الجمعة، 6 سبتمبر 2013

صراطات سروش المستقيمة و استرداد الواقع الغائب

هناك من يطلق على الإيراني عبد الكريم سروش لقب نصر أبو زيد إيران , ربما يغري بهذا تشابه فكر نصر و سروش ففكرهما ينتظم داخل إطار العقلانية الدينية , و تناول النص المؤسس "القرآن" وفقا لمنهجيات حديثة يعد قضية مشتركة عند كل منهما , لكن لا شك أن ثمة فروقات عديدة سواء في المنطلقات التي ينطلق منها كل مفكر خصوصا في قضية وظيفة الدين و علاقة الدنيا بالآخرة و الذي يظهر حتى في جانب التراث الذي يستند عليه كل منهما فيستند سروش على التراث العرفاني في حين يستاند نصر على تراث المعتزلة , إلي جانب اختلافات واضحة في الحدود التي يضعها كل منهما لمشروعه الفكري , و كلامنا في هذه العجالة لا يقصد منه أن يكون مقارنة بين فكر نصر و سروش لكن يهمنا أن نحاول فهم الفارق بين الفكر الذي قام عليه مشروع الإصلاح الديني منذ بدأت النهضة الحديثة منذ أكثر من قرن و بين ما يقوم به سروش , و لعل فكر نصر أبو زيد يعد جسرا بين الفكرين , و هدفنا من هذا أن نحاول تبين ما يحمله  فكر سروش من إمكانات نهضوية قد تكون خفية في البداية وراء القضايا ذات المظهر اللاهوتي المسيطرة على مضمونه .

الإصلاح الديني :
___________
"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها " عبارة مالك الشهيرة التي تعد اللافتة الأكبر على مشروع الإصلاح , نضع إلي جانبها جملة الأفغاني "علينا أن نثبت لهم أولا أننا لسنا مسلمون " , و تفريقات محمد عبده المتكررة بين الإسلام الأزلي الذي يتوافق مع العقل و لا يعارضه بل يحفز على استخدامه  و بين إسلام المسلمين الذي قد يعارض هذا فيصبح نصيبه الابتعاد عن صلاح الدنيا و الآخرة , و هو ما يصيغة مصلح الجزائر الأشهر مالك بن نبي على هيئة قانون فالحضارة لا تتكون دون مركبها و مركب الحضارة الذي يجعل عناصر الحضارة تتفاعل هو الفكرة الدينية "الإسلام" و هذا قانون لو تنكرنا له لكنا كمن يتنكر عند بناء جسر لقوانين الفيزياء فينهار الجسر , و الإسلام بطبعه مدني فهو "روح المدنية"(!) و هو الطريق إلي قصر السعادة مسدس الشكل عند الأفغاني و هو دين العلم بل إن نصه المؤسس احتوى من علوم الطبيعة ما لم يتوصل له العقل له بعد "من محمد عبده إلي طنطاوي جوهري" (2), هذا هو جوهر مشروع الإصلاح فهو مشروع يؤمن تماما بقدرة الإسلام على صنع المدنية و الحضارة _بل إنه يستغرب إن وجدها عند غير المسلم _, و يفسر التدهور باعتباره ابتعاد عن هذا الأصل "الإسلام" , و هذا الطريقة في التفكير قطعا ليست وليدة عصر النهضة بل إنها فكرة قائمة طوال عصور الإسلام فكلما حدث التدهور تم تفسيره بابتعاد الناس عن الأصل و بإن الأصل طاله التحريف أو الزيادة أو شوهته أفعال الرجال , و لكن الله يبعث مجددا على رأس كل مائة لتجديده , للعودة به إلي اللحظة الزمانية التي تعد فوق الزمان و هي لحظة الوحي _بل إن طريقة التفكير هذه تجد مشروعيتها في تقديم الإسلام نفسه بإعتباره مجرد عودة للأصل الإبراهيمي الذي تم تحريفه -,  فالعقل المجدد أو المصلح دوما عقل لا يفكر في الأصل فالأصل لا يتم التفكير فيه بل يتم التفكير به , و لا يمكن رده للتاريخ بل يتم تفسير التاريخ من خلاله , لذا فحين يتحدث المجدد عن استخدام العقل الذي يتباهي بإنه لا يخالف تعاليم الإسلام و لا يخالف القرآن , علينا التنيه إلي إن هذا العقل  بطبعه لا يمكنه مخالفة القرآن لإنه يفكر به و تحت سقفه و لا يرده للواقع بل يقرأ الواقع من خلاله , عدم المخالفة هذه تأتي من كون هذا العقل هو عقل بالنص  " و كان الخطاب السلفي و لا يزال ينوه ب "العقل" و يدعو إلي الإحتكام إليه . و لكن أي عقل ؟ إنه العقل الذي يرجع في اشتقاقه إلي عقلت البعير إذا جمعت قوائمه و منعته من الحركة أي من النهوض , و يرجع في أساسه الأخلاقي- الديني إلي : و سمي العقل عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك , أي يحبسه , و يستمد فعاليته و اجرائيته من كونه يعقل عن الله إما بفكر و نظر كما يقول المتكلمون و إما بصيرة و معرفة كما يقول المتصوفة السنيون , إنه في الجملة العقل الأشعري الذي حدده الغزالي تحديدا صريحا واضحا حينما وصفه  بأنه العقل الذي يدل على صدق النبي ثم يعزل نفسه ...
العقل السلفي إذن مكبوح الجماح مردود الشطط لا ينتج العلم بل هو صديق له فقط, يبحث في أسرار الكون و لكن مع احترام الحقائق الثابتة , إنه عقل الماضي . لا بل العقل السني الذي ردع و كبح مسيرة نهضة الماضي التي شيدها المعتزلة و الفلاسفة و العلماء ""
(3)
 فهذا يفسر لماذا لم يستطع هذا الخطاب حتى الآن الوصول لتحقيق نهضة علمية بل عدم قدرته حتى  على تكوين وعي مطابق بالواقع   كما يقول برهان غليون " و بالمثل أدى مفهومها الكلامي للعقل و بناؤه على التأويل إلي الحد من إمكان , تأسيس فلسفة اجتماعية و سياسية , مستقلة و منعتقة عن إسار النص , و مؤسسة عقليا , يمكنها التطور من تلقاء ذاتها و استعياب التجديدات المتواصلة في المجتمع و الفكر دون الحاجة في كل مرة إلي العودة لتبرير نفسها و تأسيس شرعيتها بالنص " (4)

لذا كان لابد من محاولة فهم هذا  العقل نفسه  فليس هناك عقل مطلق بل العقل هو طرائق تفكير و آليات مرتبطة بزمانها و مكانها و قابله للنقد , و هذا هو جوهر مشروع الجابري لنقد العقل العربي فهو نقد لطرائق التفكير التراثية التي نفكر بها و التي لم نتحرر منها بعد , و كذلك هو جوهر مشروع نصر أبو زيد  فالتخلص من سلطة النصوص هو محاولة لنقد طرائق التفكير هذه في تعاملها مع القرآن الكتاب المؤسس لإن سيادة هذه الطرائق في التفكير إلي الآن راجع لتوحيدها مع الكتاب ذاته و عدم تفهم أنها مجرد طريقة للتعامل مع النص  و أنه من الممكن التعامل معه بآليات أخرى تكون أقدر على تحرير إماكاناته"5" , و التخلص من هذه الطريقة التي جمدت النص أي  طريقة التفكير بالأصل هو تخلص من اغتراب العقل عن الواقع  و انتقال لقراءة الواقع ابتداء منه و وفقا لقوانيه الداخلية و ليس عن طريق أفكار تفرض عليه فرضا من خارجه ,

و محاولة نصر تقتصر على الكتاب فقط و على أن كون الكتاب وحيا فهذا لا يجعله فوق التاريخ لإن الكتاب في النهاية بلغة العرب و هي جزء من التاريخ , فواقع العربي و تصوراته الذهنية جزء من بنية الكتاب نفسه و هو ما يجعل الكتاب في مرحلته الأولى نتاج للثقافة ثم يحاول بعد هذا تشكيل هذه الثقافة فيصبح منتج لها (بكسر التاء)  , و تفسير الكتاب لا يمكن أن يتنكر لهذه البديهية و صلاحية الكتاب لكل زمان و مكان لا تكمن في كونه مفارق للتاريخ بل تكمن في قدرة المؤمنين بالكتاب على مجادلة سياقه الداخلي بسياق نزوله بالسياق الحالي , بمعنى أن يكون القاريء جزء من النص كما كان العربي المتنزل عليه النص جزء من بنيته نفسها ,, و هذه المحاولة بتحرير الكتاب من نصيته و رده لسياقه الواقعي هو نقد لفكرة التفكير بالأصل التي قام عليها مشروع الإصلاح نفسه و ثبتها , و بداية لمرحلة التفكير في الكتاب لا بالكتاب (6),
 لكن نصر لا يتعرض لفكرة الوحي نفسها بالتساؤل , بل هو يكتفي بالإشارة في " مفهوم النص " لكون العربي قبل الإسلام يؤمن بإمكان الإتصال بالسماء عن طريق الوسائط و أن هذا يعد الأساس الثقافي لفكرة الوحي الإسلامي بحيث لو تصورنا خلو ثقافة العرب منها لكان استعياب ظاهرة الوحي غير ممكن , و يشير إلي تأكيد القرآن في سياق مجادلته مع قريش على تفريق نفسه عن السحر و الكهانة و الشعر باعتبار الوسيط هنا مع السماء مختلف فهو ليس شيطان يسمع السماء بل هو رسول كريم , ذي قوة عند ذي العرش مكين , و هذه المحاولة من نصر و إن كانت لا تسأل عن الوحي نفسه لكنها أيضا محاولة لوضع الوحي في سياق تاريخي  , و مد هذه المحاولة على استقامتها تؤدي إلي وضع الوحي نفسه موضع تساؤل , إلي جانب الإصرار على كون النص لا يحوي أي فكرة مفارقة و الذي يضع فكرة الملائكة كاملة موضع السؤال و بالتالي يجعل الوحي بين قوسين , و الإصرار على بشرية الرسول في مواجهة محاولة جعله مجرد وعاء للوحي "انظر نقده للشافعي في كتابه تأسيس الايدولوجي الوسطي" ستنتهي إلي كون فكرة الوحي نفسها جزء من تكوين محمد _عليه السلام _ الإجتماعي أي أنها قراءته هو للاتصال مع السماء .لذا فنصر حين  قام بنقد الأساس الفكري لمشروع الإصلاح "التفكير بالأصل " لم يمهد لتعاطي جديد مع إشكالية النهضة فقط بل مهد لتعاطي جديد مع القرآن و الظاهرة الدينية  ..

صراطات سروش
_______________

 من الممكن النظر إلي الإشكال الذي يطرحه كتاب  الصراطات المستقيمة من زاية سؤال قديم في الفقه و الكلام الإسلامي و هو سؤال ما أصل الخلاف ؟
فعلوم الفقه و الكلام تعاملت قديما مع هذا السؤال و حاولت الإجابة عنه , في الفقه رأى البعض أن الخلاف سببه أن النص نفسه حمال أوجه إلي جانب تعدد الوقائع , و هذا جعل قبول الخلاف ممكنا داخل إطار الفروع , لكن في العقائد لم يتم قبول فكرة احتمالية النص لذا أصبح المخالف دوما خارج عن الصراط المستقيم (مبتدع - فاسق - كافر ) , لذا فالطريق الوحيد لقبول الاختلاف في العقائد هو إثبات احتمالية النص أيضا حتى في هذا الجانب (7), و هو ما يقوم به سروش عن طريق توظيف بعض الفلاسفة و خاصة كانط , فوفقا لكانط يظل عالم النومينه عصي على التعبير عنه عن طريق أذهاننا مهما صفت أو لغتنا مهما بلغت من التجريد فالتعددية في التعبير عن الحقيقة حتمية و لا يمكن تجاوزها, هذا في الحقيقة معناه أن النبوة تفقد أحقيتها القديمة في حسم الأسئلة النهائية لأن النبي في النهاية يحدثنا عن الحقيقة الإلهية التي عاينها عن طريق تصوراته التاريخية, و بذا تدخل النبوة في الإطار الواسع لتجارب الإتصال بالله التي هي بعدد نفوس الخلائق , و يصبح الكلام عن صراط واحد شيء غير منطقي , فهي صراطات مستقيمة و ليس صراطا واحدا , يقول سروش "ليس التشيع هو الإسلام الخالص و الحق المحض و لا التسنن و لا المذهب الأشعري يمثل الحق المطلق و لا الاعتزالي , و لا الفقه المالكي , و لا الفقه الجعفري , و لا تفسير الرازي و لا تفسير الطباطبائي , لا الزيدية و لا الوهابية , لا عقيدة المسلمين نقية من الشرك و لا عقيدة المسيحين , إن العالم الدنيوي مليء بالهويات الملوثة و غير الخالصة فلا يوجد حق صريح و خالص من جهة و باطل كثيف و خالص إلي جهة أخرى . و عندما و عندما نذعن لهذه الحقيقة فستكون الكثرة أقرب إلي الهضم و المعقولية ".
يصبح الدين هنا هو التجربة الذاتية الوجودية و ليس نسق العقائد المعرفي , فالتجربة تواصل دائم مع الأزلية في حين نسق العقائد تاريخي .
هذه القراءة التي يقوم بها سروش للوحي و للظاهرة الدينية لا تحقق فقط هدف التعددية الدينية , بل  إنها قراءة تؤكد على أن اللحظة التي كانت تعتبر أصلا خارج التاريخ أصبحت قابلة للتكرار هي نفسها و انتاج مضمون متجاوز للمضمون الذي كان يعد أزليا !! أي أنها انتقال واضح من التفكير بالأصل (التفكير الإتباعي) لتفكير يبدأ بوضع الأصل في الواقع التاريخي من أجل تجاوزه (تفكير إبداعي ) .أضف إلي هذا تكرار سروش في مواضع أخرى أن وظيفة الدين هي الآخرة و ليس الدنيا , مما يجعل الواقع محكوما بالعقل فقط و ليس الوحي حيث أن نتاج الوحي بمجرد التعبير عنه أصبح  تاريخيا كما ذكرنا (8)
لذا فما يتناوله سروش في كتابه الصراطات المستقيمة  ليس مجرد قضايا لاهوتية و إن بدا كذلك , فالتأمل فيها يكشف عن إماكانات حقيقية لتكوين فكر يستطيع مباشرة الواقع الغائب دوما و الذي للأسف لم يستطع خطاب الإصلاح بحكم عقليته التراثية _المقصود التراث السائد طبعا و الا فأفكار سروش كما ذكرنا يسندها تراث عرفاني هائل _التي تستبعد الواقع لمصلحة النص الأزلي و الأصل المفارق إعادته لمركز الرؤية  .
_______________________________________
(1) إسم كتاب لمصطفى الغلاييني أحد رواد الإصلاح
(2) طنطاوي جوهري هو صاحب تفسير الجواهر الذي حول فيه القرآن لموسوعة تحوي كل العلوم الحديثة تقريبا
(3) الجابري..."الخطاب العربي المعاصر..دراسة تحليلة نقدية"
(4)برهان غليون..."الوعي الذاتي"
(5) يشير ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام" لكون التعامل اللغوي مع النص الذي ساد في التراث الإسلامي هو ما ضيق نطاق النص لإن اللغة محدودة و إقليمية  بطبعها فتطلب الأمر زيادة النصوص الأخرى كالسنة النبوية التي تعاظمت على قدر الحاجة التي لم يعد النص قادر على تحقيقها , لكن في حيقة الأمر أن التعامل اللغوي مع النص كان الغرض من توسيعه بالتخلص من آثار الواقع داخله و عن طريق رفع اللغة لمرتبة تجعلها غير مرتبطة بالتاريخ و لا تجعلها محدودة بل تجعلها واسعة بما لا يسعها إلا نبي كما يقول صاحب الرسالة "الشافعي" , و نزع النص عن الواقع و حصر الاجتهاد في القياس هو ما جعل النصوص الحديثية مطلوبة حيث أن توسيع النص لا يمكنه أن يتناول كل التفاصيل طبعا , و من ذكاء الإمام الشافعي أنه وسع نطاق الدلالة في آية " و ما ينطق عن الهوى" حيث كانت ايذانا بفتح الباب لتشريعية النصوص الحديثية حتى في أمور اجتماعية و سياسية واضح ارتباطها بواقعها التاريخي ,
نفس الأمر في قضية أسباب النزول التي كان من الممكن  كما يشير علي أومليل في كتابه "في شرعية الإختلاف" أن تكون بداية لربط النص بالواقع لكن تم وضع الاحتياطات حول الفكرة , من أهم هذه الاحتياطات على ما يشير أومليل هو القول يتوفيقية الأسئلة و شمولية الإجابات بل الاقتصار على احيانا على كون أسباب النزول ذات فائدة تفسيرية لا أكثر لكن لا تؤثر على إعادة التفكير في علاقة النص بالواقع , و بعيدا عن أومليل فنحن نجد المحاولات لغلق هذا الباب تأتي من التشديد على تقسيم القرآن لسببي و ابتدائي , فالابتدائي أي الذي لا يكون بسبب سؤال أو حادثة معينة هو الأكثر و السببي هو الاستثناء للحفاظ على ابعاد النص عن الواقع و التاريخ , يزيد الأمر صعوبة حين نعرف أن السبب ليس سبب في التفكير العقدي الأشعري السائد بل هو مناسبة , مناسبة لفعل آلهي أزلي , بكل هذا تحكم الدائرة و يغيب الواقع
(6) تحاشينا استخدام مصطلح "النص " في الإشارة للقرآن , حيث مشروع نصر ينتهي بتحويل النص لخطاب و ما يتبع هذا من خروج من الثنائيات الي تحم بنية التفسير التقليدية , مثل المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ ...الخ
(7) التقسيم هذا سواء في الفقه أو العقائد يقوم على الدلالة اللغوية بالأساس , فالنص المحتمل و الظاهر هو الذي يحتمل التاويل و الاختلاف فيه بحكم بنيته اللغوية , في حين النص الصريح لا يحتمل هذا , فاللغة هنا تشير إلي الواقع و ليس للتصورات الذهنية عنه , فطالما كانت الدلالة قطعية أضحت المدلولات _سواء كانت عقائد أو أحكام فقهية _ثابتة , لكن التغيير في فكرة سروش و أصحاب التقليد الجديد في تناول النص , هو تطبيقهم لنظريات اللغة الحديثة التي تجعل اللغة تعبير عن ما في الذهن ليس في مفراداتها فقط بل في نحوها و تراكيبها و أساليبها , لذا فهي مرتبطة جدا بمتكلميها و واقعهم , و بالتالي قطعية الدلالة لا تعني أن المدلول قطعي , هذا في العقيدة , أما في الأحكام الفقهية فالتعامل من منظور يتجاوز الحصر اللغوي للنص , مفهوم يحرره بفتحه على الواقع يكسب هذه الأحكام نسبية رغم قطعية دلالتها , و ارتباط الأمرين ببعض هام جدا , فإننا نرى عدد من الكتاب يكتفون بالتعامل التاريخي مع آيات الأحكام دون آيات العقائد و هذا غير ممكن لأن الأساس واحد كما رأينا , و لأن الفقه غالبا ما يؤسس على العقائد في التراث الإسلامي , فلا يمكن فصل إجراء نزع القران في التعامل الفقهي عن سياقه الواقعي عن فكرة أزلية النص و كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل خلق العالم ...
(8) يظل مع سروش الوصول إلي الله رهنا بهذه التجربة الروحية التي هي جوهر الدين , و العالم يصبح مطلب لابد من التعجيل بإشباعه من أجل التفرغ لهذه التجربة الروحية التي تشبه معراج الرسول _عليه السلام _, و لا شك أن هذا التفكير في الدين الذي ينتهي بالتعددية الدينية و وضع تجربة الوحي نفسها في التاريخ ليس نهاية المطاف بالنسبة للتفكيرفي الدين , فلا يزال سؤال وظيفة الدين مطروحا , هل إجابته هي أن الدين للآخرة كما يرى سروش  أم هناك إجابات أخرى قد تتجاوز هذا الإشكال القديم و هو علاقة العالم بما وراءه ؟
قد يرى البعض أن الوصول لما وراء العالم غير ممكن إلا من خلال العالم نفسه فقراءة العالم و العمل فيه هو الذي يجعلنا في معاينة الله دوما , هذا الرأي يحاول تجاوز الثنائية القديمة (عالم \ ما وراء العالم ) لكنه لا يصفيها بل يعيد رسم العلاقة بحيث تتجاوز الهرمية التي تحكم بنية نظرنا إليها , لننظر إليها في ضوء جديد ,حيث ما وراء العالم يتكشف في حركتنا داخل العالم , و هذا  يجعل التجربة الروحية أقرب للحدس البرجسوني الناجم عن التعلق بالواقع و معاينته منها إلي الإلهام المفاجي , أقرب لنمو المقدرة العقلية على فهم واقعها و تغييره منها لنمو قدرة قوة روحية فوق عقلية على مفارقة العالم  , و لو قرأنا تجربة محمد - عليه السلام - من هذا منطلق سروش ستكون محاولة اتصال بالله عن طريق نمو مقدرة روحية معينة , في حين لو قرأناها من المنظور الآخر ستكون تجربة إتصال بالله نتجت من طوال نمو للمقدرة العقلية له في فهم واقعه و لا شك الفوارق بين الرؤيتين كبير في تصور تاريخ النبي نفسه , هل كان يقرأ أم لا ؟ هل كان علم بالكتب السابقة أم لا ؟ علاقته بواقعه و فهمه له كيف كان ؟ و هذه أسئلة يطرحها كثيرون مثل الجابري و هشام جعيط و غيرهم في محاولة تكوين وعي حقيقي بتاريخ محمد لإنارة هذه التجربة أكثر و أكثر و إمكان فهمها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق