الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

الله و العالم ......أو تجاوز انشطار الذات


" و في عبادته للاله يحاول أن يتصل بذلك الشطر من نفسه الذي فقده عن طريق الإسقاط , و هو يتوسل الآن إلي الإله بعد أن أعطاه كل ما يملك , لكي يعيد إليه بعض ما كان يملكه أصلا .و لكنه بعد أن فقد نفسه أصبح تحت رحمة الإله تماما , فهو يشعر بالضرورة كما يشعر "الخاطيء" , مادام قد جرد نفسه من كل ما هو خير , و لن يستطيع أن يسترد ما يجعله إنسانا إلا بفضل الإله و رحمته , و في سبيل إقناع الإله بأن يمنحه شيئا من حبه , ينبغي عليه أن يثبت له شدة حرمانه من الحب , و في سبيل إقناع الإله بأن يهديه الحكمة الفائقة , ينبغي عليه أن يثبت مدى حرمانه من الحكمة إذا ترك لنفسه "
إيريك فروم ....الدين و التحليل النفسي 


من غير المنطقي أن تقتصر محاولة الإصلاح على إصلاح العقل فقط , ليس فقط لكون الإنسان عقل و وجدان , بل لإن الوجدان ذاته لا يمكن الإفصاح عنه إلا عبر عقل معين , و أيضا لإن وجداننا ليس فقط مجموعة من المشاعر بل إن وجداننا يستقر فيه عدد من الأفكار و الرؤى العقلية التي تتحكم بالطبع في عقلنا الواعي , لذا فمفهوم جدا هذا النقد الذي يوجهه برهان غليون في كتابه "الوعي الذاتي "لخطاب محمد عبده حديثا و خطاب المعتزلة قديما لاقتصارهم في النظر إلي العقيدة على الجانب العقلي و إهمال التجربة الذاتية و الوجودية "الوجدان" ,
فهذا في رأيه كان سبب لحرمان خطاب الإصلاح لعبده من قاعدة شعبية قوية , لإن الهجوم على التصوف أدى لكبت المشاعر الدينية ثم انبعاثها حول أهداف و رموز سلبية , طائفية أو مهدوية , و يرجع غليون هذا الإهمال لضغط الظروف التي تشكل فيها الخطاب و التي جعلت مشكل العقل له الأولوية كلها و بالتالي أدى لإختلال التوازن , و في ظل مطلب التوازن ذاته يرى فهمي جدعان في كتابه " الماضي و الحاضر , دراسة في تحولات التجربة الفكرية العربية "  أن الطريق الملكي للإصلاح يتمثل في استعادة محاولة الأشعري الجمع بين العقل و النص و الوجدان , الذي انحرف مع الغزالي لإعتبار الوجدان نفسه أو الروح بديل للعقل ذاته , و بالتالي فسواء غليون أو جدعان فتفسير الإنحراف تجاه الروح أو الوجدان من جهة أو تجاه العقل من جهة أخرى أسبابه خارجية عن منطق العقل الذي نشتغل من خلاله , لكن ربما إعادة صياغة المشكل بشكل مختلف يظهر لنا أمور أخرى , فنظن أن تلك الصياغة , (مشكل خطاب الإصلاح أنه مال لعقل , مشكل الغزالي انحرافه عن طريق الأشعري الملكي ), هي السبب في كوننا نبحث عن أسباب خارجية لتبين أسباب هذه الأزمة , في حين لو طرح المشكل بصورة أشمل بحيث يكون لماذا  الإتجاه للعقل مفضي دائما لإقصاء الوجدان , و الإتجاه للوجدان مفضي دوما لإقصاء العقل؟ , أي طرح المشكل بإعتباره هذا التناقض القائم في أذهاننا بين العقل من جهة و الوجدان "الروح" من جهة , هذا يجعل في استطاعتنا بصورة أكبر رؤية السبب الحقيقي وراء هذا التناقض , و مبدئيا علينا ملاحظة أن ما يقوله جدعان عن انحراف الغزالي هو رؤية مكررة يذكرها كثير من الباحثين في تناولهم الإمام الغزالي "1", و هي مصادرة في حقيقة الأمر على كون خطاب الأشعري وسطي و توفيقي , و لإنه لا يكفي لخطاب ما أن يسم نفسه بالوسطية أو أن يجمع داخله النقائض حتى يكون خطابا توفيقيا , فإن محاولة تبين صحة هذا الفرض أو المصادرة تعد واجبة , و حتى لا يطول بنا الأمر فالسؤال الجوهري هو هل لا يمكن تفسير هذا الميل للوجدان عند الغزالي بالعودة لخطاب الأشعري نفسه ؟ أو بصورة أخرى هل ممكن اعتبار صوفية الغزالي امتدادا لأشعريته ؟ أو بصورة أكثر دقة هل يمكن النظر لخطاب الغزالي بإعتباره فضحا للمخفي في خطاب الأشعري ؟ إن الأشعري المؤسس حين اعتمد في صياغته عقائده على قواعد الشافعي التي تعطى الأولوية للنص على الواقع و العقل , ثم اعطى لهذه الطريقة سندها الأقوى بعقيدة أزلية النص فإنه قد قرأ بالفعل علاقة الله بالعالم قراءة معينة , و هي علاقة العالم فيها لا يتقوم بقانون بل هو خاضع تماما لإرادة خالقه , أي أنها علاقة تبعية فقيرة  يصفها علي مبروك في كلمة واحدة بأنها ليست علاقة , و لا يمكن تصور جعل القرآن معنى قائم بالأزل و الحرف الفاني تعبيرا عنه توفيقا بين القائلين بأزلية القرآن و خلقه , بل بالأحرى تلك الصورة لا تزيد فكرة فقر العالم و هامشيته إلا وضوحا , فالمعنى خارج العالم لا يمنح الله العالم منه أكثر من صدى صوت , لذا فإصرار الغزالي على نفي السببية إبرازا لوجه الله السلطاني و على السفر عروجا في السماء بروحه وصولا للمعنى تجاوزا للحرف الفاني الذي تعرفه العقول هو الاإمتداد الطبيعي للأشعري , فالعالم هو أيضا إشارة على الله تماما كحرف القرآن , لذا فهو مجرد معبر لماوراءه , و الإشارة يقرأها العقل "الفقه , التفسير , التأويل , علوم الكلام " لكنها أبدا لا ترضي الروح  , و لإن الإشارة أو العلامة شديدة الفقر لأنها فقط تشير و لا تنقل من الحقيقة إلا الظل فهي تستحيل سدا يحجب الحقيقة  و لابد أن يتم التخلص منه , لذا نرمي وراءنا البدن و العالم و الحرف لنعبر للحقيقة طالما أنها وحدها الحقيقة , فطالما أن ماوراء العالم أفضل من العالم و المعنى خارج العالم و الأرض يجكمها النص الخارج عنها , فمهما قيل عن وسطية الأشعري و توفيقه فإنه يظل كلاما فوق السطح ينتظر عبقري كالغزالي للإفصاح عن عمقه !!
و أخصب موضع لإظهار هذا العمق الذي يحتله الإله مطلق الإرادة نافيا تقوم العالم و مخضعا العقل للروح هو رؤية الغزالي للوحي , يقول نصر أبو زيد في الفصل الذي عقده عن الغزالي في كتابه "مفهوم النص " إن حركة الوحي النازلة من الله إلي الإنسان و التي تعني الكشف و الإفصاح و البيان قد تحولت في الفكر الديني المتأخر إلي حركة صعود من جانب الإنسان إلي الله ذاته , و على حين كانت حركة الوحي في بدايتها تستهدف الإنسان بما هو عضو في جماعة و من ثم تستهدف إعادة بناء الواقع لتحقيق مصلحة الإنسان و لإشباع حاجاته المادية و الروحية , فقد كانت الحركة الإنسانية في التصورات الصوفية  حركة للخلاص الذاتي ...لقد تحولت حركة الكشف إلي محاولة اكتشاف , و صار النص الكاشف مجرد أداة لاكتشاف قائل النص و التوحد به ..."
و بالتالي فإن الوحي ليس تجربة  يتخارج فيها الإله عن ذاته إلي العالم , بل هي تجربة تتطلب منا نحن الخروج من العالم بإلغاء العقل و الواقع و الحرف الذي يحجب جلال الحقيقة , و بالتالي فهي تجربة روحية غير عقلية في مبناها أو محاولة تفسيرها , بل إن العقل ليس فقط مستبعد بل  تابع لها لإنه تابع في إدراته للواقع للنص نتاج هذه التجربة في خطاب الأشعري المؤسس , و هذا معناه أن عدم قدرة العقل على مباشرة الواقع لإنه عقل تأويلي _أو أشعري كما يقول الجابري _"2 " و هي الأزمة الأخرى التي تؤرق غليون تنتج عن هذه الرؤية نفسها لعلاقة العالم بما وراءه و التي تلغي العالم لحساب ما وراءه , مما يؤكد أن  كون الإتجاه للعقل لا يؤدي إلا إلي إفقار الروح و العكس بالعكس , و أن الإتجاه للروح هو الأكثر منطقية حيث المعني خارج العالم و العقل حيث المعنى صفة الله الأزلي , يرجع كله لتصرونا عن الإله صاحب الهوية المغلقة التي تتأبى التخارج ....

و هذا الإله نفسه هو الذي يحتل خطاب عبد الكريم سروش رغم أن ظاهره يوحي بغير ذلك , فإن كان المفكر الإيراني الكبير يرى أن تجربة الإتصال بالسماء هي تجربة بعدد نفوس الخلائق و أن النص غير حاكم على الواقع مما يعطي إيحاء بتحريره من قبضة النص الأزلي , إلا أن أسباب عدم حاكمية النص للواقع عند سروش هي ما تكشف عن هذا الوجه للإله الممتد من الأشعري عبر الغزالي , فالنص غير حاكم عند سروش لإن الدين غير علماني كما يذكر في كتابه "الدين العلماني " , فالدين عند سروش هو تجربة روحية , صعود آخر نحو الله , و العالم مطلب لابد من إشباعه سريعا بواسطة العقل لتتفرغ الروح لرحلتها سر وجودها , مرة أخرى الله \ العالم , الروح \ العقل , و سروش حين ينزع عن الأصل المفارق "النص" أصليته لكونه حرف أو بلغة سروش مستعيرا من كانط نتاج لتجربة النبي المحددة في الإفصاح عنها بقوالبه العقلية "المرتبطة بعالم الظواهر , عالم الحس " الغير قادرة على النفاذ لعالم الشي في ذاته "الله " , فإنه يمضي أبعد من الإمام الغزالي في إظهار تلفيقية الأشعري باقية الأثر في خطاب الغزالي , فإن كان النص تم نزعه عن سياقه ليصبح أزلي بما يعينيه من نفي لقوانين يتقوم بها العالم فهو ينفي تماما أهمية العالم , و بالتالي من غير المنطقي أن يطلب قائل النص منا أن ندير عالمنا و نهتم به إذا كان هو أصلا زائد عن الحاجة و منفي في نصه الأزلي , حيث يصبح الإهتمام به إبتعاد عن النص بما هو أزلي غير واقعي , بهذا يصبح الغزالي حين يجعل النص حاكم على الواقع الغير مهم أصلا  وارثا لبعض تناقضات خطاب الأشعري التي تنجلي عارية مع سروش حين يعلن إغلاق التجربة على العبور الروحي لما وراء العالم و نفي العالم عن  إهتمامهما ليؤكد تلك الصورة للإله صاحب الهوية المغلقة الذي يأبى الخروج عن ذاته ...



التجربة كحركة ..أو مسافة المسيري
_______________________
ربما مفهوم المسافة عند المسيري و الذي يراه مميزا للرؤية التوحيدية في رؤيتها للوجود (الله و الطبيعة و العالم ليسوا كل واحد بل الله تفصله مسافة عن الإنسان و الطبيعة  كذا الإنسان تفصله مسافة عن الله و الطبيعة ) يعطي ايحاء بحكم حرفه حتى بعلاقة لا تقوم على الصعود لله بل على الحركة من الإنسان و الله كليهما , أي أنها تعطي إيحاء بتخارج الله عن ذاته , و علينا فحص هذا المفهوم جيدا حتى نستطيع تبين هل هذا الإيحاء صحيح أم لا , لكن علينا أولا فهم نظرة المسيري للعلمانية حيث تتحدد رؤيته التوحيدية تلك في مواجهة العلمانية كما يراها , فنقول إن المسيري لا يرى مثل البعض أن العلمانية هي فلسفة مادية تقصي الروح بل هو يراها قائمة على إذابة الروح في المادة , الله في الكون  الإنسان في الطبيعة , فالثنائية الأزلية التي تحير الإنسان عنده ليست (روح \ مادة أو الله \ عالم) , بل هي (ثنائية \ واحدية , حلولية , مادية أو روحية ), لذا فإن كان البعض يرى علاج الأزمة التي تولدت عن العلمنة هو إضافة الروح , فإن الحل عند المسيري يتمثل في "المسافة " , في النظر للوجود بإعتباره ليس كل مصمت بل عالم يفصل بين حدوده مسافة , و لو سألنا المسيري لماذا يتجه الإنسان لإختزال هذه المسافة التي يراها هو أصلية في الوجود , فإن المسيري يقول أن الإنسان تتنازعه نزعتان ربانية تحاول الحفاظ على المسافة , و أخرى جنينية تحاول اختزالها رغبة منها في العودة لعالم فردوسي سائل واحدي ليس فيه مسافات , عالم يشبه عالم آدم قبل أن ينطق باللغة "التي خلقت المسافة بينه و بين الطبيعة " , لكن لو تأملنا قليلا سنجد أن هذا يعني أن مرحلة التوحد الفردوسي هذه هي جوهر الوجود أصلا و أن خلق آدم و منحه اللغة شيء طاريء على الوجود , نزعه من هذه الحالة الأصلية قرار آلهي , ويمضي المسيري ليخبرنا عن كون الإله حين يمنح آدم اللغة ليفصله عنه و عن الطبيعة فهو لا يمنحها كاملة بل فقط دوالها أم المدلولات فهي في يده لا زالت !! , و حين يرسل الله لنا رسالة يظل معناها الأزلي عنده و لنا الحرف الفاني , و حين يحدثنا فهو يحدثنا عن مالا نرى , عن الغيب و ليس عنا و عن أرضنا , و بالتالي فهي ليست رسالة حيث المرسل إليه "كعضو في جماعة يحيا في العالم " غائب  , و هي ليست مسافة , حيث الله لم يخرج عن ذاته , و تفقد اللغة كونها أداة للتواصل لتصبح أداة لحجب الله عنا أو بلغة المسيري للحفاظ على المسافة , و تظهر وهمية مفهوم المسافة بصورة شديدة الوضوح , حين يصبح الضامن لاتفاق الدوال و المدلولات هو الله , و الضامن لعدم تدخل الله في التاريخ "للحفاظ على المسافة بين عالم حرية الإنسان و بين الله " هو الله فهو وعدنا ألا يتدخل في التاريخ , أي أن المسافة ليست شيء في جوهر الوجود بل هي منحة من إرادة مطلقة تعد و تضمن , و كونها تعد و تضمن ينفي تقوم التاريخ و اللغة بأي قانون من ذاتهم حتى نضطر لإثبات تقومهم باللجوء لخارجهم أي بنفي تقومهم , فالمسافة لا تكون جزء من الوجود إلا إذا كان الله هوية متخارجة يفترض آخر و ليس يختار بحرية لا اكتراث وجود هذا الآخر "العالم , و الإنسان" , أي أن مفهوم المسافة عند المسيري بما هو مقحم و هجين على التصور التقليدي للوجود و لصورة الإله لا يفعل أكثر من إظهار عدم قدرة هذا التصور على إعطاء العالم تقوما أو الإنسان حرية أو اللغة جوهرها أو الرسالة معناها !!
, أي أنه لا يفعل سوى إظهار ضرورة تجاوز هذا التصور ! "3"


من العبودية إلي العبادية
______________
لو عدنا إلي تعليق نصر أبو زيد على تحول الوحي إلي تجربة صعود لله , و سألنا كيف يرى نصر أبوزيد الوحي؟ , صحيح أن نصر لا يتفرغ لحل إشكالات لاهوتية , لكن نظرة نصر للقرآن نفسها تفترض حامل لاهوتي معين , فنصر حين يحاول موضعة الواقع و الإنسان داخل الخطاب القرآني و حين يقول إن القرآن حياة , فهو لا شك يرى تجربة الوحي كتجربة من أجل الواقع لا للخروج منه , و هذا يعيدنا للإشكال الرئيسي و هو صورة الله , أي أن السؤال يصبح هل تتغير صورة الله عند نصر عنها في رؤية من ذكرنا في السطور السابقة ؟
على الأقل مرتين يتعرض نصر لعلاقة الله بالعالم و الإنسان  في كتابه "نقد الخطاب الديني " , المرة الأولى حيث يصل بتحليل الخطاب الديني لكون أحد منطلقاته الذهنية و آليات تفكيره رد كل الوقائع إلي علة واحدة هي الإرادة المطلقة , و المرة الثانية حين يتحدث في الفصل الثالث "دراسة إستشكالية لأنماط الدلالة" عن التحويل الدلالي الذي قام به القرآن في لفظة "عبد " عند وصفه لعلاقة الله بالإنسان , و كيف أن القرآن نقل العلاقة مع الإنسان من العبودية بمعنى الإنسحاق للعبادية بما تعنيه من كون الحب و استقلال الذات ركن أساسي فيها , رفض فكرة العبودية أو إهدار كل القوانين بإطلاق الإرادة المطلقة هو اعتراض على صورة الله \ السيد \ الملك \ المستبد , و العبادية التي تعنى عبادة مطعمة بالحب هو محاولة لتأسيس صورة جديدة , و إن كان ما يميز صورة الله \ السيد \ الملك \ المستبد هو أن علاقته بالطرف الآخر "العالم , الانسان " علاقة أحادية , من اتجاه واحد فقط , أي لا علاقة كما تقدم , فإن شرط الصورة الجديدة هو كونها قادرة على صنع علاقة حقيقية , مليئة بالحركة  , و لكي تكون العلاقة بهذه الصورة , لابد أن يفقد الاله استبداده النابع من كونه هوية مغلقة يستمد وجوده من انغلاقه على ذاته ليصبح الإله متخارجا عن ذاته ...
و هو يتخارج عن ذاته في الوحي , الذي يصبح اتجاه العقل  للعالم , حيث تجلي الإله المتقوم بذاته  , و العقل تجلي الروح , و هذا التصور يقضي على الأبوية و الهرمية التي تسكن ثنائيات الله \ العالم , روح \ مادة , وجدان \ عقل إلي آخره , و يحتاج و يفترض في نفس الوقت إضاءة لتجربة النبوة نفسها و فهمها فإن كان تصور سروش و قبله الغزالي و الأشعري يجعل النبوة إما إختبار مطلق من الله أو كسب نتيجة لنمو قدرة روحية _غير عقلية _ عند النبي , فربما لو كنا نصريين أكثر من نصر لربما كنا سنقول وفقا لرؤيته السابقة تلك أن تجربة النبوة هي نتاج تطور ملكة العقل نفسها في قراءة الواقع !!


_______________________________________________

"1" قراءة نصر للغزالي تتميز عن غيرها بكونها تستحضر الجانب الأشعري إلي جوار الجانب الغنوصي في تفكيره , في حين يقتصر البعض على قراءة الغزالي كخاضع للأفكار الغنوصية وحدها بما يعني كون التصوف العازف عن العالم هذا و الذي يؤدي لإستقالة العقل هو نتاج تأثير ثقافات غير إسلامية على الإسلام , و ربما هذا لسيطرة فكرة كون الإسلام يوفق بين هذه العالم و ماوراءه , و العقل و الوجدان إلي آخره

"2" يرى الجابري في كتابه "الخطاب العربي المعاصر ....دراسة تحليلية نقدية " أن عقل الإصلاح الديني هو العقل الإشعري بالذات الذي لا يخالف فيه العقل النص لإنه تابع له , و الذي لا يستطيع بطبيعة الحال أن ينتج علما لكنه فقط قد يكون صديقا له !

"3" و الغريب و الكاشف أن المسيري حين يحاول في كتابه "
العلمانية الشاملة و العلمانية الجزئية " تطعيم أطروحة برجر و فيبر التي تفسر نشأة العلمنة بأنها امتداد للأديان التوحيدية  الأد بكون الروافد الحلولية داخل التراث التوحيدي هي السبب في نشأة العلمانية الحلولية التي تختزل المسافة لإنه يرى الرؤية التوحيدية تقوم على  المسافة , فإنه يشير إلي تراث القبالاة الحلولي , و تراث القبالاة الحلولي هذا هو نتاج لرؤية تنسب للإله تلك الهوية المغلقة التي تتجلى في الإستبداد , فذوبان الإله في العالم عند القبالي لا يمكن تفسيره بكونه تخارج للذات مثلا بل يفسر بكونه رغبة في الهيمنة على الوقائع داخل العالم و التخلص من التاريخ الإنساني لمصلحة تاريخ إلاهي محدد سلفا بحيث تصبح التفاصيل في العالم علامات متطابقة مع ما قاله الله في التوراة الموجودة قبل العالم "تماما كالقران في التصور الأشعري , و لغة التوراة العبرية مقدسة عنهدم أيضا كالعربية في التصور الأشعري "  !!, و هي لو كانت رؤية طارئة على التوحيد فهي ليست طارئة على التصور السائد للإله و الذي يكرسه المسيري كما ذكرنا , هذا يعني أن المسيري حين أقحم مفهوم المسافة على بنية للوجود لا تحتمله فقد أعاد لنا نفس صورة الإله المستبد الذي يراه هو سببا في ظهور العلمنة التي يحاربها , و إذا كان يشدد على دراسة اسبينوزا و أثره في نشأة العلمنة الحلولية و هو يهودي , فإنه يتناسى أن اسبينوزا هو امتداد ديكارت الذي دشن العصر بضمان الإله قوانين الفيزياء , كضمان الإله عند المسيري لاتصال دوال اللغة بمدلولاتها و عدم التدخل في التاريخ , بحيث ذوبان الإله عند سبينوزا في الطبيعة أو رفع الطبيعة لمرتبة الإله أقرب أن يكون بسبب تعليق قانون الطبيعة في يد الإله وحده عند ديكارت و عدم تغيير النظرة لطبيعة الإله !!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق