الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

قراءة الدين بواسطة المناهج الحديثة

في بداية التعرف على العلوم الحديثة كانت هناك محاولة لاستيعاب تلك العلوم من عدد من مشايخ الأزهر مثل حسن العطار , لكن في هذه الفترة كانت العلوم المشار إليها في معظمها علوم إجرائية , و ليس نظريات علمية , لذا كان من السهل نسبيا إضافتها _أو هكذا خيل للعطار _إلي حصيلة العلوم التقليدية داخل الأزهر دون توقع حدوث أي صراع ,لكن الانفتاح على النظريات العملية خصوصا نظرية التطور كان مؤذنا بتغير علاقة الدين بالعلم داخل خطاب الإصلاح نفسه الذي نظر للإسلام بإعتباره يحوي كل عناصر المدنية و في مقدمتها العلم , حيث أصبح العلم هذه المرة في مواجهة بعض المسلمات العقدية , فتم النظر بتوجس للنظريات العلمية  , و اتجه الخطاب اكثر ناحية صيانة العقيدة كما نرى عند الأفغاني في الرد على الدهريين أو في ردود حسين الجسر على نظرية التطور , خصوصا عند قيام عدد من رواد العلمانية الجذرية بتوظيف نظرية التطور كبديل للرؤية الدينية و إيذانا بإنتهائها , أما المنعطف الثالث الذي أخذته العلاقة في اتجاه الصراع حدث عندما تم تطبيق المناهج الحديثة على بعض المسلمات التي يتبناها الخطاب الديني السائد باعتبارها حقائق أزلية , مثل تطبيق علي عبد الرازق منهجه الوضعي (بالمعنى الواسع للوضعية أي بدراسة الخلافة وفقا للواقع المحسوس و ما يشهد به العقل و التاريخ و ليس دراسة لاهوتية ) على تاريخ الخلافة , و تطبيق طه حسين المنهج الديكارتي على الشعر الجاهلي , و التطرق لبعض القضايا التي تتعلق بالنص مثل قضية الأحرف السبعة , و قضية الحقيقة التاريخية للقصص القرآني , و تطبيق المنهج الوضعي  كإمتداد للرؤية التجريبية التي أرساها بيكون و المنهج الديكارتي عبد الرازق و العميد يعني محاولة استعياب أساس النظرة العلمية الحديثة في رافديها الكبيرين تجاوزا لمجرد استيراد علوم تطبيقية تظل عصية على التجذر في مجتمعنا لغياب جذورها, لذا كان هذا التطبيق إيذانا بإشتعال المعركة بين العلم بمعناه العميق و بين الدين في خطابه السائد , حيث برهن هذه الخطاب على عدم قدرته تقبل شيء من العلم غير ثماره فقط .
أما إذا امتد الأمر لجوهر العلم نفسه عجزت بنية هذا الخطاب عن تقبله لأن تقبله معناه التخلص من هذه البنية نفسها كما سيتبين عبر السطور القادمة!!

العلم يدرس الدين

________________
كانت هذه المحاولات هي بداية تناول الدين  (العقائد , التشريع , طبيعة النصوص الدينية , بعض المسائل التاريخية التي يضفي عليها الخطاب السائد قداسة خاصة مثل الخلافة ..._كلما تكررت كلمة الدين في السطور القادمة فهي تعني ما وضعناه هنا بين الأقواس  _ ) بالبحث و هو ما لم يحدث في بداية التعرف على العلم كما ذكرنا , و لم يكن للتعامل الجذري الذي أظهره مثلا اسماعيل مظهر و الزهاوي أن يجد تأثير كبير , حيث لم يكن الأمر دراسة للدين على ضوء المناهج الحديثة بقدر ما تعلق الأمر بالتخلص من الدين تماما و العمل من خارجه و هذا يعني أن هذه الطريقة في التفكير التي تبدو علمية ظلت في واقعنا غير علمية حيث عملت دوما على فرض نماذجها دون فهم الواقع أولا أي أنها كررت ما تعتبره عيب التيار السائد الرئيسي و هو تغييب الواقع, أما محاولات طه حسين و علي عبد الرازق فلم تدخل في حوار مع الفكر السائد أولا , بل قامت بتطبيق منهج حديث دون تجاوز القديم بما يعني العمل من خارج الواقع و فوق سطحه أيضا ,  هذا و ذاك ربما جعل الخطاب السائد أقوى لدرجة أنه فرض بنيته التي لا يمكنها الاتفاق مع العلم إلي جوار العقلية العلمية في عقل طه حسين و استمر الأمر إلي صورة من أعلى صور الجمع بين البنيتين على يد رائد لمنهج علمي شديد الإفراط في نزعته التجريبية و هو زكي نجيب محمود.

 الفلسفة الوضعية المنطقية هي أحد التطورات للمنهج التجريبي الذي بدأ مع بيكون , تجعل العبارة العلمية التي تشير إلي واقع تجريبي وحدها عبارة لها معنى , أما ما عداها فلك أن ترميها في النار على حد قول هيوم , أو تأخذ برخصة من إمام الوضعية المنطقية في مصر زكي نجيب بأن تتسلى بها في أوقات الفراغ , و برغم خطورة الوضعية المنطقية على الميافيزيقا عموما حيث تقصر الحقيقة على العالم التجريبي , فإن رائدها زكي نجيب توصل إلي نوع من أنواع التوفيق بينها و بين الدين في خطابه السائدة , قام هذا التوفيق على صيانة مساحة الوجدان ليشغلها الدين , قاصرا الوضعية على العقل , وجدان , دين , اصالة \عقل , علم , معاصرة , فالإنسان ليس مجرد عقل بل عقل و وجدان و لو عدنا للإسلام لوجدناه عقل و وجدان , إيمان وجداني بالقران ثم عقل لهذا القرآن , هنا ينقسم العقل بوضوح لعقل في دائرة الدين و عقل خارجها , العقل خارجها وضعي يبدأ من العالم , في حين العقل في الدين نصي ينزع النص عن الواقع , عقل أشعري مع النص يخفف من غرور العقل المعتزلي الذي ينشد الحرية خارج حدود النص, و هذه الطريقة التي يقوم بها زكي نجيب محمود تعالج الموقف المتأزم السابق الذكر و هو تطبيق المناهج الحديثة على الدين , فهنا نحن نقبل بالمناهج الحديثة لكن خارج إطار الدين تماما ,  عدم واقعية هذا الطرح كشفت عنه كتابات العملاق نفسه , حيث تنبه لعناصر معينة في العقيدة الأشعرية السائدة لا يمكن لها الاستمرار مع العقلية العلمية التي ينادي بها بل يهدد بالقضاء عليها مثل فكرة نفي السببية عند الغزالي فقام برفضها و قبل الباقي , و لم ينتبه لكون العقيدة علم متناسق بحيث لا يمكن داخل مذهب عقدي أن تختار و تنتقي فكل عنصر مرتبط بالبقية ,

وبالتالي فهذه المحاولة أقرب للتلفيق منها للتوفيق و مليئة بتناقضات داخلية تعيدنا مرة أخرى لنقطة البدء , و هي مقاومة الخطاب الديني السائد للمناهج الحديثة لإن قبولها يعني تجاوز بنيته نفسها . فالمناهج الحديثة تضع الواقع في مركز الرؤية و تفسره من داخله لا من خارجه , و هذا تماما عكس الدين في خطابه السائد الذي يصر على تفسير الواقع ميتافيزيقا , و يصر على نفي أثار الواقع داخل بنية الدين نفسه .

تحرير الواقع

__________

 من اشهر المحاولات في السنوات الاخيرة لتطبيق المناهج الحديثة على الدين , كان تطبيق منهج الالسنيات على النص مع نصر ابو زيد ,يرى نصر أن المصدر المفارق للنص لا يعني امتناع تطبيق المناهج الحديثة عليه , فهو في النهاية نص لغوي عربي , و لا يمكن لأي نص داخل أي ثقافة إلا الأشتغال من داخلها , و محاولته إبداع مفاهيم جديدة و تشكيل الثقافة بشكل مختلف تأتي بعد مرحلة كان فيها النص منتَج لهذه الثقافة نفسها , لذا ففهم النص ممكن عقليا حيث لا معاني مفارقة في النص , فبمجرد نطق محمد بالقران تموضع بشريا و أصبح خاضع للفهم العقلي عن طريق مجادلة سياق نزوله مع سياقه الداخلي "تطويره للدلالات" مع سياق القاريء ,تمكن نصرعن طريق هذه الرؤية أن يعيد تفسير عدة أمور (منها وجود الحسد و السحر و الجن و التصور الملكي لله في القران) باعتبارها تصورات متعلقة بالثقافة التي تشكل فيها القرآن   , و لأن اللغة ليست مجرد كلمات تشير إلي أشياء كما كانت في التصور الكلاسيكي قبل سوسير الذي جعل العلاقة بين اللغة و العالم محكومة بأفق المفاهيم و التصورات الذهنية الثقافية التي تشكل العالم الخارجي بطريقة معينة وفق كل ثقافة ,و بهذا  فإن عربية القرآن لا تعني مجرد  عروبة مفرداته بل يعني عروبة تصوراته للعالم و ان تطوير هذه التطورات يتم من داخلها و في حدود لا تسمح بالقطع التام معها , و هذا المنهج الذي استخدمه نصر و الذي يعتبر خروج عن القراءة القديمة للقرآن و التي كتب لها السيادة و هي قراءته كنص لغوي مفارق لواقعه التاريخي , مكن نصر من تجاوز ثنائيات مثل المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ و قطعي الدلالة و ظاهرها , حيث هذه الثنائيات نتاج التعامل مع النص كمعطى نهائي متكون خارج الثقافة منقطع الصلة بها أي التعامل مع النص كسلطة, و رغم أن السقف الذي حدده نصر لمشروعه هو فقط التحرر من سلطة النصوص أو التعامل معها كسلطة دون الدخول في جدال حول قضايا لاهوتية إلا أن ثراء المنهج يجعله مؤذن بتثوير الدين ليس في بنيته التشريعية فقط بل حتى داخل بنيته العقائدية نفسها .

 و لم يكن ممكنا لنصر أن يحكم الدائرة حول منهج التعامل مع النص كسلطة بمجرد بيان منهجه الجديد و تطبيقه و إظهار نتائجه ,بل  كان عليه أن يدخل في حوار مع المنهج السائد نفسه , و هو ما فعله في كتابه "نقد الخطاب الديني " مستخدما آليات تحليل الخطاب و موضحا بشرية المنطلقات و الآليات الذهنية لهذا المنهج السائد بل و الاغراض الايدلوجية لمروجيه المعاصرين, و في كتابه "الامام الشافعي و تأسيس الايدولوجي الوسطي" يذهب نصر لأبعد جذر لهذا المنهج , مع الإمام الشافعي   الذي أسس لهذه الطريقة  في كتابه الرسالة و نزع النص عن سياقه التاريخي أي رفعه فوق العقل, فضلا عن تأسيسه حجية السنة وحصر الاجتهاد في القياس على النص , و بهذا تأسس العقل التابع , قام نصر بالحوار مع الشافعي  و من مدخل ألسني أيضا فرسالة الإمام هي رسالة في البيان و القاعدة المحورية هي أن اللغة العربية متسعة بحيث لا يستطيع الإحاطة بها إلا نبي أي أنها فوق بشرية و هذه القاعدة التي تبرر للإمام القول بشمول القرآن لكل النوازل سواء بالنص او بالقياس عليه أي بتابعية الواقع للنص هي في صلب الألسنيات , أي أن مدخل نصر للتشريع الفقهي هو الاستخدام اللغوي من قبل الفقيه  , بمعنى أن منهج نصر لو طبق على النص فقط لما استطاع إثبات تاريخية التشريع برغم قدرته على إثبات تاريخية العقائد , فقضية التشريع تتطلب الاتجاه لدراسة المجتمع و ظهور التشريعات فيه أي إلي شيء خارج عن منهج الألسنيات , لكن ما مكن نصر من هذا هو كون الفقه في رغبته نفي السياق الواقعي للنص و للنشريع بالذات لم  يفعل سوى نزع اللغة عن واقعها , لذا يصبح اختراق بنية الفقه التقليدي و رد النص لواقعه رهين بتأسيس ألسني جديد . يضع اللغة في التاريخ و هو حلم طه حسين القديم في كتابه "في الشعر الجاهلي".

 هذا المدخل الإجتماعي نجده عند ياسين , ففي محاولته الاقتراب من الظاهرة الدينية يفرق تفريق أصلي بين الدين و التدين , الأول مطلق و هو الله و الأخلاق الكلية فقط و الثاني متغير بحكم وجود الاجتماع في قلبه و هو التشريع و الطقوس, و حضور الاجتماع في التدين لا يتعلق فقط بمرحلة ما بعد إغلاق النص لكنه أيضا يتعلق بمرحلة تشكل النص نفسه , حيث  يقوم الوحي المفارق عند دخوله بنية الإجتماع بتفضيل خيارات تشريعية و طقوسية محددة , و مرارا يؤكد ياسين على كون الواقع الإجتماعي نفسه مصدر تشريع حيث لا مجتمع دون عرف أو تشريع , و أن النص بعد هذا يقوم بالتقرير أو التعديل الجزئي لكنه لا ينشيء الاحكام إبتداء, , بهذه القاعدة الإجتماعية التي يقررها ياسين و يطبقها على عدد كبير من الأمثلة في كتابه , يفقد النص المؤسس نفسه صفات التشريع الأبدي و هي الإبتدائية و التجريد و الشمول_و تصبح تشريعاته خاصة بزمانه و مكانه  _ و هو ما لا يعطيه ياسين سوى للقانون الأخلاقي فقط  , و تظهر محاولة الشافعي تأسيس حجية السنة و حصر النص في بنيته اللغوية , و ثنائيات الناسخ و المنسوخ , و كثير من التقنيات الفقهية و التفسيرية الأخرى كمحاولة في التعمية على هذا المصدر الإجتماعي للتشريع , و إضفاء الأطلاقية على خيارات محلية و زمنية معينة , خيارات قراءتها من عقل حالي يعيدنا على حد تعبيره لسياقات أنثروبولوجية بعيدة جدا !!

و لو أردنا ذكر مثال لمحاولات التعمية هذه سنذكر مفهوم السنة عند الشافعي, وفقا لياسين لم يكن مصطلح السنة قبل الشافعي يعني سنة الرسول بل كان يعني ما جرى عليه العمل و يدخل فيه العرف و عمل الصحابة و عمل أهل المدينة , و ما فعله الشافعي هو قصر المفهوم على الرسول ثم إعطائه حجية للتشريع للمستقبل أو إضفاء الإطلاقية عليه , و بذا كان تأسيسه هذا في مواجهة العرف و مواجهة أيضا الرأي عن طريق توسيع إطار النصوص و اضفاء الإطلاقية على تشريعاتها و التعمية على كونها هي نفسها كانت عرفا لمجتمع معين .(1)
و يصبح البحث عن الأسباب الواقعية وراء تأسيس هذا الخطاب مع الشافعي فقهيا وتأسيسه عقائديا عند الأشعري و الغزالي و الأسباب وراء سيادته مطلب معرفي هام في إطار تجاوز هذا الفكر الذي يصر على نفي وجود الواقع مبتدئا بنفي وجوده في الدين (النص , العقائد , الشرائع , الخ ),و هذا ما يقوم به علي مبروك حيث يبحث في ما وراء تأسيس الأصول عن الجذور الثقافية لهذه الطريقة في التعامل مع الدين و النصوص بخاصة , حيث يرى أن الثقافة بمعناها الانثروبولوجي السابق على وجود الثقافة المكتوبة مع الإسلام , هي التي وجهت هذه الأخيرة وجهة معينة , و هي وجهة الإتباعية , فلم تصر الثقافة الإسلامية إتباعية لكون القرآن فرض نفسه داخلها كأصل للإتباع , بل إن الثقافة السابقة على القرآن هي التي وضعته على هذه الصورة .
و في إطار ضرب هذه المخايلة بالتعالي من علم العقائد يقوم مبروك بإرجاع العقائد لسياقاتها التاريخية حتى يكشف الدوافع السياسية و القبلية بل و النفسية التي تتخفى وراءها , و تتخفى وراء سيادة خطاب معين منها هو الخطاب الأشعري الذي يخايل بأحقيته المطلقة ممثلا للعقائد الإيمانية , في حين سيادته تعود لكونه يحفي وراء تكريس سلطة الأصل معرفيا , تكريس سلطة السياسي , و حيث الأصل منبت الصلة بالواقع الذي لا يتقوم ذاتيا بل يكون نهبا للإرادة الإلهية الغير متحددة بالعلم و الحكمة,قناع لوجه السلطان الذي يوجد مع تخلف شروط وجوده و لا يوجد راد لقضائه.

و وفقا لما تسفر عنه محاولات تطبيق المناهج الحديثة على الظاهرة الدينية أو على النصوص بالأخص والتي ذكرنا بعضا من أوجهها تصبح المقاومة التي يبديها الفكر السائد لهذه القراءة مقاومة مفهومة , و أنها مهما حاولت التذرع بكون منبعها الرئيسي كون هذه المناهج غربية (2) و كون مقاومتهم لها هي مقاومة للإستلاب الفكري أو للتقليد أو للتبعية, نستطيع اكتشاف بوضوح منبعها الحقيقي الذي يتمثل في كون هذه العلوم بسبب اتخاذها الواقع نقطة انطلاق تختلف جذريا مع بنية هذا الفكر السائد الذي يعمل على نفي هذا الواقع عن إطار الرؤية و إلحاقه بما هو خارج عنه, و محاولة تجاوز هذه الطريقة في التفكير داخل إطار الدين ذاته باعتباره الميدان المركزي لتطبيق هذا الفكر , معناه تهديد الهالة المقدسة التي يضفيها هذا الفكر على نفسه بزعم ارتباطه بالدين , و فتح الطريق لتأسيس فكر جديد يحرر الدين و العقل و الواقع .(3)


وفي الحقيقة ظن هذا الفكر السائد بكونه قادر على تحريرنا من التبعية يظل أقرب إلي الوهم ! , حيث أن بنيته التي تحدثنا عنها و عن استهداف تطبيق المناهج الحديثة على الدين و النصوص بالأخص لها هي التي تنتج هذه التبعية , فكما ذكرنا أن نفي كون الواقع جزء من الدين و من النص معناه إنكار القوانين والنظر للعالم من خارجه , و رفع النص من التاريخ ليصبح سلطة فوقه يجعل العقل غير قادر على فهمه بل عليه أن يخضع له كتابع , و حين تتأسس التبعية يصبح المتبوع شيء ثانوي , فلا فرق أن يكون القرآن أو التراث أو الغرب , و بالتالي يصبح الجدل حول المتبوع إما جهل بأن جوهر الفكرة أهم من تمظهراتها , أو محاولة للتعمية على تمركز التبعية داخل هذا الفكر نفسه ,و تجاوز جوهر فكرة التبعية لا يكون إلا برد هذا الفكر لظروف نشأته و أسباب سيادته الواقعية , و إفساح الطريق لقراءة الدين قراءة جديدة تحرره كما تفعل القراءات الجديدة التي أتينا على بعض عناصرها .


قراءة ضد الأبوية

___________
و بذلك  تصبح هذه القراءة الجديدة بداية و شرط تأسيس العقل النقدي الإبداعي بديلا لعقل الإتباع , و كون الدخول في حوار مع الفكر السائد عن طريق تفهم منطلقاته و أساسيته سواء في صورته الحالية أو في جذوره التراثية معبر عن عقلية هذه القراءة التي تبدأ من الواقع  فإن هذا يجعلها القادرة على إحلال قيم الحوار بديلا عن قيم الفرض القسري من الخارج , كل هذا يجعلها قراءة ضد الأبوية بكل صورها , حيث تجرد السياسي المستبد و المرشد الديني و النخب المتعالية من أسلحتها (و خصوصا عدم محاولة تفهم الواقع و شروطه و إماكاناته كبداية لتغييره , و ممارسة الوصاية و احتقار الآخر و الناس و تجريدهم من دورهم في التغيير بحيث ترى التغيير دوما من خارجهم لإنهم جهال أو عبيد إلي آخر قائمة الأوصاف التي تعني في مجملها أو تنعي فشل المثقف )  و بذلك تصبح قراءة غرضها تحرير الذات و ليس تفريغها من قوامها كما يردد التيار السائد (4) 

و دراسة علم العقائد دراسة ترده لسياقه التاريخي الواقعي , و دراسة العقائد بقراءة النص من مدخل ألسني , أو الإشارة إلي تأثير الإجتماع في صياغة اللاهوت بصورة معينة , كل هذا يعد بداية لمحاولة وضع اللاهوت نفسه موضع الدراسة , و طرح أسئلة عن الوحي و النبوة و عن التعددية الدين و عن الصورة التي نتصورها عن الذات الإلهية,و لا شك أن كل المداخل التي ذكرناها بالأعلى تتماس كثيرا مع أرض اللاهوت و تطرح أسئلة مثل هذه بحكم تداخل عناصر الدين كلها , فمثلا قضية التعددية الدينية يتم طرحها من خلال التعامل مع الآيات الخاصة بالحض على الابتداء بقتال الكفار و أهل الكتاب , فنجد أنه من مدخل ألسني يرى نصر أن هذه الآيات في معرض النظر للقرآن كخطاب و ليس نص تصبح آيات تهديدية ليس الغرض منها التشريع , و من مدخل اجتماعي نجد عبد الجواد ياسين يرى هذه الآيات دليل على حضور الواقع في بنية التشريع , و يطبق عليها فكرته القائلة بأن حضور الواقع كجزء من التشريع يجعله فاقد لأحقية التشريع لللمستقبل بل يحصره في إطاره الزماني و المكاني , هذه القضية المثارة هنا و هي وجوب قتال المخالفين (5) تظل رغم هذه المحاولات محتاجة لمنظور يتجاوز التعامل الألسني أو الإجتماعي لتعامل يطرح السؤال نفسه من مدخل لاهوتي و هذا يذهب بنا فورا للبحث في النبوة و الوحي و أحقية دين واحد بتحقيق الخلاص , و البحث في النبوة و الوحي و قضايا اللاهوت هو ذاته متداخل مع القضايا التي يطرحها التعامل الألسني مع النصوص و التعامل الإجتماعي مع الدين الهادفين إلي موضعة الواقع المنسي في بنية الدين و نصه المؤسس لتحرير الدين و الواقع و العقل , حيث أن الفكر السائد حين قام بمحاولة نفي آثار هذا الواقع في الدين لابد قام بإعادة صياغة قضايا اللاهوت بصورة تأطلق ما هو واقعي داخلها , لذا فمحاولة التحرير هذه لن تتم إلا بإخضاع القضايا اللاهوتية نفسها لقراءة جديدة. .______________________________________


(1) هذه المقاربة تشير إلي قضية فكرية هامة تحدث عنها البعض و هي قدرة الخطاب السائد أن يخترق الخطابات الأخرى المناوئة له , نحن حتى الآن نقرأ مالك و أبا حنيفة من منظور الشافعي , أي من منظور الخطاب السائد , فنحن نقسم المذاهب لمذاهب رأي و مذاهب رواية أو رأي و نص , ثم نقول أن الشافعي إما عند البعض توسط أو عند آخرين انحاز لخطاب الراوية أو النص أو السنة بالتحديد , نقول كل هذا في حين أن التقسيمة نفسها لم توجد قبل الشافعي , فمالك و أبو حنيفة لم يميلا للرأي في مواجهة السنة أو العكس , حيث السنة بمفهوم الشافعي لم تكن موجودة , بل كانت داخلة في إطار العرف الواسع و لم يكن لها الإطلاقية و الحجية التي أكسبها لها الشافعي , هنا يصبح تقديم عمل أهل المدينة أو عمل بعض الصحابة أو حتى الرأي عند أبي حنيفة هو اجتهاد طبيعي في غياب مصدر له الشمول التام و الابتداء و التجريد و هي الصفات التي أضفاها الشافعي على القرآن و عمل الرسول,لذا فالنظر لمشروع الشافعي بإعتباره إعادة بناء لهيكل الدين بفعل الإجتماع كما يقول ياسين مهم جدا , حيث يجعلنا نقرأ خطاب الشافعي باعتباره تأسيس جديد و ليس بإعتباره الإطار الطبيعي الذي يتم من خلاله تقييم بقية الخطابات , و هو الناتج عن سيطرة هذا الخطاب و اختراقه لخطابات الأخرى و تحميها بحمولة معجمه المفاهيمي . 

(2)نحن نجد أحيانا إحتفاء ببعض المناهج الغربية إذا توافقت و لو في ظاهرها مع مسلماتنا أو أحلامنا , نذكر بالأخص مناهج النسبوية العلمية التي يتم استخدامها لإثبات تهتافت موضوعية العلم و كشف البنى الاجتماعية و السياسية التي تعمل من تحته لتقليل الثقة فيه كمنهج للعلم بالواقع , و أحيانا لتمرير سلطة النص , في حين هذه المناهج نفسها يرفض استخدامها مع الفقه والخطاب الديني السائد . هذا يعني أن العلة ليست "الغربية" بل العلة هي قدرة المنهج على تعزيز رؤى خاصة بنا , أي قدرته على إثبات ما نعتقد , و هنا يستخدم المناهج الحديثة بنفس الطريقة التي خرجت عليها و هي التفكير الدائري الذي ينتهي لنقطة بدايته  و لا يكتشف جديد!!
(3) و هذا الفكر الجديد هو تحرير للمثقف أيضا , فكما يرى إدوارد سعيد في كتابه "المثقف و السلطة" أن احتفاظ المثقف بحساسيته النقدية تجاه سلطة المؤسسات أو الأفكار مرهون بنظرته للوقائع المحيطة و الأنساق الفكرية باعتبارها نتاج لخيارات تاريخية تتخذ داخل هذا العالم الذي تحكمه قوانينه الخاصة , أي مرهون بالنظرة الواقعية لا الخارج واقعية للأشياء . 
(4)يرى البعض و على رأسهم برهان غليون أن التعامل النقدي مع الدين لم يحقق في واقعنا ما حققه في الغرب , حيث لم يحرر العقل من سيطرة سلطة خارجة عنه و لم يجرد المستبدين من اسلحتهم _كان الإقطاع و الكنيسة في الغرب يستندون في سيطرتهم على التراث اللاهوتي _, بقدر ما أخضع العقل لسلطة جديدة تمثلها أفكار الحداثة كمطلق خارج التاريخ , و ربما هذا صحيح في حالة التعامل الجذري الذي تعامل به البعض في بداية عصر النهضة , لكنه قطعا يختلف عن القراءة الجديدة التي توضح هذه السطور بعض آفاقها.
(5) هناك طبعا من يحاول في معرض حديثه عن سماحة الإسلام أن يذكر الآيات الخاصة بأحقية الآخر في اختيار دينه , و في الحقيقة هذا لا يحل المشكلة بل يعقدها , فالتعامل مع القرآن كنص مكتمل يتطلب منا إعتبار أحد هذه الآيات في مرتبة أعلى من الآيات الأخرى , و هذا يتم عن طريق القول بالنسخ الذي للأسف جعله أغلب الفقهاء لآيات التسامح و ليس لآيات السيف , لذا يصعب الحديث عن قبول التعددية الدينية إلا بقبول كون الإلزام الأخلاقي النابع من العقل مصدر الأخلاق الوحيد , و هو ما رفضه الخطاب السائد بشدة في نفيه قدرة العقل على التحسين و التقبيح قبل النص .

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

صراطات سروش المستقيمة و استرداد الواقع الغائب

هناك من يطلق على الإيراني عبد الكريم سروش لقب نصر أبو زيد إيران , ربما يغري بهذا تشابه فكر نصر و سروش ففكرهما ينتظم داخل إطار العقلانية الدينية , و تناول النص المؤسس "القرآن" وفقا لمنهجيات حديثة يعد قضية مشتركة عند كل منهما , لكن لا شك أن ثمة فروقات عديدة سواء في المنطلقات التي ينطلق منها كل مفكر خصوصا في قضية وظيفة الدين و علاقة الدنيا بالآخرة و الذي يظهر حتى في جانب التراث الذي يستند عليه كل منهما فيستند سروش على التراث العرفاني في حين يستاند نصر على تراث المعتزلة , إلي جانب اختلافات واضحة في الحدود التي يضعها كل منهما لمشروعه الفكري , و كلامنا في هذه العجالة لا يقصد منه أن يكون مقارنة بين فكر نصر و سروش لكن يهمنا أن نحاول فهم الفارق بين الفكر الذي قام عليه مشروع الإصلاح الديني منذ بدأت النهضة الحديثة منذ أكثر من قرن و بين ما يقوم به سروش , و لعل فكر نصر أبو زيد يعد جسرا بين الفكرين , و هدفنا من هذا أن نحاول تبين ما يحمله  فكر سروش من إمكانات نهضوية قد تكون خفية في البداية وراء القضايا ذات المظهر اللاهوتي المسيطرة على مضمونه .

الإصلاح الديني :
___________
"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها " عبارة مالك الشهيرة التي تعد اللافتة الأكبر على مشروع الإصلاح , نضع إلي جانبها جملة الأفغاني "علينا أن نثبت لهم أولا أننا لسنا مسلمون " , و تفريقات محمد عبده المتكررة بين الإسلام الأزلي الذي يتوافق مع العقل و لا يعارضه بل يحفز على استخدامه  و بين إسلام المسلمين الذي قد يعارض هذا فيصبح نصيبه الابتعاد عن صلاح الدنيا و الآخرة , و هو ما يصيغة مصلح الجزائر الأشهر مالك بن نبي على هيئة قانون فالحضارة لا تتكون دون مركبها و مركب الحضارة الذي يجعل عناصر الحضارة تتفاعل هو الفكرة الدينية "الإسلام" و هذا قانون لو تنكرنا له لكنا كمن يتنكر عند بناء جسر لقوانين الفيزياء فينهار الجسر , و الإسلام بطبعه مدني فهو "روح المدنية"(!) و هو الطريق إلي قصر السعادة مسدس الشكل عند الأفغاني و هو دين العلم بل إن نصه المؤسس احتوى من علوم الطبيعة ما لم يتوصل له العقل له بعد "من محمد عبده إلي طنطاوي جوهري" (2), هذا هو جوهر مشروع الإصلاح فهو مشروع يؤمن تماما بقدرة الإسلام على صنع المدنية و الحضارة _بل إنه يستغرب إن وجدها عند غير المسلم _, و يفسر التدهور باعتباره ابتعاد عن هذا الأصل "الإسلام" , و هذا الطريقة في التفكير قطعا ليست وليدة عصر النهضة بل إنها فكرة قائمة طوال عصور الإسلام فكلما حدث التدهور تم تفسيره بابتعاد الناس عن الأصل و بإن الأصل طاله التحريف أو الزيادة أو شوهته أفعال الرجال , و لكن الله يبعث مجددا على رأس كل مائة لتجديده , للعودة به إلي اللحظة الزمانية التي تعد فوق الزمان و هي لحظة الوحي _بل إن طريقة التفكير هذه تجد مشروعيتها في تقديم الإسلام نفسه بإعتباره مجرد عودة للأصل الإبراهيمي الذي تم تحريفه -,  فالعقل المجدد أو المصلح دوما عقل لا يفكر في الأصل فالأصل لا يتم التفكير فيه بل يتم التفكير به , و لا يمكن رده للتاريخ بل يتم تفسير التاريخ من خلاله , لذا فحين يتحدث المجدد عن استخدام العقل الذي يتباهي بإنه لا يخالف تعاليم الإسلام و لا يخالف القرآن , علينا التنيه إلي إن هذا العقل  بطبعه لا يمكنه مخالفة القرآن لإنه يفكر به و تحت سقفه و لا يرده للواقع بل يقرأ الواقع من خلاله , عدم المخالفة هذه تأتي من كون هذا العقل هو عقل بالنص  " و كان الخطاب السلفي و لا يزال ينوه ب "العقل" و يدعو إلي الإحتكام إليه . و لكن أي عقل ؟ إنه العقل الذي يرجع في اشتقاقه إلي عقلت البعير إذا جمعت قوائمه و منعته من الحركة أي من النهوض , و يرجع في أساسه الأخلاقي- الديني إلي : و سمي العقل عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك , أي يحبسه , و يستمد فعاليته و اجرائيته من كونه يعقل عن الله إما بفكر و نظر كما يقول المتكلمون و إما بصيرة و معرفة كما يقول المتصوفة السنيون , إنه في الجملة العقل الأشعري الذي حدده الغزالي تحديدا صريحا واضحا حينما وصفه  بأنه العقل الذي يدل على صدق النبي ثم يعزل نفسه ...
العقل السلفي إذن مكبوح الجماح مردود الشطط لا ينتج العلم بل هو صديق له فقط, يبحث في أسرار الكون و لكن مع احترام الحقائق الثابتة , إنه عقل الماضي . لا بل العقل السني الذي ردع و كبح مسيرة نهضة الماضي التي شيدها المعتزلة و الفلاسفة و العلماء ""
(3)
 فهذا يفسر لماذا لم يستطع هذا الخطاب حتى الآن الوصول لتحقيق نهضة علمية بل عدم قدرته حتى  على تكوين وعي مطابق بالواقع   كما يقول برهان غليون " و بالمثل أدى مفهومها الكلامي للعقل و بناؤه على التأويل إلي الحد من إمكان , تأسيس فلسفة اجتماعية و سياسية , مستقلة و منعتقة عن إسار النص , و مؤسسة عقليا , يمكنها التطور من تلقاء ذاتها و استعياب التجديدات المتواصلة في المجتمع و الفكر دون الحاجة في كل مرة إلي العودة لتبرير نفسها و تأسيس شرعيتها بالنص " (4)

لذا كان لابد من محاولة فهم هذا  العقل نفسه  فليس هناك عقل مطلق بل العقل هو طرائق تفكير و آليات مرتبطة بزمانها و مكانها و قابله للنقد , و هذا هو جوهر مشروع الجابري لنقد العقل العربي فهو نقد لطرائق التفكير التراثية التي نفكر بها و التي لم نتحرر منها بعد , و كذلك هو جوهر مشروع نصر أبو زيد  فالتخلص من سلطة النصوص هو محاولة لنقد طرائق التفكير هذه في تعاملها مع القرآن الكتاب المؤسس لإن سيادة هذه الطرائق في التفكير إلي الآن راجع لتوحيدها مع الكتاب ذاته و عدم تفهم أنها مجرد طريقة للتعامل مع النص  و أنه من الممكن التعامل معه بآليات أخرى تكون أقدر على تحرير إماكاناته"5" , و التخلص من هذه الطريقة التي جمدت النص أي  طريقة التفكير بالأصل هو تخلص من اغتراب العقل عن الواقع  و انتقال لقراءة الواقع ابتداء منه و وفقا لقوانيه الداخلية و ليس عن طريق أفكار تفرض عليه فرضا من خارجه ,

و محاولة نصر تقتصر على الكتاب فقط و على أن كون الكتاب وحيا فهذا لا يجعله فوق التاريخ لإن الكتاب في النهاية بلغة العرب و هي جزء من التاريخ , فواقع العربي و تصوراته الذهنية جزء من بنية الكتاب نفسه و هو ما يجعل الكتاب في مرحلته الأولى نتاج للثقافة ثم يحاول بعد هذا تشكيل هذه الثقافة فيصبح منتج لها (بكسر التاء)  , و تفسير الكتاب لا يمكن أن يتنكر لهذه البديهية و صلاحية الكتاب لكل زمان و مكان لا تكمن في كونه مفارق للتاريخ بل تكمن في قدرة المؤمنين بالكتاب على مجادلة سياقه الداخلي بسياق نزوله بالسياق الحالي , بمعنى أن يكون القاريء جزء من النص كما كان العربي المتنزل عليه النص جزء من بنيته نفسها ,, و هذه المحاولة بتحرير الكتاب من نصيته و رده لسياقه الواقعي هو نقد لفكرة التفكير بالأصل التي قام عليها مشروع الإصلاح نفسه و ثبتها , و بداية لمرحلة التفكير في الكتاب لا بالكتاب (6),
 لكن نصر لا يتعرض لفكرة الوحي نفسها بالتساؤل , بل هو يكتفي بالإشارة في " مفهوم النص " لكون العربي قبل الإسلام يؤمن بإمكان الإتصال بالسماء عن طريق الوسائط و أن هذا يعد الأساس الثقافي لفكرة الوحي الإسلامي بحيث لو تصورنا خلو ثقافة العرب منها لكان استعياب ظاهرة الوحي غير ممكن , و يشير إلي تأكيد القرآن في سياق مجادلته مع قريش على تفريق نفسه عن السحر و الكهانة و الشعر باعتبار الوسيط هنا مع السماء مختلف فهو ليس شيطان يسمع السماء بل هو رسول كريم , ذي قوة عند ذي العرش مكين , و هذه المحاولة من نصر و إن كانت لا تسأل عن الوحي نفسه لكنها أيضا محاولة لوضع الوحي في سياق تاريخي  , و مد هذه المحاولة على استقامتها تؤدي إلي وضع الوحي نفسه موضع تساؤل , إلي جانب الإصرار على كون النص لا يحوي أي فكرة مفارقة و الذي يضع فكرة الملائكة كاملة موضع السؤال و بالتالي يجعل الوحي بين قوسين , و الإصرار على بشرية الرسول في مواجهة محاولة جعله مجرد وعاء للوحي "انظر نقده للشافعي في كتابه تأسيس الايدولوجي الوسطي" ستنتهي إلي كون فكرة الوحي نفسها جزء من تكوين محمد _عليه السلام _ الإجتماعي أي أنها قراءته هو للاتصال مع السماء .لذا فنصر حين  قام بنقد الأساس الفكري لمشروع الإصلاح "التفكير بالأصل " لم يمهد لتعاطي جديد مع إشكالية النهضة فقط بل مهد لتعاطي جديد مع القرآن و الظاهرة الدينية  ..

صراطات سروش
_______________

 من الممكن النظر إلي الإشكال الذي يطرحه كتاب  الصراطات المستقيمة من زاية سؤال قديم في الفقه و الكلام الإسلامي و هو سؤال ما أصل الخلاف ؟
فعلوم الفقه و الكلام تعاملت قديما مع هذا السؤال و حاولت الإجابة عنه , في الفقه رأى البعض أن الخلاف سببه أن النص نفسه حمال أوجه إلي جانب تعدد الوقائع , و هذا جعل قبول الخلاف ممكنا داخل إطار الفروع , لكن في العقائد لم يتم قبول فكرة احتمالية النص لذا أصبح المخالف دوما خارج عن الصراط المستقيم (مبتدع - فاسق - كافر ) , لذا فالطريق الوحيد لقبول الاختلاف في العقائد هو إثبات احتمالية النص أيضا حتى في هذا الجانب (7), و هو ما يقوم به سروش عن طريق توظيف بعض الفلاسفة و خاصة كانط , فوفقا لكانط يظل عالم النومينه عصي على التعبير عنه عن طريق أذهاننا مهما صفت أو لغتنا مهما بلغت من التجريد فالتعددية في التعبير عن الحقيقة حتمية و لا يمكن تجاوزها, هذا في الحقيقة معناه أن النبوة تفقد أحقيتها القديمة في حسم الأسئلة النهائية لأن النبي في النهاية يحدثنا عن الحقيقة الإلهية التي عاينها عن طريق تصوراته التاريخية, و بذا تدخل النبوة في الإطار الواسع لتجارب الإتصال بالله التي هي بعدد نفوس الخلائق , و يصبح الكلام عن صراط واحد شيء غير منطقي , فهي صراطات مستقيمة و ليس صراطا واحدا , يقول سروش "ليس التشيع هو الإسلام الخالص و الحق المحض و لا التسنن و لا المذهب الأشعري يمثل الحق المطلق و لا الاعتزالي , و لا الفقه المالكي , و لا الفقه الجعفري , و لا تفسير الرازي و لا تفسير الطباطبائي , لا الزيدية و لا الوهابية , لا عقيدة المسلمين نقية من الشرك و لا عقيدة المسيحين , إن العالم الدنيوي مليء بالهويات الملوثة و غير الخالصة فلا يوجد حق صريح و خالص من جهة و باطل كثيف و خالص إلي جهة أخرى . و عندما و عندما نذعن لهذه الحقيقة فستكون الكثرة أقرب إلي الهضم و المعقولية ".
يصبح الدين هنا هو التجربة الذاتية الوجودية و ليس نسق العقائد المعرفي , فالتجربة تواصل دائم مع الأزلية في حين نسق العقائد تاريخي .
هذه القراءة التي يقوم بها سروش للوحي و للظاهرة الدينية لا تحقق فقط هدف التعددية الدينية , بل  إنها قراءة تؤكد على أن اللحظة التي كانت تعتبر أصلا خارج التاريخ أصبحت قابلة للتكرار هي نفسها و انتاج مضمون متجاوز للمضمون الذي كان يعد أزليا !! أي أنها انتقال واضح من التفكير بالأصل (التفكير الإتباعي) لتفكير يبدأ بوضع الأصل في الواقع التاريخي من أجل تجاوزه (تفكير إبداعي ) .أضف إلي هذا تكرار سروش في مواضع أخرى أن وظيفة الدين هي الآخرة و ليس الدنيا , مما يجعل الواقع محكوما بالعقل فقط و ليس الوحي حيث أن نتاج الوحي بمجرد التعبير عنه أصبح  تاريخيا كما ذكرنا (8)
لذا فما يتناوله سروش في كتابه الصراطات المستقيمة  ليس مجرد قضايا لاهوتية و إن بدا كذلك , فالتأمل فيها يكشف عن إماكانات حقيقية لتكوين فكر يستطيع مباشرة الواقع الغائب دوما و الذي للأسف لم يستطع خطاب الإصلاح بحكم عقليته التراثية _المقصود التراث السائد طبعا و الا فأفكار سروش كما ذكرنا يسندها تراث عرفاني هائل _التي تستبعد الواقع لمصلحة النص الأزلي و الأصل المفارق إعادته لمركز الرؤية  .
_______________________________________
(1) إسم كتاب لمصطفى الغلاييني أحد رواد الإصلاح
(2) طنطاوي جوهري هو صاحب تفسير الجواهر الذي حول فيه القرآن لموسوعة تحوي كل العلوم الحديثة تقريبا
(3) الجابري..."الخطاب العربي المعاصر..دراسة تحليلة نقدية"
(4)برهان غليون..."الوعي الذاتي"
(5) يشير ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام" لكون التعامل اللغوي مع النص الذي ساد في التراث الإسلامي هو ما ضيق نطاق النص لإن اللغة محدودة و إقليمية  بطبعها فتطلب الأمر زيادة النصوص الأخرى كالسنة النبوية التي تعاظمت على قدر الحاجة التي لم يعد النص قادر على تحقيقها , لكن في حيقة الأمر أن التعامل اللغوي مع النص كان الغرض من توسيعه بالتخلص من آثار الواقع داخله و عن طريق رفع اللغة لمرتبة تجعلها غير مرتبطة بالتاريخ و لا تجعلها محدودة بل تجعلها واسعة بما لا يسعها إلا نبي كما يقول صاحب الرسالة "الشافعي" , و نزع النص عن الواقع و حصر الاجتهاد في القياس هو ما جعل النصوص الحديثية مطلوبة حيث أن توسيع النص لا يمكنه أن يتناول كل التفاصيل طبعا , و من ذكاء الإمام الشافعي أنه وسع نطاق الدلالة في آية " و ما ينطق عن الهوى" حيث كانت ايذانا بفتح الباب لتشريعية النصوص الحديثية حتى في أمور اجتماعية و سياسية واضح ارتباطها بواقعها التاريخي ,
نفس الأمر في قضية أسباب النزول التي كان من الممكن  كما يشير علي أومليل في كتابه "في شرعية الإختلاف" أن تكون بداية لربط النص بالواقع لكن تم وضع الاحتياطات حول الفكرة , من أهم هذه الاحتياطات على ما يشير أومليل هو القول يتوفيقية الأسئلة و شمولية الإجابات بل الاقتصار على احيانا على كون أسباب النزول ذات فائدة تفسيرية لا أكثر لكن لا تؤثر على إعادة التفكير في علاقة النص بالواقع , و بعيدا عن أومليل فنحن نجد المحاولات لغلق هذا الباب تأتي من التشديد على تقسيم القرآن لسببي و ابتدائي , فالابتدائي أي الذي لا يكون بسبب سؤال أو حادثة معينة هو الأكثر و السببي هو الاستثناء للحفاظ على ابعاد النص عن الواقع و التاريخ , يزيد الأمر صعوبة حين نعرف أن السبب ليس سبب في التفكير العقدي الأشعري السائد بل هو مناسبة , مناسبة لفعل آلهي أزلي , بكل هذا تحكم الدائرة و يغيب الواقع
(6) تحاشينا استخدام مصطلح "النص " في الإشارة للقرآن , حيث مشروع نصر ينتهي بتحويل النص لخطاب و ما يتبع هذا من خروج من الثنائيات الي تحم بنية التفسير التقليدية , مثل المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ ...الخ
(7) التقسيم هذا سواء في الفقه أو العقائد يقوم على الدلالة اللغوية بالأساس , فالنص المحتمل و الظاهر هو الذي يحتمل التاويل و الاختلاف فيه بحكم بنيته اللغوية , في حين النص الصريح لا يحتمل هذا , فاللغة هنا تشير إلي الواقع و ليس للتصورات الذهنية عنه , فطالما كانت الدلالة قطعية أضحت المدلولات _سواء كانت عقائد أو أحكام فقهية _ثابتة , لكن التغيير في فكرة سروش و أصحاب التقليد الجديد في تناول النص , هو تطبيقهم لنظريات اللغة الحديثة التي تجعل اللغة تعبير عن ما في الذهن ليس في مفراداتها فقط بل في نحوها و تراكيبها و أساليبها , لذا فهي مرتبطة جدا بمتكلميها و واقعهم , و بالتالي قطعية الدلالة لا تعني أن المدلول قطعي , هذا في العقيدة , أما في الأحكام الفقهية فالتعامل من منظور يتجاوز الحصر اللغوي للنص , مفهوم يحرره بفتحه على الواقع يكسب هذه الأحكام نسبية رغم قطعية دلالتها , و ارتباط الأمرين ببعض هام جدا , فإننا نرى عدد من الكتاب يكتفون بالتعامل التاريخي مع آيات الأحكام دون آيات العقائد و هذا غير ممكن لأن الأساس واحد كما رأينا , و لأن الفقه غالبا ما يؤسس على العقائد في التراث الإسلامي , فلا يمكن فصل إجراء نزع القران في التعامل الفقهي عن سياقه الواقعي عن فكرة أزلية النص و كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل خلق العالم ...
(8) يظل مع سروش الوصول إلي الله رهنا بهذه التجربة الروحية التي هي جوهر الدين , و العالم يصبح مطلب لابد من التعجيل بإشباعه من أجل التفرغ لهذه التجربة الروحية التي تشبه معراج الرسول _عليه السلام _, و لا شك أن هذا التفكير في الدين الذي ينتهي بالتعددية الدينية و وضع تجربة الوحي نفسها في التاريخ ليس نهاية المطاف بالنسبة للتفكيرفي الدين , فلا يزال سؤال وظيفة الدين مطروحا , هل إجابته هي أن الدين للآخرة كما يرى سروش  أم هناك إجابات أخرى قد تتجاوز هذا الإشكال القديم و هو علاقة العالم بما وراءه ؟
قد يرى البعض أن الوصول لما وراء العالم غير ممكن إلا من خلال العالم نفسه فقراءة العالم و العمل فيه هو الذي يجعلنا في معاينة الله دوما , هذا الرأي يحاول تجاوز الثنائية القديمة (عالم \ ما وراء العالم ) لكنه لا يصفيها بل يعيد رسم العلاقة بحيث تتجاوز الهرمية التي تحكم بنية نظرنا إليها , لننظر إليها في ضوء جديد ,حيث ما وراء العالم يتكشف في حركتنا داخل العالم , و هذا  يجعل التجربة الروحية أقرب للحدس البرجسوني الناجم عن التعلق بالواقع و معاينته منها إلي الإلهام المفاجي , أقرب لنمو المقدرة العقلية على فهم واقعها و تغييره منها لنمو قدرة قوة روحية فوق عقلية على مفارقة العالم  , و لو قرأنا تجربة محمد - عليه السلام - من هذا منطلق سروش ستكون محاولة اتصال بالله عن طريق نمو مقدرة روحية معينة , في حين لو قرأناها من المنظور الآخر ستكون تجربة إتصال بالله نتجت من طوال نمو للمقدرة العقلية له في فهم واقعه و لا شك الفوارق بين الرؤيتين كبير في تصور تاريخ النبي نفسه , هل كان يقرأ أم لا ؟ هل كان علم بالكتب السابقة أم لا ؟ علاقته بواقعه و فهمه له كيف كان ؟ و هذه أسئلة يطرحها كثيرون مثل الجابري و هشام جعيط و غيرهم في محاولة تكوين وعي حقيقي بتاريخ محمد لإنارة هذه التجربة أكثر و أكثر و إمكان فهمها .