأشعري الذي يخايل بأحقيته المطلقة ممثلا للعقائد الإيمانية , في حين سيادته تعود لكونه يحفي وراء تكريس سلطة الأصل معرفيا , تكريس سلطة السياسي , و حيث الأصل منبت الصلة بالواقع الذي لا يتقوم ذاتيا بل يكون نهبا للإرادة الإلهية الغير متحددة بالعلم و الحكمة,قناع لوجه السلطان الذي يوجد مع تخلف شروط وجوده و لا يوجد راد لقضائه.
و وفقا لما تسفر عنه محاولات تطبيق المناهج الحديثة على الظاهرة الدينية أو على النصوص بالأخص والتي ذكرنا بعضا من أوجهها تصبح المقاومة التي يبديها الفكر السائد لهذه القراءة مقاومة مفهومة , و أنها مهما حاولت التذرع بكون منبعها الرئيسي كون هذه المناهج غربية (2) و كون مقاومتهم لها هي مقاومة للإستلاب الفكري أو للتقليد أو للتبعية, نستطيع اكتشاف بوضوح منبعها الحقيقي الذي يتمثل في كون هذه العلوم بسبب اتخاذها الواقع نقطة انطلاق تختلف جذريا مع بنية هذا الفكر السائد الذي يعمل على نفي هذا الواقع عن إطار الرؤية و إلحاقه بما هو خارج عنه, و محاولة تجاوز هذه الطريقة في التفكير داخل إطار الدين ذاته باعتباره الميدان المركزي لتطبيق هذا الفكر , معناه تهديد الهالة المقدسة التي يضفيها هذا الفكر على نفسه بزعم ارتباطه بالدين , و فتح الطريق لتأسيس فكر جديد يحرر الدين و العقل و الواقع .(3)
وفي الحقيقة ظن هذا الفكر السائد بكونه قادر على تحريرنا من التبعية يظل أقرب إلي الوهم ! , حيث أن بنيته التي تحدثنا عنها و عن استهداف تطبيق المناهج الحديثة على الدين و النصوص بالأخص لها هي التي تنتج هذه التبعية , فكما ذكرنا أن نفي كون الواقع جزء من الدين و من النص معناه إنكار القوانين والنظر للعالم من خارجه , و رفع النص من التاريخ ليصبح سلطة فوقه يجعل العقل غير قادر على فهمه بل عليه أن يخضع له كتابع , و حين تتأسس التبعية يصبح المتبوع شيء ثانوي , فلا فرق أن يكون القرآن أو التراث أو الغرب , و بالتالي يصبح الجدل حول المتبوع إما جهل بأن جوهر الفكرة أهم من تمظهراتها , أو محاولة للتعمية على تمركز التبعية داخل هذا الفكر نفسه ,و تجاوز جوهر فكرة التبعية لا يكون إلا برد هذا الفكر لظروف نشأته و أسباب سيادته الواقعية , و إفساح الطريق لقراءة الدين قراءة جديدة تحرره كما تفعل القراءات الجديدة التي أتينا على بعض عناصرها .
قراءة ضد الأبوية
___________
و بذلك تصبح هذه القراءة الجديدة بداية و شرط تأسيس العقل النقدي الإبداعي بديلا لعقل الإتباع , و كون الدخول في حوار مع الفكر السائد عن طريق تفهم منطلقاته و أساسيته سواء في صورته الحالية أو في جذوره التراثية معبر عن عقلية هذه القراءة التي تبدأ من الواقع فإن هذا يجعلها القادرة على إحلال قيم الحوار بديلا عن قيم الفرض القسري من الخارج , كل هذا يجعلها قراءة ضد الأبوية بكل صورها , حيث تجرد السياسي المستبد و المرشد الديني و النخب المتعالية من أسلحتها (و خصوصا عدم محاولة تفهم الواقع و شروطه و إماكاناته كبداية لتغييره , و ممارسة الوصاية و احتقار الآخر و الناس و تجريدهم من دورهم في التغيير بحيث ترى التغيير دوما من خارجهم لإنهم جهال أو عبيد إلي آخر قائمة الأوصاف التي تعني في مجملها أو تنعي فشل المثقف ) و بذلك تصبح قراءة غرضها تحرير الذات و ليس تفريغها من قوامها كما يردد التيار السائد (4)
و دراسة علم العقائد دراسة ترده لسياقه التاريخي الواقعي , و دراسة العقائد بقراءة النص من مدخل ألسني , أو الإشارة إلي تأثير الإجتماع في صياغة اللاهوت بصورة معينة , كل هذا يعد بداية لمحاولة وضع اللاهوت نفسه موضع الدراسة , و طرح أسئلة عن الوحي و النبوة و عن التعددية الدين و عن الصورة التي نتصورها عن الذات الإلهية,و لا شك أن كل المداخل التي ذكرناها بالأعلى تتماس كثيرا مع أرض اللاهوت و تطرح أسئلة مثل هذه بحكم تداخل عناصر الدين كلها , فمثلا قضية التعددية الدينية يتم طرحها من خلال التعامل مع الآيات الخاصة بالحض على الابتداء بقتال الكفار و أهل الكتاب , فنجد أنه من مدخل ألسني يرى نصر أن هذه الآيات في معرض النظر للقرآن كخطاب و ليس نص تصبح آيات تهديدية ليس الغرض منها التشريع , و من مدخل اجتماعي نجد عبد الجواد ياسين يرى هذه الآيات دليل على حضور الواقع في بنية التشريع , و يطبق عليها فكرته القائلة بأن حضور الواقع كجزء من التشريع يجعله فاقد لأحقية التشريع لللمستقبل بل يحصره في إطاره الزماني و المكاني , هذه القضية المثارة هنا و هي وجوب قتال المخالفين (5) تظل رغم هذه المحاولات محتاجة لمنظور يتجاوز التعامل الألسني أو الإجتماعي لتعامل يطرح السؤال نفسه من مدخل لاهوتي و هذا يذهب بنا فورا للبحث في النبوة و الوحي و أحقية دين واحد بتحقيق الخلاص , و البحث في النبوة و الوحي و قضايا اللاهوت هو ذاته متداخل مع القضايا التي يطرحها التعامل الألسني مع النصوص و التعامل الإجتماعي مع الدين الهادفين إلي موضعة الواقع المنسي في بنية الدين و نصه المؤسس لتحرير الدين و الواقع و العقل , حيث أن الفكر السائد حين قام بمحاولة نفي آثار هذا الواقع في الدين لابد قام بإعادة صياغة قضايا اللاهوت بصورة تأطلق ما هو واقعي داخلها , لذا فمحاولة التحرير هذه لن تتم إلا بإخضاع القضايا اللاهوتية نفسها لقراءة جديدة. .______________________________________
(1) هذه المقاربة تشير إلي قضية فكرية هامة تحدث عنها البعض و هي قدرة الخطاب السائد أن يخترق الخطابات الأخرى المناوئة له , نحن حتى الآن نقرأ مالك و أبا حنيفة من منظور الشافعي , أي من منظور الخطاب السائد , فنحن نقسم المذاهب لمذاهب رأي و مذاهب رواية أو رأي و نص , ثم نقول أن الشافعي إما عند البعض توسط أو عند آخرين انحاز لخطاب الراوية أو النص أو السنة بالتحديد , نقول كل هذا في حين أن التقسيمة نفسها لم توجد قبل الشافعي , فمالك و أبو حنيفة لم يميلا للرأي في مواجهة السنة أو العكس , حيث السنة بمفهوم الشافعي لم تكن موجودة , بل كانت داخلة في إطار العرف الواسع و لم يكن لها الإطلاقية و الحجية التي أكسبها لها الشافعي , هنا يصبح تقديم عمل أهل المدينة أو عمل بعض الصحابة أو حتى الرأي عند أبي حنيفة هو اجتهاد طبيعي في غياب مصدر له الشمول التام و الابتداء و التجريد و هي الصفات التي أضفاها الشافعي على القرآن و عمل الرسول,لذا فالنظر لمشروع الشافعي بإعتباره إعادة بناء لهيكل الدين بفعل الإجتماع كما يقول ياسين مهم جدا , حيث يجعلنا نقرأ خطاب الشافعي باعتباره تأسيس جديد و ليس بإعتباره الإطار الطبيعي الذي يتم من خلاله تقييم بقية الخطابات , و هو الناتج عن سيطرة هذا الخطاب و اختراقه لخطابات الأخرى و تحميها بحمولة معجمه المفاهيمي .
(2)نحن نجد أحيانا إحتفاء ببعض المناهج الغربية إذا توافقت و لو في ظاهرها مع مسلماتنا أو أحلامنا , نذكر بالأخص مناهج النسبوية العلمية التي يتم استخدامها لإثبات تهتافت موضوعية العلم و كشف البنى الاجتماعية و السياسية التي تعمل من تحته لتقليل الثقة فيه كمنهج للعلم بالواقع , و أحيانا لتمرير سلطة النص , في حين هذه المناهج نفسها يرفض استخدامها مع الفقه والخطاب الديني السائد . هذا يعني أن العلة ليست "الغربية" بل العلة هي قدرة المنهج على تعزيز رؤى خاصة بنا , أي قدرته على إثبات ما نعتقد , و هنا يستخدم المناهج الحديثة بنفس الطريقة التي خرجت عليها و هي التفكير الدائري الذي ينتهي لنقطة بدايته و لا يكتشف جديد!!
(3) و هذا الفكر الجديد هو تحرير للمثقف أيضا , فكما يرى إدوارد سعيد في كتابه "المثقف و السلطة" أن احتفاظ المثقف بحساسيته النقدية تجاه سلطة المؤسسات أو الأفكار مرهون بنظرته للوقائع المحيطة و الأنساق الفكرية باعتبارها نتاج لخيارات تاريخية تتخذ داخل هذا العالم الذي تحكمه قوانينه الخاصة , أي مرهون بالنظرة الواقعية لا الخارج واقعية للأشياء .
(4)يرى البعض و على رأسهم برهان غليون أن التعامل النقدي مع الدين لم يحقق في واقعنا ما حققه في الغرب , حيث لم يحرر العقل من سيطرة سلطة خارجة عنه و لم يجرد المستبدين من اسلحتهم _كان الإقطاع و الكنيسة في الغرب يستندون في سيطرتهم على التراث اللاهوتي _, بقدر ما أخضع العقل لسلطة جديدة تمثلها أفكار الحداثة كمطلق خارج التاريخ , و ربما هذا صحيح في حالة التعامل الجذري الذي تعامل به البعض في بداية عصر النهضة , لكنه قطعا يختلف عن القراءة الجديدة التي توضح هذه السطور بعض آفاقها.
(5) هناك طبعا من يحاول في معرض حديثه عن سماحة الإسلام أن يذكر الآيات الخاصة بأحقية الآخر في اختيار دينه , و في الحقيقة هذا لا يحل المشكلة بل يعقدها , فالتعامل مع القرآن كنص مكتمل يتطلب منا إعتبار أحد هذه الآيات في مرتبة أعلى من الآيات الأخرى , و هذا يتم عن طريق القول بالنسخ الذي للأسف جعله أغلب الفقهاء لآيات التسامح و ليس لآيات السيف , لذا يصعب الحديث عن قبول التعددية الدينية إلا بقبول كون الإلزام الأخلاقي النابع من العقل مصدر الأخلاق الوحيد , و هو ما رفضه الخطاب السائد بشدة في نفيه قدرة العقل على التحسين و التقبيح قبل النص .
أما إذا امتد الأمر لجوهر العلم نفسه عجزت بنية هذا الخطاب عن تقبله لأن تقبله معناه التخلص من هذه البنية نفسها كما سيتبين عبر السطور القادمة!!
العلم يدرس الدين
________________
كانت هذه المحاولات هي بداية تناول الدين (العقائد , التشريع , طبيعة النصوص الدينية , بعض المسائل التاريخية التي يضفي عليها الخطاب السائد قداسة خاصة مثل الخلافة ..._كلما تكررت كلمة الدين في السطور القادمة فهي تعني ما وضعناه هنا بين الأقواس _ ) بالبحث و هو ما لم يحدث في بداية التعرف على العلم كما ذكرنا , و لم يكن للتعامل الجذري الذي أظهره مثلا اسماعيل مظهر و الزهاوي أن يجد تأثير كبير , حيث لم يكن الأمر دراسة للدين على ضوء المناهج الحديثة بقدر ما تعلق الأمر بالتخلص من الدين تماما و العمل من خارجه و هذا يعني أن هذه الطريقة في التفكير التي تبدو علمية ظلت في واقعنا غير علمية حيث عملت دوما على فرض نماذجها دون فهم الواقع أولا أي أنها كررت ما تعتبره عيب التيار السائد الرئيسي و هو تغييب الواقع, أما محاولات طه حسين و علي عبد الرازق فلم تدخل في حوار مع الفكر السائد أولا , بل قامت بتطبيق منهج حديث دون تجاوز القديم بما يعني العمل من خارج الواقع و فوق سطحه أيضا , هذا و ذاك ربما جعل الخطاب السائد أقوى لدرجة أنه فرض بنيته التي لا يمكنها الاتفاق مع العلم إلي جوار العقلية العلمية في عقل طه حسين و استمر الأمر إلي صورة من أعلى صور الجمع بين البنيتين على يد رائد لمنهج علمي شديد الإفراط في نزعته التجريبية و هو زكي نجيب محمود.
الفلسفة الوضعية المنطقية هي أحد التطورات للمنهج التجريبي الذي بدأ مع بيكون , تجعل العبارة العلمية التي تشير إلي واقع تجريبي وحدها عبارة لها معنى , أما ما عداها فلك أن ترميها في النار على حد قول هيوم , أو تأخذ برخصة من إمام الوضعية المنطقية في مصر زكي نجيب بأن تتسلى بها في أوقات الفراغ , و برغم خطورة الوضعية المنطقية على الميافيزيقا عموما حيث تقصر الحقيقة على العالم التجريبي , فإن رائدها زكي نجيب توصل إلي نوع من أنواع التوفيق بينها و بين الدين في خطابه السائدة , قام هذا التوفيق على صيانة مساحة الوجدان ليشغلها الدين , قاصرا الوضعية على العقل , وجدان , دين , اصالة \عقل , علم , معاصرة , فالإنسان ليس مجرد عقل بل عقل و وجدان و لو عدنا للإسلام لوجدناه عقل و وجدان , إيمان وجداني بالقران ثم عقل لهذا القرآن , هنا ينقسم العقل بوضوح لعقل في دائرة الدين و عقل خارجها , العقل خارجها وضعي يبدأ من العالم , في حين العقل في الدين نصي ينزع النص عن الواقع , عقل أشعري مع النص يخفف من غرور العقل المعتزلي الذي ينشد الحرية خارج حدود النص, و هذه الطريقة التي يقوم بها زكي نجيب محمود تعالج الموقف المتأزم السابق الذكر و هو تطبيق المناهج الحديثة على الدين , فهنا نحن نقبل بالمناهج الحديثة لكن خارج إطار الدين تماما , عدم واقعية هذا الطرح كشفت عنه كتابات العملاق نفسه , حيث تنبه لعناصر معينة في العقيدة الأشعرية السائدة لا يمكن لها الاستمرار مع العقلية العلمية التي ينادي بها بل يهدد بالقضاء عليها مثل فكرة نفي السببية عند الغزالي فقام برفضها و قبل الباقي , و لم ينتبه لكون العقيدة علم متناسق بحيث لا يمكن داخل مذهب عقدي أن تختار و تنتقي فكل عنصر مرتبط بالبقية ,
وبالتالي فهذه المحاولة أقرب للتلفيق منها للتوفيق و مليئة بتناقضات داخلية تعيدنا مرة أخرى لنقطة البدء , و هي مقاومة الخطاب الديني السائد للمناهج الحديثة لإن قبولها يعني تجاوز بنيته نفسها . فالمناهج الحديثة تضع الواقع في مركز الرؤية و تفسره من داخله لا من خارجه , و هذا تماما عكس الدين في خطابه السائد الذي يصر على تفسير الواقع ميتافيزيقا , و يصر على نفي أثار الواقع داخل بنية الدين نفسه .
تحرير الواقع
__________
من اشهر المحاولات في السنوات الاخيرة لتطبيق المناهج الحديثة على الدين , كان تطبيق منهج الالسنيات على النص مع نصر ابو زيد ,يرى نصر أن المصدر المفارق للنص لا يعني امتناع تطبيق المناهج الحديثة عليه , فهو في النهاية نص لغوي عربي , و لا يمكن لأي نص داخل أي ثقافة إلا الأشتغال من داخلها , و محاولته إبداع مفاهيم جديدة و تشكيل الثقافة بشكل مختلف تأتي بعد مرحلة كان فيها النص منتَج لهذه الثقافة نفسها , لذا ففهم النص ممكن عقليا حيث لا معاني مفارقة في النص , فبمجرد نطق محمد بالقران تموضع بشريا و أصبح خاضع للفهم العقلي عن طريق مجادلة سياق نزوله مع سياقه الداخلي "تطويره للدلالات" مع سياق القاريء ,تمكن نصرعن طريق هذه الرؤية أن يعيد تفسير عدة أمور (منها وجود الحسد و السحر و الجن و التصور الملكي لله في القران) باعتبارها تصورات متعلقة بالثقافة التي تشكل فيها القرآن , و لأن اللغة ليست مجرد كلمات تشير إلي أشياء كما كانت في التصور الكلاسيكي قبل سوسير الذي جعل العلاقة بين اللغة و العالم محكومة بأفق المفاهيم و التصورات الذهنية الثقافية التي تشكل العالم الخارجي بطريقة معينة وفق كل ثقافة ,و بهذا فإن عربية القرآن لا تعني مجرد عروبة مفرداته بل يعني عروبة تصوراته للعالم و ان تطوير هذه التطورات يتم من داخلها و في حدود لا تسمح بالقطع التام معها , و هذا المنهج الذي استخدمه نصر و الذي يعتبر خروج عن القراءة القديمة للقرآن و التي كتب لها السيادة و هي قراءته كنص لغوي مفارق لواقعه التاريخي , مكن نصر من تجاوز ثنائيات مثل المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ و قطعي الدلالة و ظاهرها , حيث هذه الثنائيات نتاج التعامل مع النص كمعطى نهائي متكون خارج الثقافة منقطع الصلة بها أي التعامل مع النص كسلطة, و رغم أن السقف الذي حدده نصر لمشروعه هو فقط التحرر من سلطة النصوص أو التعامل معها كسلطة دون الدخول في جدال حول قضايا لاهوتية إلا أن ثراء المنهج يجعله مؤذن بتثوير الدين ليس في بنيته التشريعية فقط بل حتى داخل بنيته العقائدية نفسها .
و لم يكن ممكنا لنصر أن يحكم الدائرة حول منهج التعامل مع النص كسلطة بمجرد بيان منهجه الجديد و تطبيقه و إظهار نتائجه ,بل كان عليه أن يدخل في حوار مع المنهج السائد نفسه , و هو ما فعله في كتابه "نقد الخطاب الديني " مستخدما آليات تحليل الخطاب و موضحا بشرية المنطلقات و الآليات الذهنية لهذا المنهج السائد بل و الاغراض الايدلوجية لمروجيه المعاصرين, و في كتابه "الامام الشافعي و تأسيس الايدولوجي الوسطي" يذهب نصر لأبعد جذر لهذا المنهج , مع الإمام الشافعي الذي أسس لهذه الطريقة في كتابه الرسالة و نزع النص عن سياقه التاريخي أي رفعه فوق العقل, فضلا عن تأسيسه حجية السنة وحصر الاجتهاد في القياس على النص , و بهذا تأسس العقل التابع , قام نصر بالحوار مع الشافعي و من مدخل ألسني أيضا فرسالة الإمام هي رسالة في البيان و القاعدة المحورية هي أن اللغة العربية متسعة بحيث لا يستطيع الإحاطة بها إلا نبي أي أنها فوق بشرية و هذه القاعدة التي تبرر للإمام القول بشمول القرآن لكل النوازل سواء بالنص او بالقياس عليه أي بتابعية الواقع للنص هي في صلب الألسنيات , أي أن مدخل نصر للتشريع الفقهي هو الاستخدام اللغوي من قبل الفقيه , بمعنى أن منهج نصر لو طبق على النص فقط لما استطاع إثبات تاريخية التشريع برغم قدرته على إثبات تاريخية العقائد , فقضية التشريع تتطلب الاتجاه لدراسة المجتمع و ظهور التشريعات فيه أي إلي شيء خارج عن منهج الألسنيات , لكن ما مكن نصر من هذا هو كون الفقه في رغبته نفي السياق الواقعي للنص و للنشريع بالذات لم يفعل سوى نزع اللغة عن واقعها , لذا يصبح اختراق بنية الفقه التقليدي و رد النص لواقعه رهين بتأسيس ألسني جديد . يضع اللغة في التاريخ و هو حلم طه حسين القديم في كتابه "في الشعر الجاهلي".
هذا المدخل الإجتماعي نجده عند ياسين , ففي محاولته الاقتراب من الظاهرة الدينية يفرق تفريق أصلي بين الدين و التدين , الأول مطلق و هو الله و الأخلاق الكلية فقط و الثاني متغير بحكم وجود الاجتماع في قلبه و هو التشريع و الطقوس, و حضور الاجتماع في التدين لا يتعلق فقط بمرحلة ما بعد إغلاق النص لكنه أيضا يتعلق بمرحلة تشكل النص نفسه , حيث يقوم الوحي المفارق عند دخوله بنية الإجتماع بتفضيل خيارات تشريعية و طقوسية محددة , و مرارا يؤكد ياسين على كون الواقع الإجتماعي نفسه مصدر تشريع حيث لا مجتمع دون عرف أو تشريع , و أن النص بعد هذا يقوم بالتقرير أو التعديل الجزئي لكنه لا ينشيء الاحكام إبتداء, , بهذه القاعدة الإجتماعية التي يقررها ياسين و يطبقها على عدد كبير من الأمثلة في كتابه , يفقد النص المؤسس نفسه صفات التشريع الأبدي و هي الإبتدائية و التجريد و الشمول_و تصبح تشريعاته خاصة بزمانه و مكانه _ و هو ما لا يعطيه ياسين سوى للقانون الأخلاقي فقط , و تظهر محاولة الشافعي تأسيس حجية السنة و حصر النص في بنيته اللغوية , و ثنائيات الناسخ و المنسوخ , و كثير من التقنيات الفقهية و التفسيرية الأخرى كمحاولة في التعمية على هذا المصدر الإجتماعي للتشريع , و إضفاء الأطلاقية على خيارات محلية و زمنية معينة , خيارات قراءتها من عقل حالي يعيدنا على حد تعبيره لسياقات أنثروبولوجية بعيدة جدا !!
و لو أردنا ذكر مثال لمحاولات التعمية هذه سنذكر مفهوم السنة عند الشافعي, وفقا لياسين لم يكن مصطلح السنة قبل الشافعي يعني سنة الرسول بل كان يعني ما جرى عليه العمل و يدخل فيه العرف و عمل الصحابة و عمل أهل المدينة , و ما فعله الشافعي هو قصر المفهوم على الرسول ثم إعطائه حجية للتشريع للمستقبل أو إضفاء الإطلاقية عليه , و بذا كان تأسيسه هذا في مواجهة العرف و مواجهة أيضا الرأي عن طريق توسيع إطار النصوص و اضفاء الإطلاقية على تشريعاتها و التعمية على كونها هي نفسها كانت عرفا لمجتمع معين .(1)
و يصبح البحث عن الأسباب الواقعية وراء تأسيس هذا الخطاب مع الشافعي فقهيا وتأسيسه عقائديا عند الأشعري و الغزالي و الأسباب وراء سيادته مطلب معرفي هام في إطار تجاوز هذا الفكر الذي يصر على نفي وجود الواقع مبتدئا بنفي وجوده في الدين (النص , العقائد , الشرائع , الخ ),و هذا ما يقوم به علي مبروك حيث يبحث في ما وراء تأسيس الأصول عن الجذور الثقافية لهذه الطريقة في التعامل مع الدين و النصوص بخاصة , حيث يرى أن الثقافة بمعناها الانثروبولوجي السابق على وجود الثقافة المكتوبة مع الإسلام , هي التي وجهت هذه الأخيرة وجهة معينة , و هي وجهة الإتباعية , فلم تصر الثقافة الإسلامية إتباعية لكون القرآن فرض نفسه داخلها كأصل للإتباع , بل إن الثقافة السابقة على القرآن هي التي وضعته على هذه الصورة .
و في إطار ضرب هذه المخايلة بالتعالي من علم العقائد يقوم مبروك بإرجاع العقائد لسياقاتها التاريخية حتى يكشف الدوافع السياسية و القبلية بل و النفسية التي تتخفى وراءها , و تتخفى وراء سيادة خطاب معين منها هو الخطاب الأشعري الذي يخايل بأحقيته المطلقة ممثلا للعقائد الإيمانية , في حين سيادته تعود لكونه يحفي وراء تكريس سلطة الأصل معرفيا , تكريس سلطة السياسي , و حيث الأصل منبت الصلة بالواقع الذي لا يتقوم ذاتيا بل يكون نهبا للإرادة الإلهية الغير متحددة بالعلم و الحكمة,قناع لوجه السلطان الذي يوجد مع تخلف شروط وجوده و لا يوجد راد لقضائه.
و وفقا لما تسفر عنه محاولات تطبيق المناهج الحديثة على الظاهرة الدينية أو على النصوص بالأخص والتي ذكرنا بعضا من أوجهها تصبح المقاومة التي يبديها الفكر السائد لهذه القراءة مقاومة مفهومة , و أنها مهما حاولت التذرع بكون منبعها الرئيسي كون هذه المناهج غربية (2) و كون مقاومتهم لها هي مقاومة للإستلاب الفكري أو للتقليد أو للتبعية, نستطيع اكتشاف بوضوح منبعها الحقيقي الذي يتمثل في كون هذه العلوم بسبب اتخاذها الواقع نقطة انطلاق تختلف جذريا مع بنية هذا الفكر السائد الذي يعمل على نفي هذا الواقع عن إطار الرؤية و إلحاقه بما هو خارج عنه, و محاولة تجاوز هذه الطريقة في التفكير داخل إطار الدين ذاته باعتباره الميدان المركزي لتطبيق هذا الفكر , معناه تهديد الهالة المقدسة التي يضفيها هذا الفكر على نفسه بزعم ارتباطه بالدين , و فتح الطريق لتأسيس فكر جديد يحرر الدين و العقل و الواقع .(3)
وفي الحقيقة ظن هذا الفكر السائد بكونه قادر على تحريرنا من التبعية يظل أقرب إلي الوهم ! , حيث أن بنيته التي تحدثنا عنها و عن استهداف تطبيق المناهج الحديثة على الدين و النصوص بالأخص لها هي التي تنتج هذه التبعية , فكما ذكرنا أن نفي كون الواقع جزء من الدين و من النص معناه إنكار القوانين والنظر للعالم من خارجه , و رفع النص من التاريخ ليصبح سلطة فوقه يجعل العقل غير قادر على فهمه بل عليه أن يخضع له كتابع , و حين تتأسس التبعية يصبح المتبوع شيء ثانوي , فلا فرق أن يكون القرآن أو التراث أو الغرب , و بالتالي يصبح الجدل حول المتبوع إما جهل بأن جوهر الفكرة أهم من تمظهراتها , أو محاولة للتعمية على تمركز التبعية داخل هذا الفكر نفسه ,و تجاوز جوهر فكرة التبعية لا يكون إلا برد هذا الفكر لظروف نشأته و أسباب سيادته الواقعية , و إفساح الطريق لقراءة الدين قراءة جديدة تحرره كما تفعل القراءات الجديدة التي أتينا على بعض عناصرها .
قراءة ضد الأبوية
___________
و بذلك تصبح هذه القراءة الجديدة بداية و شرط تأسيس العقل النقدي الإبداعي بديلا لعقل الإتباع , و كون الدخول في حوار مع الفكر السائد عن طريق تفهم منطلقاته و أساسيته سواء في صورته الحالية أو في جذوره التراثية معبر عن عقلية هذه القراءة التي تبدأ من الواقع فإن هذا يجعلها القادرة على إحلال قيم الحوار بديلا عن قيم الفرض القسري من الخارج , كل هذا يجعلها قراءة ضد الأبوية بكل صورها , حيث تجرد السياسي المستبد و المرشد الديني و النخب المتعالية من أسلحتها (و خصوصا عدم محاولة تفهم الواقع و شروطه و إماكاناته كبداية لتغييره , و ممارسة الوصاية و احتقار الآخر و الناس و تجريدهم من دورهم في التغيير بحيث ترى التغيير دوما من خارجهم لإنهم جهال أو عبيد إلي آخر قائمة الأوصاف التي تعني في مجملها أو تنعي فشل المثقف ) و بذلك تصبح قراءة غرضها تحرير الذات و ليس تفريغها من قوامها كما يردد التيار السائد (4)
و دراسة علم العقائد دراسة ترده لسياقه التاريخي الواقعي , و دراسة العقائد بقراءة النص من مدخل ألسني , أو الإشارة إلي تأثير الإجتماع في صياغة اللاهوت بصورة معينة , كل هذا يعد بداية لمحاولة وضع اللاهوت نفسه موضع الدراسة , و طرح أسئلة عن الوحي و النبوة و عن التعددية الدين و عن الصورة التي نتصورها عن الذات الإلهية,و لا شك أن كل المداخل التي ذكرناها بالأعلى تتماس كثيرا مع أرض اللاهوت و تطرح أسئلة مثل هذه بحكم تداخل عناصر الدين كلها , فمثلا قضية التعددية الدينية يتم طرحها من خلال التعامل مع الآيات الخاصة بالحض على الابتداء بقتال الكفار و أهل الكتاب , فنجد أنه من مدخل ألسني يرى نصر أن هذه الآيات في معرض النظر للقرآن كخطاب و ليس نص تصبح آيات تهديدية ليس الغرض منها التشريع , و من مدخل اجتماعي نجد عبد الجواد ياسين يرى هذه الآيات دليل على حضور الواقع في بنية التشريع , و يطبق عليها فكرته القائلة بأن حضور الواقع كجزء من التشريع يجعله فاقد لأحقية التشريع لللمستقبل بل يحصره في إطاره الزماني و المكاني , هذه القضية المثارة هنا و هي وجوب قتال المخالفين (5) تظل رغم هذه المحاولات محتاجة لمنظور يتجاوز التعامل الألسني أو الإجتماعي لتعامل يطرح السؤال نفسه من مدخل لاهوتي و هذا يذهب بنا فورا للبحث في النبوة و الوحي و أحقية دين واحد بتحقيق الخلاص , و البحث في النبوة و الوحي و قضايا اللاهوت هو ذاته متداخل مع القضايا التي يطرحها التعامل الألسني مع النصوص و التعامل الإجتماعي مع الدين الهادفين إلي موضعة الواقع المنسي في بنية الدين و نصه المؤسس لتحرير الدين و الواقع و العقل , حيث أن الفكر السائد حين قام بمحاولة نفي آثار هذا الواقع في الدين لابد قام بإعادة صياغة قضايا اللاهوت بصورة تأطلق ما هو واقعي داخلها , لذا فمحاولة التحرير هذه لن تتم إلا بإخضاع القضايا اللاهوتية نفسها لقراءة جديدة. .______________________________________
(1) هذه المقاربة تشير إلي قضية فكرية هامة تحدث عنها البعض و هي قدرة الخطاب السائد أن يخترق الخطابات الأخرى المناوئة له , نحن حتى الآن نقرأ مالك و أبا حنيفة من منظور الشافعي , أي من منظور الخطاب السائد , فنحن نقسم المذاهب لمذاهب رأي و مذاهب رواية أو رأي و نص , ثم نقول أن الشافعي إما عند البعض توسط أو عند آخرين انحاز لخطاب الراوية أو النص أو السنة بالتحديد , نقول كل هذا في حين أن التقسيمة نفسها لم توجد قبل الشافعي , فمالك و أبو حنيفة لم يميلا للرأي في مواجهة السنة أو العكس , حيث السنة بمفهوم الشافعي لم تكن موجودة , بل كانت داخلة في إطار العرف الواسع و لم يكن لها الإطلاقية و الحجية التي أكسبها لها الشافعي , هنا يصبح تقديم عمل أهل المدينة أو عمل بعض الصحابة أو حتى الرأي عند أبي حنيفة هو اجتهاد طبيعي في غياب مصدر له الشمول التام و الابتداء و التجريد و هي الصفات التي أضفاها الشافعي على القرآن و عمل الرسول,لذا فالنظر لمشروع الشافعي بإعتباره إعادة بناء لهيكل الدين بفعل الإجتماع كما يقول ياسين مهم جدا , حيث يجعلنا نقرأ خطاب الشافعي باعتباره تأسيس جديد و ليس بإعتباره الإطار الطبيعي الذي يتم من خلاله تقييم بقية الخطابات , و هو الناتج عن سيطرة هذا الخطاب و اختراقه لخطابات الأخرى و تحميها بحمولة معجمه المفاهيمي .
(2)نحن نجد أحيانا إحتفاء ببعض المناهج الغربية إذا توافقت و لو في ظاهرها مع مسلماتنا أو أحلامنا , نذكر بالأخص مناهج النسبوية العلمية التي يتم استخدامها لإثبات تهتافت موضوعية العلم و كشف البنى الاجتماعية و السياسية التي تعمل من تحته لتقليل الثقة فيه كمنهج للعلم بالواقع , و أحيانا لتمرير سلطة النص , في حين هذه المناهج نفسها يرفض استخدامها مع الفقه والخطاب الديني السائد . هذا يعني أن العلة ليست "الغربية" بل العلة هي قدرة المنهج على تعزيز رؤى خاصة بنا , أي قدرته على إثبات ما نعتقد , و هنا يستخدم المناهج الحديثة بنفس الطريقة التي خرجت عليها و هي التفكير الدائري الذي ينتهي لنقطة بدايته و لا يكتشف جديد!!
(3) و هذا الفكر الجديد هو تحرير للمثقف أيضا , فكما يرى إدوارد سعيد في كتابه "المثقف و السلطة" أن احتفاظ المثقف بحساسيته النقدية تجاه سلطة المؤسسات أو الأفكار مرهون بنظرته للوقائع المحيطة و الأنساق الفكرية باعتبارها نتاج لخيارات تاريخية تتخذ داخل هذا العالم الذي تحكمه قوانينه الخاصة , أي مرهون بالنظرة الواقعية لا الخارج واقعية للأشياء .
(4)يرى البعض و على رأسهم برهان غليون أن التعامل النقدي مع الدين لم يحقق في واقعنا ما حققه في الغرب , حيث لم يحرر العقل من سيطرة سلطة خارجة عنه و لم يجرد المستبدين من اسلحتهم _كان الإقطاع و الكنيسة في الغرب يستندون في سيطرتهم على التراث اللاهوتي _, بقدر ما أخضع العقل لسلطة جديدة تمثلها أفكار الحداثة كمطلق خارج التاريخ , و ربما هذا صحيح في حالة التعامل الجذري الذي تعامل به البعض في بداية عصر النهضة , لكنه قطعا يختلف عن القراءة الجديدة التي توضح هذه السطور بعض آفاقها.
(5) هناك طبعا من يحاول في معرض حديثه عن سماحة الإسلام أن يذكر الآيات الخاصة بأحقية الآخر في اختيار دينه , و في الحقيقة هذا لا يحل المشكلة بل يعقدها , فالتعامل مع القرآن كنص مكتمل يتطلب منا إعتبار أحد هذه الآيات في مرتبة أعلى من الآيات الأخرى , و هذا يتم عن طريق القول بالنسخ الذي للأسف جعله أغلب الفقهاء لآيات التسامح و ليس لآيات السيف , لذا يصعب الحديث عن قبول التعددية الدينية إلا بقبول كون الإلزام الأخلاقي النابع من العقل مصدر الأخلاق الوحيد , و هو ما رفضه الخطاب السائد بشدة في نفيه قدرة العقل على التحسين و التقبيح قبل النص .