الجمعة، 15 يونيو 2012

المادة الثانية من الدستور ...من قطع اليد إلي قتل الوعي النقدي


  • رغم ان التراث الاسلامي شهد وجود طيف كبير من المذاهب العقائدية و الفلسفية و الفقهية إلا أن تيار واحد فقط هو من ساد و احتل المركزية و هو التيار الاشعري في العقيدة و في الفقه التيار الشافعي و الحنبلي في صورتهم الموحدة عند الامام ابي حامد الغزالي اما باقي الرؤى فقد احتلت الهامش ....
و هذا يجعانا نطرح تساؤل و هو  لماذا كُتب  لتيار ما السيادة على حساب البقية ؟ و لكي نزيد من اتساع رقعة التساؤل بحثا عن اجابة أعمق لنجعل السؤال هو لماذا يسود نسق معرفي على آخر أو آخرين ؟...  علينا أولا توضيح أن أي خطاب معرفي يحاول في الاساس خلع اطلاقية عليه نفيا لنقيضه المتكون أو حتى الناشيء و بهذا فالكلام عن الموضوعية المطلقة أو تسمية خطاب معين بأنه خطاب اهل السنة و الجماعة مثلا ليس إلا لافتة الغرض منها في الاساس كسب اطلاقية و مشروعية عن طريق استخدام ارهاب ايدولوجي , فان وصف خطابي بأنه وحده العقلاني لا يدع أمامك خيار سوى الانخراط في خطابي أو أن تهنأ بأن تكون جهلاني!! ,ان لم تخضع لخطابي خطاب اهل السنة و الجماعة فأنت قابع في صف أهل البدعة و التفرق و الله نهى عن التفرق في السبل و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار!!و هنا نجد أن هذه الاوصاف ليست سوى سلاح مستخدم لوضع احد الخطابات في المركز و هذا السلاح غير معرفي ..فالمفترض ان النسق الافضل هو الاكثر قدرة على التفسير و استخدام سلاح من خارج اليات المعرفة يجعل سيادة تيار معين هي سيادة غير معرفية و غير منطقية . و ما دمنا نتكلم عن تراث المعرفة في الحضارة الاسلامية فجدير بالذكر محاولات كثير من الباحثين مثل نصر حامد أبو زيد و علي مبروك كشف البنى الغير منطقية لسيادة التيار الاصولي لا غيره و نفي التيار الاعتزالي و الفلسفي و نفي مذاهب الفقه التي تميل للرأي مثل المذهب الحنفي و المالكي ,  و ليس مهما هنا ذكر تفاصيل هذه العملية التفكيكية بل يكفي الاشارة الي انهما حاولا البحث عن الجذور الاجتماعية و السياسية و القبلية التي سببت سيادة هذا التيار و ان سيادته لم تأت من كونه الافضل معرفيا .. 
  • و هذه المحاولات ليست مقصورة على التراث الاسلامي فلو حاولنا التزام ما قلنا من الوصول لاجابة اعمق للسؤال المطروح عن طريق توسيع رقعة التساؤل و التنقيب فعلينا الانتقال الي محاولات شبيهة في الغرب للتغلب على مشكلة كبيرة  و هي مشكلة موضوعية العلم و هي مقولة من اهم مقولات نظرية المعرفة في عصر الحداثة و من أهم عقائده و التي جعلت المشروع الثقافي الغربي قائم فقط على نتائج العلم فهي بؤرة الاهتمام التي تهمش كل النشاطات الاخرى فهو صاحب القدرة وحده على فك مغاليق الكون و اسراراه ,  لكنها ايضا اكبر مقولة تعرضت للنقد في الاونة الاخيرة من قبل النسويات و فلاسفة النسبوية العلمية حيث يرون انها ليست الا لافتة ترفع لتبرير نتائج العلم و اضفاء اطلاق عليها و الايهام بانها "مستقاة من مصدر خارج نطاق الصراع الاجتماعي البشري العادي , تهبط على المجتمع  من مصدر أرقى من البشر " كما يرى ريتشارد لينتن عالم البيولوجي .و هذا ما جعل نظريات العلم فوق الشك و تحول الي اداة لتبرير الانظمة القائمة و سيطرتها على الطبيعة و تدميرها ..فهنا تكرار لنفس الامر , سيادة نسق معرفي لمجرد الارهاب الايدولوجي , يقول فيير ابند بول "ان العلم ليس كتابا مغلقا لا يمكن فك طلاسمه الا بعد سنوات من التدريب و التمرس , بل هو نظام عقلي يمكن أن ينتقده أي شخص معني بأمر العلم , و أن الصعوبة المزعومة للعلم ترجع الي الحملة الايدلوجية المنظمة التي يشنها العديد من العلماء الغرب لإدخال الرعب في نفوسنا من العلم "و لكي نقوم بنزع قناع الارهاب الايدولوجي لابد من اثبات تهافت مقولة الموضوعية المطلقة لهذا قام هؤلاء الفلاسفة و غيرهم و علماء بمحاولة اظهار أثر البنية الاجتماعية و السياسة على سيادة هذه المقولة و على سيادة نظريات بعينها و في هذا نجد بعض اللاداروينين يحاول تفكيك مركزية نظرية داروين بالبحث عن أصولها الاجتماعية و السياسية أو رد الاهتمام المتزايد بالجينات و جعلها أصل الصفات و الكائن ككل الي سيادة النزعة التجزيئية و الاختزالية التي سببها تغير بنية الاقتصاد الي الاقتصاد الرأسمالي الصناعي حيث الفرد ذرة مستقلة اجتماعيا يُعد هو أساس المجتمع , فالجزء هو من يشكل الكل فانقسم العالم لتروس و راوفع و هناك فصل تام بين السبب و النتيجة يظهر بوضوع في نظرية داروين , و بالطبع لسنا بصدد مناقشة رأي هذا العالم لكن فقط اشارة لمحاولة تفكيك لبنية نظرية معينة و أن سيادة تصور معين يعود لاسباب اجتماعية و سياسية و خلافه و ليس شرطا ان يكون مصدر السيادة أسباب معرفية . 

  • و لو حاولنا تفهم هذه المحاولة فسنجدها استمرار لمعنى التنوير الذي دعى له فيلسوف التنوير كانط في قوله " كن جريئا في استخدام عقلك " و ترديده ليس ثمة وصاية على العقل سوى العقل ذاته , انها اذن محاولة لانقاذ العقل أن يتحول من كونه فعاليه نقدية الي  مصطلح جامد يخفي شكل معين من تصورات أبدعها العقل مرتبطة بخلفية زمانية و مكانية .و بالاساس هي محاولة لانقاذ المعرفي من السياسي ...ان ثورة هؤلاء الفلاسفة على العقل العلمي و موضوعيته المدعاة هي ثورة على هذا العقل الذي ساد بقوة السياسة التي حولته لعقل اداتي نفعي يستخدم الطبيعة و يستغلها (و ينفي المرأة باعتبارها صاحبة عاطفة لا عفل موضوعي فيما ترى بعض النسويات) , و بقوة اللافتات الايدولوجية ...ان دعوة فيير ابند بول الابقاء على مختلف التصورات للتفسير لان الرأي و ان كان باطلا قد يتضمن جزءا من الحقيقة هي في جوهرها دعوة لرفض تدخل المؤسسات العلمية  (بما تحمله من عيوب اي مؤسسة من بيروقراطية و رغبة في الثبات و السكون ) لنصرة سياق معرفي على اخر , انها الرغبة في ان يسود المعرفي فقط لاسباب معرفية .. 

  • لو تركنا كل هذا التنقل بين الشرق و الغرب و الماضي و حاولنا الوقوف لحظة في حاضرنا الراهن مستشرفين المستقبل لوجدنا أن الخطاب المعرفي الديني السائد و هو الخطاب الذي يفكك الباحثون مرجعية سيادته و يرجعوها الي السياسة هو الان في سدة السياسة ربما الي مستقبل قريب , بل في سدة التشريع للمستقبل البعيد ..أي ان سيادته تتأكد الان في فترة تاريخية اخرى بنفس الطريقة القديمة و هي طريقة السلطة السياسية بلا اي سند معرفي !!ان محاولة مفكرينا تفكيك هذا الخطاب كانت قائمة على نفس اسباب فيير ابند و الفلاسفة الاخرون و هذا ما أكد عليه ابو زيد في اكثر من موضع فهو يقول في كتابه "النص , السلطة , الحقيقة "
    (لن يكون للفكر و لا الثقافة دور الا بان تشيع و تنتشر بكل الوسائل الممكنة و المتاحة , بالكلمة المكتوبة و المذاعة و المرئية , بالكتاب و المتحف و المعرض و الهم من هذا اشاعة روح العلم ,لا بين الجمهير فحسب بل بين النخبة و الصفوة أساسا .و يحتاج ترسيخ ذلك كله الي تغيير الشروط الراهنة للحياة الساسية و الاجتماعية بالحرص على التعددية و ممارستها .ويبقى الشرط لمارسسة تعددية حقيقية البدء و على الفور في قطع الحبل السري الذي يربط المفكر و المثقف و السياسي , و العمل على استقلال ادوات انتاج المعرفة بكل فروعها من العلوم الي الاغاني و الاناشيد , مرورا بالفلسفات و الفنون و الاداب , عن سلطة السياسي . ان السياسة فيما يقال هي فن تحقيق الممكن , اما المعرفة فهي فن بناء المستقبل و تحقيق المستحيل )
    لكن أصحاب هذا التيار هم من يحكمون و هو كما قلنا تيار يحصن نفسه من كشف بناه التحتية الغير معرفية بغطاءات ايدلوجية كثيرة و ادعاءات القراءة التحقيقية للنصوص و خلافه , و مواضيع الاختلاف معهم كثيرة و مناطق المناقشة عسيرة تتعلق بهل الاسلام دين و دولة أم لا ؟ هل الاسلام يحتوي شكلا للدولة ؟.. هل يصح الاجتهاد في مسائل الميراث و تعدد الزوجات و الحدود ؟ الذمية التي يوصف بها الاقباط هل هي حقيقة ان انهم مواطنون من درجة اولى ؟ هذه اسئلة يمتلك هو اجابة عنها و هناك من الائمة و المجتهدين و المجددين مثل محمد عبده و علي عبد الرازق من وجد اجابات أخرى , و لا شأن لنا بأي اجابة يدين أصحاب التصور السائد لكن شأننا أن يكتب لاجابته النصر لمجرد وجوده  في السلطة ....ان الدستور الذي سيتم كتابته لو جعلت مادته الثانية " احكام الشريعة مصدر للتشريع بما فيها الحدود و الميراث كما هو و غيره من الاحوال الشخصية  " فهذا معناه أن تصورا معرفيا ساد لمجرد الاغلبية البرلمانية ..يسود تصور معرفي بعدد اصابع اناس طحنهم الفقر و الجهل فاحتاجوا من يعلمهم لا من يستغل جهلهم و حاجتهم في نصرة تصوراته الفكرية !!ترى هل يناطح أولو بقية من اصحاب عقول داخل اللجنة أو من هم خارجها لجعل المادة لا تتعدى المباديء العامة للشريعة حتى نقطع الطريق على سيادة المعرفي بسلطة السياسي ؟هل يترك للاجيال القادمة مساحة واسعة للنقاش و الجدال حول تلك القضايات و الاسئلة ليسود الافضل معرفيا ؟ان فعلنا خلقنا العقل النقدي التنويري ذاك المطلوب لبناء الحضارة و الاشتراك في الانجاز البشري ...و ان لم نفعل قتلنا السؤال بإجابة قاهرة بدلا من تركه يبحث عن اجابة مقنعة , نقتل السؤال رغم ان السؤال هو شريعة الثائر و دينه , ذاك الدين الذي لا مقدسات فيه سوى العقل النقدي و الرب الرحيم العادل رب الجميع الذي لا يتكلم احد بلسانه بل كلنا يسمع و يخشع و يحاول الفهم و يسود الفهم الاقرب وفقا
    لاليات المعرفة لا غيرها  ...
    ان القضية الرئيسية في موضوع تحكيم الشريعة ليست كما يريد البعض ايهامنا بأنها قضية قطع الايدي  أو التنازل عن هذا القطع و تأجيله حتى يتكون مجتمع الكفاية بل القضية لها ابعاد كثيرة منها ان لم يكن أهمها سيادة تصور "الحاكمية " _و ما يحمله من مضامين تضيق ميادين الابداع العقلي لحساب تحكيم النص في كل القضايا  , و تكرس لعقل اتباعي منفعل لا ابداعي فاعل _  بقوة السياسة لا لأنه التصور الافضل , انها قضية خلط السياسي بالمعرفي ..

________________________________________________________________________________________



  • المراجع
  • :النص , السلطة, الحقيقة ....نصر حامد أبو زيد 
  • دوائر الخوف ......نصر حامد أبو زيد ..
  • ما وراء تأسيس الأصول ....علي مبروك ..
  • التعددية المنهجية ....خالد قطب...
  • البيولوجي كأيدلوجي ...ريتشارد لينتن ....ترجمة : مصطفى ابراهيم فهمي i