الأربعاء، 30 أكتوبر 2013

العلم في مواجهة التكرار أو قناعا له ....بين طه حسين و مالك بن نبي

" و لا ينبغي أن يخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب , و لا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلي عصور , و يحاول أن يدخل فيه شيئا من الترتيب و التبويب و التنظيم ؛ فذلك كله عناية بالقشور و الأشكال لا يمس اللباب و لا الموضوع , فمازال العرب ينقسمون إلي بائدة و باقية , عاربة و مستعربة , و مازال أزلئك من جرهم , و هؤلاء من ولد إسماعيل , و ما زال امرؤ القيس صاحب "قفا نبك..." و طرفة صاحب "لخولة أطلال ..." و عمرو بن كلثوم صاحب "ألا هي ..." و ما زال كلام العرب في جاهليتها و إسلامها ينقسم إلي شعر و نثر . و النثر إلي مرسل و مسجوع , إلي آخر هذا الكلام الكثير الذي يفرغه أنصار القديم فيما يضعون من كتب و ما يلقون على التلاميذ و الطلاب من دروس"
طه حسين ..."في الشعر الجاهلي "

صحيح أن بن نبي حين يتحدث عن مشكلة الثقافة فانه يعني بها اسلوب حضارة يحرك الإنسان , و لا يعني بها المعنى الآخر الذي قد يتبادر للذهن و الذي يعني الإشتغال بالفكر , و هذا المعنى أيضا هو ما يقصده طه حسين في حديثه عن مستقبل الثقافة , لكن هذا لا يمنع هنا من كون التطرق للمعنى الآخر للثقافة أمر ضروري في سياق حديثنا , و بالطبع لا يمكن الإتيان الآن على كل تلك التعريفات أو التفصيلات التي خضع لها مصطلح مثقف بمعنى المشتغل بالأفكار , لكن يعنينا هنا فقط تفريق رئيسي أثاره علي حرب في كتابه "أوهام النخبة أو نقد المثقف ", و هو أن ثمة فارق بين المثقف و المفكر , فالمثقف حارس هوية داعي لأفكار معينة لا يبحثها , في حين أن المفكر هو الذي يناقش الأفكار و يبحثها و يبدع أفكارا , و دعنا من تسميات حرب فالهمهم الآن هو هذه اللمحة لفارق بين طريقتين في التعامل مع الأفكار ممن يتشغلون بها بين من يحرسها و يعيد تكرارها و صياغتها و بين من يحاول إبداع الجديد و صياغة الواقع مفهوميا , و ربما لا نتفق مع كون حرب يرجع هذا التمسك العجيب بالأفكار بمنأى عن مشرط الناقد لوهم المطابقة بين الفكرة و الحقيقة  و هو وهم ارسطي ديكارتي , فلا شك أننا لا زالنا نحتاج للسؤال لماذا تعامل مثقفونا مع فكر ارسطو نفسه أو ديكارت عن التطابق بإعتباره في هوية و تطابق مع الحقيقة و لا يمكن تفسير هذا بإنه بسبب وهم التطابق الديكارتي لأن هذا يوقعنا في دور منطقي , فنفسر تعاملنا هذا مع الأفكار بكونها تطابق الحقيقة بأن سببه ديكارت , ثم حين نسأل و مالذي جعلنا نتعامل هكذا مع ديكارت تكون الإجابة بسبب وهم التطابق !! , و يخرجنا من هذا الدور البحث داخل الثقافة نفسها _بمعناها الأول عند بن نبي و العميد _عن سبب لهذا التعامل , و ثقافتنا لأنها كما يقال عنها ثقافة متمركزة حول النص , فإن تعاملنا مع هذا النص يترك مجاله المحدود ليتحول لنمط تفكير حول أي نص أو أية منظومة فكرية أخرى , و بما أن هذا النص يحوي الحقيقة كلها بما هو كلمة الله الأزلية أو حكاية عنه ,  و فإن تعاملنا مع هذا النص هو النظر له بإعتباره خارج التاريخ و المجتمع بما يعني أنه لا يتم التفكير فيه بل يتم التفكير به , و لا يتم النظر إليه داخل إطار الواقع بل يتم إخضاع الواقع له , و لا يمكن هنا لعقل اللمثقف سوى الإنبناء على الدفاع لا التفكير ’, التكرار لا الإبداع , تغيير القشور لا اللباب ,  و لعله من اللافت أن هذا المثقف الذي هو في حضارتنا المتكلم وفقا للجابري قد تحولت وظيفته  كما يرى عبد المجيد الصغير في كتابه "المعرفة و السلطة في التجربة الإسلامية " بهذا الإنقلاب الجاري في التسمية و التعريف الذي جعل "علم الكلام" علما للعقائد "ينافح" عن العقائد الإيمانية أو أصول الدين بالأدلة العقلية بدلا من كونه كلاما حول السياسة "الواقع "  لتنحصر هذه الوظيفة في التبرير و الدفاع و التكرار _في أشكال جديدة ظاهريا كما صدرنا في كلام العميد _لا الفهم و التحليل و الإبداع و الجدة الحقيقة , المرتبطة بخروج العقل من الدوران في الأفكار التي تمثل سلطة عليه و على الواقع إلي الواقع نفسه لصياغته مفهوميا كما يقول علي حرب ..

 
التعمية على التكرار
______________

و حين يتحول الأمر من التكرار لتكرار التكرار أو حتى التعمية على التكرار بشكل جديد فإن الأمر يزداد صعوبة ,
وإن كان  القاريء لبن نبي يصادفه كثير من المعادلات التي تشبه معادلات الرياضة و الرسوم التوضيحية و التمثيل بالطب و الفيروسات و علم الأمراض , كل هذا في سياق تحديده مشكلاتنا و وضعه لشروط النهضة و محاولة الرقي بمسلمات النهضة لمرتبة العلم فإن كل هذا يبدوا مجرد قشرة خارجية فقط إذا ركزنا في خطابه ,
 فإن كان خطاب الإصلاح الديني مع محمد عبده و قبله الأفغاتي قد وضع لافتة رئيسية عليه و هي لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها , بحيث انحصر الأمر كله في التكرار الذي يبدو أكثر وضوحا في تفسير انحدار الأمة بإبتعادها عن الأصل أو الإسلام الأزلي الذي خانه الأسلام التاريخي مما يعني أن مشكلة أمتنا أنها ابتعدت عن التكرار_ هنا نذكر قولة الأفغاني الشهيرة لابد أن نثبت لهم أولا أننا لسنا مسلمين  _!! , فإننا نستطيع أن نرى في مشروع المصلح الجزائري الكبير مجرد تكرار لخطاب الإصلاح بنفس مضمونه و منطلقاته و الياته و إن كان بن نبي يضعها في هيكل يبدوا جديدا من الرطانة العلمية في ظاهرها فقط , فمالك بن نبي يرى أن الأمم في صعودها و انحدارها تخضع لقانون صارم تماما كقوانين الفيزياء التي نصنع بها الجسور , و إن كانت غفلتنا عن قوانين بناء الجسوء أثناء بناءها يسبب انهيار الجسر كله فإن تغافلنا عن قوانين تطور الحضارات أثناء بنائها يسبب مزيد من الإنحدار , و هو كلام جيد جدا إلا أن مالك بن نبي لا يخبرنا عن قانون تطور الحضارات بل فقط يترجم مسلمة الإصلاح و لافتته بلغة جديدة  مدعومة برسوم توضيحية لتصبح لا تتطور الحضارات إلا بالفكرة التي كانت سببا في إحياءها فهي مركب حضارتها"الفكرة الدينية" , بل إن هذه الصياغة الجديدة لم تكرر فقط بل إنها ذهبت أبعد كثيرا من خلفها الإصلاحي في نفي الواقع الذي يعد الإلتفات إليه مزية الرؤية العلمية التي يخايل بها خطاب بن نبي, فإن كان المصلح يرى أن الأمة صلحت بالإسلام فإن بن نبي لا يرى وجودا لللأمة أصلا قبل الإسلام , و من هنا يشيع في كتاباته كلام مثل "الإنسان الفطري " , و الأمة العذراء و تراكيب مثل تشرق شمس الحضارة بما تشير إليه قبلها من ظلام دامس , أو
 تصوير الجاهلية بالإنسان في عمر الطفل يتمحور فقط حول الأشياء  , كل هذا يجعله يرى أنه لو كان لكل أمة ميلادان روحيان أولها عند ميلاد الفكرة الدينية منشأ الحضارة عند بن نبي و ثانيها عندما تسكن هذه الفكرة النفوس  , و إن كانت أمة المسيح ولادتها الحقيقة كانت مع الأمم الجرمانية البدوية و ليس في اليونان , فإن ولادتي الأمة الإسلامية جمعتا في وقت واحد , حيث كان عند اليونان خليط ديانات و فلسفات منعتها عن تشرب روح المسيحية , أما في الإسلام فكانت الأنفس عذراء كما قلنا فسكن الإسلام النفوس , و هذا النفي التام لوجود أي فكر قبل الإسلام و الذي يتبدى الغرض منه في صيانة الأفكار المطبوعة التي تمثل أساس حضارة الإسلام و هي أفكار القرآن من أي صلة تربطها بالواقع السابق عليها تنزيها لها تماما من أدران الواقع و إخضاع الواقع لها في كل زمان و مكان و تعليق النهوض بالعودة إليها , قد يكون قدحا في هذه الأفكار ذاتها حيث كما وضح طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي " أن أدراك العقول لبلاغة القرآن و فهم تعاليمه غير ممكن إلا إذا بلغت العقول قدر من النضج يتضح بصورة أكبر في طريقة عرض القرآن حججه في مواجهة مشركي قريش الذي يجادلون كما يقول العميد في البعث و الخلق و المجزة و إمكان الإتصال بالسماء و هي مسائل يفني الفلاسفة اعمارهم فيها دون أن يوفقوا فيها لحل , و ليس الغريب هو هذا الإستدلال المنطقي من العميد و الذي يتجاهله بن نبي بل الغريب كون طه حسين في هذه النقطة بالذات هو متابع لإمام الإصلاح محمد عبده الذي افترض المعرفة الجيدة بواقع قريش و معجمها اللغوي قبل الإسلام لفهم القرآن !!هذا يعني أن تعامل بن نبي مع فكر الإصلاح لإنه تكراري لم يستطع سوى الإحتفاظ بالمتكرر داخل الخطاب و غفل النظر عن رؤية بعض الأفكار التي تؤذن برؤية جديدة قد تتجاوز أزمة الخطاب المتمثلة في غياب الواقع من بين يديه ..

 و ليس الابتعاد عن الأصل و تكراره عند بن نبي مجرد فكرة يتم الدفاع عنها بل هي  مفتاح تفسير كل شيء في واقعنا , فتفسير قضية مثل استيراد الأفكار المميتة الغربية يتم تفسيره أيضا بنفس الطريقة , فحين ابتعدنا عن الأفكار المطبوعة و فقدت أفكارنا الموضوعة الصلة بها امتلأ واقعنا بالأفكار الميتة التي تمثل فيروس وراثي يمتص الميكروب الوافد أي الأفكار المميتة , و لكي يوضح بن نبي عبثية فكرة الإستيراد  يستخدم مجاز من عالم الطبيعة و هو مجاز البذرة المتكرر عند عدد لا بأس به من المفكرين ,  شريعتي مثلا , فيقول المصلح الجزائري " لا يحمل الطعم إذا حمل ثمار الأرومة التي وضع فيها بل ثمار الأرومة الأم "  و هذا المجاز يستخدم لإيضاح أنه لا يمكن للأفكار المستوردة أن تعيش بيننا إلا كما يعيش الشجر المشترى جاهزا و الذي يغرس بقوة و عنف في التربة فيشبه فقط البستان المنقول منه في ظاهره في حين لا يستطيع أن يثمر و يزهر,  فقط تهيئة التربة و انتقاء البذور و غرسها و تعهدها هو الطريق لصنع حضارة حقيقية , لكن مشكلة هذه الفكرة هي أنها تصطدم مع نفي بن نبي الحاسم أي علاقة بين الأفكار المطبوعة و واقع جزيرة العرب , بحيث أن هذه الأفكار في هذه الحالة ليست سوى أفكار مفروضة على الواقع "التربة " و ليس شيء مزروع فيه و ليست القضية هنا في كون هذه الأفكار الهية أو غيره حيث أن المشكل هو العلاقة بين الفكرة و الواقع و ليس طبيعة الفكرة, فليس ثمة مشكلة أن تكون الفكرة الهية لكنها تحترم قانون الواقع و لو من باب احترام الأفهام كما يرى محمد عبده , بل إن نفيه وجود أي أفكار في هذه التربة تعترض تشرب تربة النفوس لبذور الإسلام و الذي سبق القول أنه يجعل الإسلام هو الخالق لحياة العرب و ليس فقط المصلح أو الموجه لها , لا يفعل سوى تأكيد كون مجاز البذرة عنده لا معنى له , فإن الغرس هذا و العناية يتطلب فترة طويلة تعني أنه كان ثمة رقي و محاولات قبل الإسلام لتجاوز الواقع المتدني جاء الإسلام فتوجها و مضى بها لأبعد نقطة ممكنة , و هو ما لا يقوله أبدا بن نبي لينفي أي علاقة للأفكار بالواقع , و لا نعلم بعد هذا كيف يعترض بن نبي على استيراد الأفكار إذا كان خطابه كله تأكيد لهذه الفكرة !! فالبدء من الواقع و زرع البذور فيه غير ممكن إلا بإعادة الإعتبار له في نشأة و بلورة الأفكار  و ليس بتعليقه بأفكار لا علاقة لها به ينحصر مشكل النهوض في قدرتنا على تكرارها و إحضاع واقعنا لها.


من الأشياء للأفكار بين العميد و مالك بن نبي
_____________________________

"فالعالم الإسلامي يتعاطى هنا (حبة) ضد الجهل , و يأخذ هناك (قرصا ) ضد الستعمار , و في مكان قصي يتناول (عقارا ) كي يشفى من الفقر , فهو يبني هنا مدرسة , و يطالب هناك بإستقالاله , و ينشيء في بقعة قاصية مصنعا . و لكنا حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح البرء ,....إن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن "الحضارة هي التي تلد منتجاتها " و سيكون من السخف و السخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة , حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها "
مالك بن نبي ..."شرو النهضة "

 يرى مالك بن نبي أننا اهتتمنا كثيرا بالأشياء على حساب الأفكارو هو محق تماما في كون الحضارة الحقيقية ليست الأشياء ,  و هو يفسر هذا الكلف بالأشياء أيضا  بأننا نعيش شيخوخة ابتعدنا بها عن أفكارنا المطبوعة التي يمثل الاختفاظ بها توازنا بين عالم الأشياء و الأفكار و الأشخاص , و لفقدان قدرتنا على الإبداع و خلو عالمنا من الأشياء مما يؤدي للكلف بها , أي أن موت الأفكار سيؤدي إلي أفكار مميتة و نظر للأشياء بإعتبارها تمثل الحضارة فيتم تكديسها , و الحل عنده هو إعادة بناء الأفكار التي ماتت , لكن هل هذا الإحياء أو إعادة البناء سيؤدي لإحداث التوازن و لصنع حضارة من الأفكار بدلا من الظن بأن الأشياء كافية ؟

, ربما تظهر ملامح الإجابة إذا قلنا إن المشكل في كونننا كلفين بالأشياء و كوننا نستوردها كعلامة على الحضارة هو أننا لا نستطيع سوى استيرادها لا صنعها , و استيرادها سببه عدم قدرتنا على إبداعها و سبب هذا هو العقل المتعلق بالنص المشتغل تحت سقفه الذي قد يصاحب العلم لكنه لا يصنعه _كما يقول الجابري_  أو يتزيى به كما عند بن نبي ,

فهذه الزخرفة بالمصطلحات العلمية و التنقل بين علوم الطبيعة و الحياة  في صياغة نفس المسلمات التقليدية ليس سوى وجه من أوجه تناقض خطاب الإصلاح الراغب في الإتجاه نحو العالم محتفظا بنفس مسلماته و أفكاره و طرائقه بمنأى عن أي نقد , فتكديس الأشياء و المؤسسات و الشكل الخارجي للدولة الحديثة إلي محاولة التغطية على تكلس الأزهر بتدريس العلوم الطبيعية داخله رغم  اختلاف مناهجها عن مناهج دراسة العلوم التقليديه داخله , إلي آخر كل هذا ,  بدء منذ الطهطاوي بل و شيخ الأزهر حسن العطار كحل لكل الأمور , أو بدقة كحل لقصر التحديث على الخارج للحفاظ على نفس الأفكار التي نحملها دون نقد أو فحص , و لا يختلف تغطية مسلمات الإصلاح الذي يرى الحل في تكرار الأصل ببعض الكلمات و المصطلحات التي تبدو علمية عن تغطية الواقع المغرق في التقليدية و القبلية ببرلمانات و مؤسسات تفتقد شروط وجودها الموضوعية ..
و هذه التناقضات كلها هي التي طرحت نفسها على وعي طه حسين أحد وارثي خطاب محمد عبده , ليس فقط في النقد الموجه دوما لثنائية التعليم ككاشف لثنائية الوعي, بل بكون كتب طه حسين هي دراسة لنفس الموضوعات التي يتناولها الخطاب التقليدي لكن بطريقة علمية تعتمد المناهج الحديثة , و تستثمر الأفكار التي تناسب هذا المنهج داخل خطاب الإصلاح , و إعتماد طه حسين على المنهج العلمي ذاته و ليس قشرة من المعادلات و الرسوم يعني إدراكه لهذا التناقض الذي لم ينتج عنه سوى التمسك بالقديم و استيراد الأشياء الحديثة بدلا من إبداعها , بحيث يمثل فعله هذا التهيئة الحقيقية للتربة لبذر الأفكار الجديدة , و من الموضوعات الرئيسية التي تعتبر موضع شديد الخصوبة لاختبار طريقة اشتغال عقل المفكر و هل هو عقل علمي أم لا , هي الخلافات بين الصحابة , هذا لإن هذه الخلافات يصعب تفسيرها طالما أننا رأينا ما قبل الإسلام مجرد جاهلية لا ينبغي أن تفهم و أن أهل الجزيرة فطريون دخل الإسلام فجأة إلي نفوسهم العذراء أي طالما فسرناها تفسير غير علمي  ينفي الواقع ,مما يجعل تفسير الخلاف بين الصحابة بعد سنين قليل من وفاة مؤسس الدين نفسه أمرا غريبا ,  لذا فتفسير هذه الخلافات عند أصحاب هذه الرؤية يحور و يدور كثيرا ثم يلجأ لكثير من العوامل المتوقعة انطلاقا من طريقته في التفكير , فإن كان نفي وجود للواقع قبل للإسلام معناه الإغراق في كون وجود الإسلام في هذه المنطقة لا يخضع لأي تفسير عقلي موضوعي بل يترك للإرادة المطلقة , فإن حل الإشكال الناتج عن هذا يكون بإفتراض ارادة بشرية مطلقة أيضا هي سبب الفتنة , و هنا يحمل مثلا ابن سبأ الفتنة بإعتباره يهودي دخل الإسلام مختارا لافساده , و لكن بن نبي لا يعرض هذا الرأي لإنه يريد رأي له شكل أكثر علمية فيتم النظر للخلافات بإعتبارها نتاج لتغير نفسي للمسلمين أو بمصطلحه هو انفصام للدافع الذاتي الذي حرك الرعيل الأول _و كأن الرعيل الأول لم يشهد خلافات _ ليبقى السؤال كما هو و لماذا حدث الانفصام بعد ما تشربت النفوس العذراء الإيمان ؟
 فتأتي الإجابة بأنها خيانة الأفكار المندمجة في السلوك و التي خانت الأفكار الأصلية المطبوعة و التي تتسلسل عبر الأجيال كجرثومة مرضية تفسد المجتمع , و لكن يبقى السؤال و لماذا خانت النفوس المؤمنة الأفكار المطبوعة ؟!
 و هكذا من سؤال لسؤال دون إجابة أو تفسير مقنع سوى ترديد كلمات الأمراض و الجراثيم و العلل و الفيزياء و الجسور , حيث هذه الصعوبة في إيجاد تفسير ناتج عن مشكلة الإصرار على نفي الواقع و اللجوء لأي تفسير أرادي أو نفسي يركد هذا النفي, و رغم أن طه حسين لا يرجع الخلافات هذه لخلاف بين الصحابة كان موجود قبل الإسلام إلا أن  تعامله جاء متوافقا مع منطلقه العلمي حيث اعتبرها نتاج لظروف موضوعية تتعلق بإختلاف طبيعة العرب و المسلمين عن طبيعة الأمم المغلوبة_ و في النهاية لا يعنينا مضمون التفسير بقدر ما يعنيا كونه نابع من قراءة موضوعية تثبت الواقع و لا تنفيه _  , و لم يكن في ظننا نفيه وجود شخصية بن سبأ إلا كما لاحظ علي الوردي نفي لتلك الرؤية السكونية التي تنفي حركة الواقع المتعلقة بقوانينه و التي لا ترى الحركة إلا بفعل إرادة مطلقة خارجه , كالإسلام الذي يخلق الأمة من عدم خلقا كما يرى بن نبي الذي لا يرى أي حركة داخل الواقع قبل الإسلام حيث هو ساكن متجانس مكون من نفوس فطرية ملتفة حول الأشياء !!
فالفارق بين تفسير العميد و تفسير بن نبي هو كون الأول يلجأ للعوامل الموضوعية التي سببت خلافات الصحابة , أما الثاني فإصراره على نفي الواقع و قوانينه مع الرغبة في المخايلة بالعلمية ينتهي إلي مجرد كلام عن خيانة الأفكار و عودتها للإنتقام !!
و هذه المخايلة قطعا لا تستطيع حل إشكال تكديس الأشياء و لا الكلف بها و اعتبارها الحضارة نفسها حيث لا يكون الحل إلا بتكريس عقلية علمية تضع الواقع في قلب رؤيتها , 
لكن هذه المخايلة تكشف عن كون العلاقة بين الفكر التقليدي الإجتراري الدائري و الفكر النقدي المرتبط بالواقع ليست بسيطة أو عادية بل هي علاقة شديدة التركيب , بحيث لم تقتصر محاولة الفكر التقليدي صيانة نفسه  عن طريق إلصاق كل التهم المعقولة و الغير معقولة بالفكر الآخر و تكفير أصحابه و الإستنغاثة بالحكومات لتكبيلهم و مصادرة كتبهم و تقديمهم للمحاكمة , و لا حتى المجاورة بين فكرهم التقليدي و الفكر الحديث في صور هجينة , بل تتمثل المحاولة الأهم في تزيين أفكارهم بقشرة خارجية علمية علّها تحجب عن الأنظار تكلس المضمون , و لكن لإن الأمر ليس سوى مجرد زينة خارجية فإن المشاكل المطروحة تظل قائمة دليلا على فشل الخطاب ...

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

الله و العالم ......أو تجاوز انشطار الذات


" و في عبادته للاله يحاول أن يتصل بذلك الشطر من نفسه الذي فقده عن طريق الإسقاط , و هو يتوسل الآن إلي الإله بعد أن أعطاه كل ما يملك , لكي يعيد إليه بعض ما كان يملكه أصلا .و لكنه بعد أن فقد نفسه أصبح تحت رحمة الإله تماما , فهو يشعر بالضرورة كما يشعر "الخاطيء" , مادام قد جرد نفسه من كل ما هو خير , و لن يستطيع أن يسترد ما يجعله إنسانا إلا بفضل الإله و رحمته , و في سبيل إقناع الإله بأن يمنحه شيئا من حبه , ينبغي عليه أن يثبت له شدة حرمانه من الحب , و في سبيل إقناع الإله بأن يهديه الحكمة الفائقة , ينبغي عليه أن يثبت مدى حرمانه من الحكمة إذا ترك لنفسه "
إيريك فروم ....الدين و التحليل النفسي 


من غير المنطقي أن تقتصر محاولة الإصلاح على إصلاح العقل فقط , ليس فقط لكون الإنسان عقل و وجدان , بل لإن الوجدان ذاته لا يمكن الإفصاح عنه إلا عبر عقل معين , و أيضا لإن وجداننا ليس فقط مجموعة من المشاعر بل إن وجداننا يستقر فيه عدد من الأفكار و الرؤى العقلية التي تتحكم بالطبع في عقلنا الواعي , لذا فمفهوم جدا هذا النقد الذي يوجهه برهان غليون في كتابه "الوعي الذاتي "لخطاب محمد عبده حديثا و خطاب المعتزلة قديما لاقتصارهم في النظر إلي العقيدة على الجانب العقلي و إهمال التجربة الذاتية و الوجودية "الوجدان" ,
فهذا في رأيه كان سبب لحرمان خطاب الإصلاح لعبده من قاعدة شعبية قوية , لإن الهجوم على التصوف أدى لكبت المشاعر الدينية ثم انبعاثها حول أهداف و رموز سلبية , طائفية أو مهدوية , و يرجع غليون هذا الإهمال لضغط الظروف التي تشكل فيها الخطاب و التي جعلت مشكل العقل له الأولوية كلها و بالتالي أدى لإختلال التوازن , و في ظل مطلب التوازن ذاته يرى فهمي جدعان في كتابه " الماضي و الحاضر , دراسة في تحولات التجربة الفكرية العربية "  أن الطريق الملكي للإصلاح يتمثل في استعادة محاولة الأشعري الجمع بين العقل و النص و الوجدان , الذي انحرف مع الغزالي لإعتبار الوجدان نفسه أو الروح بديل للعقل ذاته , و بالتالي فسواء غليون أو جدعان فتفسير الإنحراف تجاه الروح أو الوجدان من جهة أو تجاه العقل من جهة أخرى أسبابه خارجية عن منطق العقل الذي نشتغل من خلاله , لكن ربما إعادة صياغة المشكل بشكل مختلف يظهر لنا أمور أخرى , فنظن أن تلك الصياغة , (مشكل خطاب الإصلاح أنه مال لعقل , مشكل الغزالي انحرافه عن طريق الأشعري الملكي ), هي السبب في كوننا نبحث عن أسباب خارجية لتبين أسباب هذه الأزمة , في حين لو طرح المشكل بصورة أشمل بحيث يكون لماذا  الإتجاه للعقل مفضي دائما لإقصاء الوجدان , و الإتجاه للوجدان مفضي دوما لإقصاء العقل؟ , أي طرح المشكل بإعتباره هذا التناقض القائم في أذهاننا بين العقل من جهة و الوجدان "الروح" من جهة , هذا يجعل في استطاعتنا بصورة أكبر رؤية السبب الحقيقي وراء هذا التناقض , و مبدئيا علينا ملاحظة أن ما يقوله جدعان عن انحراف الغزالي هو رؤية مكررة يذكرها كثير من الباحثين في تناولهم الإمام الغزالي "1", و هي مصادرة في حقيقة الأمر على كون خطاب الأشعري وسطي و توفيقي , و لإنه لا يكفي لخطاب ما أن يسم نفسه بالوسطية أو أن يجمع داخله النقائض حتى يكون خطابا توفيقيا , فإن محاولة تبين صحة هذا الفرض أو المصادرة تعد واجبة , و حتى لا يطول بنا الأمر فالسؤال الجوهري هو هل لا يمكن تفسير هذا الميل للوجدان عند الغزالي بالعودة لخطاب الأشعري نفسه ؟ أو بصورة أخرى هل ممكن اعتبار صوفية الغزالي امتدادا لأشعريته ؟ أو بصورة أكثر دقة هل يمكن النظر لخطاب الغزالي بإعتباره فضحا للمخفي في خطاب الأشعري ؟ إن الأشعري المؤسس حين اعتمد في صياغته عقائده على قواعد الشافعي التي تعطى الأولوية للنص على الواقع و العقل , ثم اعطى لهذه الطريقة سندها الأقوى بعقيدة أزلية النص فإنه قد قرأ بالفعل علاقة الله بالعالم قراءة معينة , و هي علاقة العالم فيها لا يتقوم بقانون بل هو خاضع تماما لإرادة خالقه , أي أنها علاقة تبعية فقيرة  يصفها علي مبروك في كلمة واحدة بأنها ليست علاقة , و لا يمكن تصور جعل القرآن معنى قائم بالأزل و الحرف الفاني تعبيرا عنه توفيقا بين القائلين بأزلية القرآن و خلقه , بل بالأحرى تلك الصورة لا تزيد فكرة فقر العالم و هامشيته إلا وضوحا , فالمعنى خارج العالم لا يمنح الله العالم منه أكثر من صدى صوت , لذا فإصرار الغزالي على نفي السببية إبرازا لوجه الله السلطاني و على السفر عروجا في السماء بروحه وصولا للمعنى تجاوزا للحرف الفاني الذي تعرفه العقول هو الاإمتداد الطبيعي للأشعري , فالعالم هو أيضا إشارة على الله تماما كحرف القرآن , لذا فهو مجرد معبر لماوراءه , و الإشارة يقرأها العقل "الفقه , التفسير , التأويل , علوم الكلام " لكنها أبدا لا ترضي الروح  , و لإن الإشارة أو العلامة شديدة الفقر لأنها فقط تشير و لا تنقل من الحقيقة إلا الظل فهي تستحيل سدا يحجب الحقيقة  و لابد أن يتم التخلص منه , لذا نرمي وراءنا البدن و العالم و الحرف لنعبر للحقيقة طالما أنها وحدها الحقيقة , فطالما أن ماوراء العالم أفضل من العالم و المعنى خارج العالم و الأرض يجكمها النص الخارج عنها , فمهما قيل عن وسطية الأشعري و توفيقه فإنه يظل كلاما فوق السطح ينتظر عبقري كالغزالي للإفصاح عن عمقه !!
و أخصب موضع لإظهار هذا العمق الذي يحتله الإله مطلق الإرادة نافيا تقوم العالم و مخضعا العقل للروح هو رؤية الغزالي للوحي , يقول نصر أبو زيد في الفصل الذي عقده عن الغزالي في كتابه "مفهوم النص " إن حركة الوحي النازلة من الله إلي الإنسان و التي تعني الكشف و الإفصاح و البيان قد تحولت في الفكر الديني المتأخر إلي حركة صعود من جانب الإنسان إلي الله ذاته , و على حين كانت حركة الوحي في بدايتها تستهدف الإنسان بما هو عضو في جماعة و من ثم تستهدف إعادة بناء الواقع لتحقيق مصلحة الإنسان و لإشباع حاجاته المادية و الروحية , فقد كانت الحركة الإنسانية في التصورات الصوفية  حركة للخلاص الذاتي ...لقد تحولت حركة الكشف إلي محاولة اكتشاف , و صار النص الكاشف مجرد أداة لاكتشاف قائل النص و التوحد به ..."
و بالتالي فإن الوحي ليس تجربة  يتخارج فيها الإله عن ذاته إلي العالم , بل هي تجربة تتطلب منا نحن الخروج من العالم بإلغاء العقل و الواقع و الحرف الذي يحجب جلال الحقيقة , و بالتالي فهي تجربة روحية غير عقلية في مبناها أو محاولة تفسيرها , بل إن العقل ليس فقط مستبعد بل  تابع لها لإنه تابع في إدراته للواقع للنص نتاج هذه التجربة في خطاب الأشعري المؤسس , و هذا معناه أن عدم قدرة العقل على مباشرة الواقع لإنه عقل تأويلي _أو أشعري كما يقول الجابري _"2 " و هي الأزمة الأخرى التي تؤرق غليون تنتج عن هذه الرؤية نفسها لعلاقة العالم بما وراءه و التي تلغي العالم لحساب ما وراءه , مما يؤكد أن  كون الإتجاه للعقل لا يؤدي إلا إلي إفقار الروح و العكس بالعكس , و أن الإتجاه للروح هو الأكثر منطقية حيث المعني خارج العالم و العقل حيث المعنى صفة الله الأزلي , يرجع كله لتصرونا عن الإله صاحب الهوية المغلقة التي تتأبى التخارج ....

و هذا الإله نفسه هو الذي يحتل خطاب عبد الكريم سروش رغم أن ظاهره يوحي بغير ذلك , فإن كان المفكر الإيراني الكبير يرى أن تجربة الإتصال بالسماء هي تجربة بعدد نفوس الخلائق و أن النص غير حاكم على الواقع مما يعطي إيحاء بتحريره من قبضة النص الأزلي , إلا أن أسباب عدم حاكمية النص للواقع عند سروش هي ما تكشف عن هذا الوجه للإله الممتد من الأشعري عبر الغزالي , فالنص غير حاكم عند سروش لإن الدين غير علماني كما يذكر في كتابه "الدين العلماني " , فالدين عند سروش هو تجربة روحية , صعود آخر نحو الله , و العالم مطلب لابد من إشباعه سريعا بواسطة العقل لتتفرغ الروح لرحلتها سر وجودها , مرة أخرى الله \ العالم , الروح \ العقل , و سروش حين ينزع عن الأصل المفارق "النص" أصليته لكونه حرف أو بلغة سروش مستعيرا من كانط نتاج لتجربة النبي المحددة في الإفصاح عنها بقوالبه العقلية "المرتبطة بعالم الظواهر , عالم الحس " الغير قادرة على النفاذ لعالم الشي في ذاته "الله " , فإنه يمضي أبعد من الإمام الغزالي في إظهار تلفيقية الأشعري باقية الأثر في خطاب الغزالي , فإن كان النص تم نزعه عن سياقه ليصبح أزلي بما يعينيه من نفي لقوانين يتقوم بها العالم فهو ينفي تماما أهمية العالم , و بالتالي من غير المنطقي أن يطلب قائل النص منا أن ندير عالمنا و نهتم به إذا كان هو أصلا زائد عن الحاجة و منفي في نصه الأزلي , حيث يصبح الإهتمام به إبتعاد عن النص بما هو أزلي غير واقعي , بهذا يصبح الغزالي حين يجعل النص حاكم على الواقع الغير مهم أصلا  وارثا لبعض تناقضات خطاب الأشعري التي تنجلي عارية مع سروش حين يعلن إغلاق التجربة على العبور الروحي لما وراء العالم و نفي العالم عن  إهتمامهما ليؤكد تلك الصورة للإله صاحب الهوية المغلقة الذي يأبى الخروج عن ذاته ...



التجربة كحركة ..أو مسافة المسيري
_______________________
ربما مفهوم المسافة عند المسيري و الذي يراه مميزا للرؤية التوحيدية في رؤيتها للوجود (الله و الطبيعة و العالم ليسوا كل واحد بل الله تفصله مسافة عن الإنسان و الطبيعة  كذا الإنسان تفصله مسافة عن الله و الطبيعة ) يعطي ايحاء بحكم حرفه حتى بعلاقة لا تقوم على الصعود لله بل على الحركة من الإنسان و الله كليهما , أي أنها تعطي إيحاء بتخارج الله عن ذاته , و علينا فحص هذا المفهوم جيدا حتى نستطيع تبين هل هذا الإيحاء صحيح أم لا , لكن علينا أولا فهم نظرة المسيري للعلمانية حيث تتحدد رؤيته التوحيدية تلك في مواجهة العلمانية كما يراها , فنقول إن المسيري لا يرى مثل البعض أن العلمانية هي فلسفة مادية تقصي الروح بل هو يراها قائمة على إذابة الروح في المادة , الله في الكون  الإنسان في الطبيعة , فالثنائية الأزلية التي تحير الإنسان عنده ليست (روح \ مادة أو الله \ عالم) , بل هي (ثنائية \ واحدية , حلولية , مادية أو روحية ), لذا فإن كان البعض يرى علاج الأزمة التي تولدت عن العلمنة هو إضافة الروح , فإن الحل عند المسيري يتمثل في "المسافة " , في النظر للوجود بإعتباره ليس كل مصمت بل عالم يفصل بين حدوده مسافة , و لو سألنا المسيري لماذا يتجه الإنسان لإختزال هذه المسافة التي يراها هو أصلية في الوجود , فإن المسيري يقول أن الإنسان تتنازعه نزعتان ربانية تحاول الحفاظ على المسافة , و أخرى جنينية تحاول اختزالها رغبة منها في العودة لعالم فردوسي سائل واحدي ليس فيه مسافات , عالم يشبه عالم آدم قبل أن ينطق باللغة "التي خلقت المسافة بينه و بين الطبيعة " , لكن لو تأملنا قليلا سنجد أن هذا يعني أن مرحلة التوحد الفردوسي هذه هي جوهر الوجود أصلا و أن خلق آدم و منحه اللغة شيء طاريء على الوجود , نزعه من هذه الحالة الأصلية قرار آلهي , ويمضي المسيري ليخبرنا عن كون الإله حين يمنح آدم اللغة ليفصله عنه و عن الطبيعة فهو لا يمنحها كاملة بل فقط دوالها أم المدلولات فهي في يده لا زالت !! , و حين يرسل الله لنا رسالة يظل معناها الأزلي عنده و لنا الحرف الفاني , و حين يحدثنا فهو يحدثنا عن مالا نرى , عن الغيب و ليس عنا و عن أرضنا , و بالتالي فهي ليست رسالة حيث المرسل إليه "كعضو في جماعة يحيا في العالم " غائب  , و هي ليست مسافة , حيث الله لم يخرج عن ذاته , و تفقد اللغة كونها أداة للتواصل لتصبح أداة لحجب الله عنا أو بلغة المسيري للحفاظ على المسافة , و تظهر وهمية مفهوم المسافة بصورة شديدة الوضوح , حين يصبح الضامن لاتفاق الدوال و المدلولات هو الله , و الضامن لعدم تدخل الله في التاريخ "للحفاظ على المسافة بين عالم حرية الإنسان و بين الله " هو الله فهو وعدنا ألا يتدخل في التاريخ , أي أن المسافة ليست شيء في جوهر الوجود بل هي منحة من إرادة مطلقة تعد و تضمن , و كونها تعد و تضمن ينفي تقوم التاريخ و اللغة بأي قانون من ذاتهم حتى نضطر لإثبات تقومهم باللجوء لخارجهم أي بنفي تقومهم , فالمسافة لا تكون جزء من الوجود إلا إذا كان الله هوية متخارجة يفترض آخر و ليس يختار بحرية لا اكتراث وجود هذا الآخر "العالم , و الإنسان" , أي أن مفهوم المسافة عند المسيري بما هو مقحم و هجين على التصور التقليدي للوجود و لصورة الإله لا يفعل أكثر من إظهار عدم قدرة هذا التصور على إعطاء العالم تقوما أو الإنسان حرية أو اللغة جوهرها أو الرسالة معناها !!
, أي أنه لا يفعل سوى إظهار ضرورة تجاوز هذا التصور ! "3"


من العبودية إلي العبادية
______________
لو عدنا إلي تعليق نصر أبو زيد على تحول الوحي إلي تجربة صعود لله , و سألنا كيف يرى نصر أبوزيد الوحي؟ , صحيح أن نصر لا يتفرغ لحل إشكالات لاهوتية , لكن نظرة نصر للقرآن نفسها تفترض حامل لاهوتي معين , فنصر حين يحاول موضعة الواقع و الإنسان داخل الخطاب القرآني و حين يقول إن القرآن حياة , فهو لا شك يرى تجربة الوحي كتجربة من أجل الواقع لا للخروج منه , و هذا يعيدنا للإشكال الرئيسي و هو صورة الله , أي أن السؤال يصبح هل تتغير صورة الله عند نصر عنها في رؤية من ذكرنا في السطور السابقة ؟
على الأقل مرتين يتعرض نصر لعلاقة الله بالعالم و الإنسان  في كتابه "نقد الخطاب الديني " , المرة الأولى حيث يصل بتحليل الخطاب الديني لكون أحد منطلقاته الذهنية و آليات تفكيره رد كل الوقائع إلي علة واحدة هي الإرادة المطلقة , و المرة الثانية حين يتحدث في الفصل الثالث "دراسة إستشكالية لأنماط الدلالة" عن التحويل الدلالي الذي قام به القرآن في لفظة "عبد " عند وصفه لعلاقة الله بالإنسان , و كيف أن القرآن نقل العلاقة مع الإنسان من العبودية بمعنى الإنسحاق للعبادية بما تعنيه من كون الحب و استقلال الذات ركن أساسي فيها , رفض فكرة العبودية أو إهدار كل القوانين بإطلاق الإرادة المطلقة هو اعتراض على صورة الله \ السيد \ الملك \ المستبد , و العبادية التي تعنى عبادة مطعمة بالحب هو محاولة لتأسيس صورة جديدة , و إن كان ما يميز صورة الله \ السيد \ الملك \ المستبد هو أن علاقته بالطرف الآخر "العالم , الانسان " علاقة أحادية , من اتجاه واحد فقط , أي لا علاقة كما تقدم , فإن شرط الصورة الجديدة هو كونها قادرة على صنع علاقة حقيقية , مليئة بالحركة  , و لكي تكون العلاقة بهذه الصورة , لابد أن يفقد الاله استبداده النابع من كونه هوية مغلقة يستمد وجوده من انغلاقه على ذاته ليصبح الإله متخارجا عن ذاته ...
و هو يتخارج عن ذاته في الوحي , الذي يصبح اتجاه العقل  للعالم , حيث تجلي الإله المتقوم بذاته  , و العقل تجلي الروح , و هذا التصور يقضي على الأبوية و الهرمية التي تسكن ثنائيات الله \ العالم , روح \ مادة , وجدان \ عقل إلي آخره , و يحتاج و يفترض في نفس الوقت إضاءة لتجربة النبوة نفسها و فهمها فإن كان تصور سروش و قبله الغزالي و الأشعري يجعل النبوة إما إختبار مطلق من الله أو كسب نتيجة لنمو قدرة روحية _غير عقلية _ عند النبي , فربما لو كنا نصريين أكثر من نصر لربما كنا سنقول وفقا لرؤيته السابقة تلك أن تجربة النبوة هي نتاج تطور ملكة العقل نفسها في قراءة الواقع !!


_______________________________________________

"1" قراءة نصر للغزالي تتميز عن غيرها بكونها تستحضر الجانب الأشعري إلي جوار الجانب الغنوصي في تفكيره , في حين يقتصر البعض على قراءة الغزالي كخاضع للأفكار الغنوصية وحدها بما يعني كون التصوف العازف عن العالم هذا و الذي يؤدي لإستقالة العقل هو نتاج تأثير ثقافات غير إسلامية على الإسلام , و ربما هذا لسيطرة فكرة كون الإسلام يوفق بين هذه العالم و ماوراءه , و العقل و الوجدان إلي آخره

"2" يرى الجابري في كتابه "الخطاب العربي المعاصر ....دراسة تحليلية نقدية " أن عقل الإصلاح الديني هو العقل الإشعري بالذات الذي لا يخالف فيه العقل النص لإنه تابع له , و الذي لا يستطيع بطبيعة الحال أن ينتج علما لكنه فقط قد يكون صديقا له !

"3" و الغريب و الكاشف أن المسيري حين يحاول في كتابه "
العلمانية الشاملة و العلمانية الجزئية " تطعيم أطروحة برجر و فيبر التي تفسر نشأة العلمنة بأنها امتداد للأديان التوحيدية  الأد بكون الروافد الحلولية داخل التراث التوحيدي هي السبب في نشأة العلمانية الحلولية التي تختزل المسافة لإنه يرى الرؤية التوحيدية تقوم على  المسافة , فإنه يشير إلي تراث القبالاة الحلولي , و تراث القبالاة الحلولي هذا هو نتاج لرؤية تنسب للإله تلك الهوية المغلقة التي تتجلى في الإستبداد , فذوبان الإله في العالم عند القبالي لا يمكن تفسيره بكونه تخارج للذات مثلا بل يفسر بكونه رغبة في الهيمنة على الوقائع داخل العالم و التخلص من التاريخ الإنساني لمصلحة تاريخ إلاهي محدد سلفا بحيث تصبح التفاصيل في العالم علامات متطابقة مع ما قاله الله في التوراة الموجودة قبل العالم "تماما كالقران في التصور الأشعري , و لغة التوراة العبرية مقدسة عنهدم أيضا كالعربية في التصور الأشعري "  !!, و هي لو كانت رؤية طارئة على التوحيد فهي ليست طارئة على التصور السائد للإله و الذي يكرسه المسيري كما ذكرنا , هذا يعني أن المسيري حين أقحم مفهوم المسافة على بنية للوجود لا تحتمله فقد أعاد لنا نفس صورة الإله المستبد الذي يراه هو سببا في ظهور العلمنة التي يحاربها , و إذا كان يشدد على دراسة اسبينوزا و أثره في نشأة العلمنة الحلولية و هو يهودي , فإنه يتناسى أن اسبينوزا هو امتداد ديكارت الذي دشن العصر بضمان الإله قوانين الفيزياء , كضمان الإله عند المسيري لاتصال دوال اللغة بمدلولاتها و عدم التدخل في التاريخ , بحيث ذوبان الإله عند سبينوزا في الطبيعة أو رفع الطبيعة لمرتبة الإله أقرب أن يكون بسبب تعليق قانون الطبيعة في يد الإله وحده عند ديكارت و عدم تغيير النظرة لطبيعة الإله !!



الجمعة، 4 أكتوبر 2013

الروح \ المادة هرمية تتخفى وراء قناع التوفيق

"إن قضية الخلق , هي , في الحقيقة قضية الحرية الإنسانية "
 هكذا قال بيجوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق و الغرب " ليثير في أذهاننا عدد من الإشكاليات الفلسفية القديمة و الكبرى , يمكنننا الدخول لهذه الإشكاليات من خلال هذا السؤال الذي طرحته مشاغبة لانجه في كتابه "تاريخ المادية "(1) , و هو سؤال أي طريقي التفلسف أقدر على تحرير الإنسان , هل الفلسفة المادية أم الفلسفة المثالية ؟  لاشك أن كل فريق سيستطيع أن يجد له أدلة على كون طريقه الفلسفي هو طريق التحرير الوحيد , فلن يعدم المادي أن يقول إن المستبد لا يريد أكثر من تغيبب العقول عن رؤية الأسباب المباشرة الواضحة لمشاكلها و نسبتها إلي إرادة خارجة عن العالم حتى لا تقوم بمحاولة تغييرها , و أكثر من إقناعهم بتأجيل حلمهم في العدل لعالم آخر , لذا فليس طريق التحرير سوى التخلص من محاولات التغييب , و الأقتصار على عالمنا الذي نرى , ففيه الداء و الدواء و ما بعده محض خرافة صيغت لتبرير القهر أو للجهل بقزانين العالم , و لن يعدم صاحبنا أيضا من تزيين أطروحته تلك بأسماء لفلاسفة كبار عظام من التيار المثالي مثل أفلاطون لم يرتاحوا لحكم الناس لأنفسهم و لا حتى لتعميم المعرفة بينهم , تلك الفضيلة التي تحسب للسوفسطائييين بإخراج المعرفة من غموض و سرية الفيثاغورثيين لفضاء الأجورا , لإكمال ذلك الطريق الذي اختطه الفلسفة لنفسها منذ البداية حيث نزعت الكلمة من ملك القصر المسيني و كاهنه و أعطتها للديموس "الشعب " ليعرف بنفسه كما يحكم بنفسه (2), ثم أعادها فلاسفة المثالية للسماء و اشترطوا للوصول لها الصعود بجدل افلاطوني عبر المحسوس تجاه المجرد يقدر عليه الحر اليوناني و لا يستطيعه العبد الغارق في المادة , لكن الفيلسوف المثالي سيرد الصاع صاعين , و يقول إن التحرير لا يمكن أن يتم إلا بالتأكيد على كون الواقع ليس هو الواقعية النهائية , فهناك دائما مثال يتجه له الإنسان هو ما يحرره من قبضة هذا الواقع و من أن يتم إستعيابه فيه ,  سيرفع عقيرته قائلا من أين نستمد الأخلاق و الجمال إذ لم يكن العالم غير مادة ؟ و لن يعدم هو أيضا تزيين أطروحته بأسماء لفلاسفة ماديين كانت فلسفتهم تثبيت للوضع القائم المليء بالقهر , ألم يكن إستعمار الغرب للعالم مدعوم بنظرة مادية ترى أن الطيبيعة فضلت هؤلاء على هرلاء و أوكلت لهم حمل العبء ,و حسبت مدخلات الحرب و مخراجتها دون مراعاة كون الإنسان غاية لا وسيلة ,  كيف علاج هذا إذ إن لم يكن بالعودة للروح للمثال ؟


في الحقيقة نستطيع تصور استمرار هذا الجدل طويلا ربما دون حسم , و كل تهمة يكيلها كل صاحب فلسفة للآخر تستطيع أن تجدها عنده هو أيضا , فتقسيم الناس تقسيم أزلي لطبقات و نفي حرية الإنسان و قدرته على الفعل و تعتيم المعرفة و إحاطة مناهجها بسرية تجعلها مملوكة لفئة واحدة ,و تثبيت الوضع القائم و تأبيده ,  هي أمور موجودة في كل من التيارين الفلسفيين الكبار , و تظل حجج كل تيار مقنعة في ربط التيار الآخر بنيويا بالقهر !! و تظل حجج كل تيار في ربط نفسه بنويا بالتحرير أيضا مقنعة !! , فبالفعل لا يمكن أبدا تخيل إمكان تحرير الإنسان من قبضة الأفكار أو الأوضاع إلا بإرخنتها أي قرائتها قراءة علمية تفسر قوانينها من داخل العالم , في حين قد يميل التصور المادي لتصور العالم ساكن و حتمي و بهذا يصبح التغيير مستحيل حيث تختفي الحرية ذاتها و القدرة على الفعل !! , و إذا كانت الرؤية المثالية تجعل العالم هو موضع التغير لا الثبات و الأزلية الذي تحفظه لماوراء العالم فإنها أيضا قد تميل لإعتبار العالم غير مهم بسبب هذه السمات نفسها التي تعد عندها سمات نقص و ترك العالم يفضي يصورة عكسية لتثبيت أوضاعه , أضف إلي هذا كون نسبة العالم المادي نسبة تبعية تامة لما ورائه تجعل حتى حوادثه المتغيرة محكومة بالماوراء أي أنها أيضا فوق قدرة الإنسان على تغييرها !!
لهذا فإن محاولة تجاوز هذه الثنائية مادة \ روح أو بلغة اخرى عالم \ ما وراء لتحقيق التحرير الحقيقي للإنسان  هو ددين كثير من المحاولات الفلسفية و قبل هذا هو ديدن الأديان ذاتها بإعتبار من أهم أهدافها إن لم يكن الأهم هو تحقيق التوازن للإنسان و تحريره , و بالطبع فإن القول بإن الدين الإسلامي استطاع تحقيق هذا التوازن بين عالمي المادة و الروح و العالم و ما وراءه إلي ما يتبع هذا من ثنائيات مثل العقل و الوجدان و العلم و الدين و العمل و العبادة , نقول إن هذا القول مشهور لدرجة لا تحتاج منا لتكرار , لكن ما يبرر لنا الحديث عنها مرة أخرى هو ضرورة إعادة وضعه بين الأقواس , أشكلته , إخراجه من طور المسلمة إلي طور المشكلة التي تحتاج لبحث , هذه الضرورة تنبع من كون التوازن لا يزال مفقودا , و من كون تكرار مثل هذه المقولات عند عدد لا بأس منه المفكرين الكبار ليس سوى محاولة منا لإخفاء الشكل الحقيقي الذي تنظر به عقولنا لهذه الثنائيات ...

إفصاح زكي نجيب و إخفاء بيجوفيتش
_______________________
نستطيع أن نلمس و لو قدر من التقارب على الأقل في موضوع التوزان بين الثنائيات عند كل من زكي نجيب و علي عزت بيجوفيتش , فالقاريء لصاحب "عربي بين ثقافتين " و لصاحب "الإسلام بين الشرق و الغرب "  يستطيع تلمس الرغبة الشديدة التي يملأها الحيرة أحيانا في الجمع و التوفيق بين العلم و الدين و الإنسان و الله و العالم و ماوراءه , بل إن كان عملاق التنوير يرى أنه أول من وضع إشكالية النهضة بإنها إشكالية التوفيق بين الأصالة و المعاصرة , فإن هذا الإشكال لم يغب عن ذهن بيجوفيتش و إن بصورة أقل مما هي عليه عند وكي نجيب , لكن زكي نجيب يفصح ببساطة عن المأزق الرئيسي في قضية التوفيق_ و هو ما لا يفعله بيجوفيتش _ ,و هي أن أطراف الثنائية ليست متساوية , فالروح أفضل من المادة , و الدنيا مهما اهتم الإسلام بها فهي جسر إلي الآخرة الخير و الأبقى  , و الحياة حتى لو هامة فهي ليست الحيوان , بهذا تتجلى الهرمية التي تحكم كل الثنائيات , و التي تفعل فعلها في إفشال كل محاولات التوفيق التي يجهد نجيب نفسه في محاولة عقدها , فبعد أن وضع الدين و الأخلاق و الفن في جانب الأصالة "الوجدان" و العلم في المعاصرة "العقل" , فإنه لا يضعهم أبدا على قدم مساواة , فالعلم يظل خاضعا للدين كما نرى في موقفه من نظرية داروين , و يتجلى أكثر في قبول طريقة تعامل مع النص لا تستطيع أبدا الإتساق مع الطريقة العلمية في التفكير , فالتعامل مع النص وفقا لآلية التفكير بالأصل بما تنطوي عليه من نفي قوانين اللغة و الإجتماع و التاريخ لا يستطيع سوى تهديد الرؤية العلمية و ضربها في الصميم , أي أنه مؤذن في النهاية بتفجير تلك الوحدة الممتخيلة و إفقادنا هذا التوازن المنشود !!
غير أن من اكثر المجالات التي حللها العملاق بخصوبة و أصالة و قدرة أيضا على إظهار الحيرة هي محاولة توفيقه بين الفن و العلم الحديث (3) , فالرجل بعقل نابه يلمس كون الفن العربي القائم على مراعاة النماذج المعدة سلفا أكثر من مراعاة الواقع و تجربة الفنان يعد مهددا لتوجيه العقل إلي الواقع , و لكن وضعه للفن في جانب الأصالة يجعله يتردد في رفض هذه الطريقة في التعبير عن الوجدان لينتهي به الأمر لمحاولة التوفيق داخل الفن نفسه بين الفن القائم على الفردية و التجربة المعاشة و بين النظرة الكلية التي تمثل جوهر رؤية العربي للعالم , هذا يعني ببساطة أن محاولة التوفيق بين العلم و الفن انتهت لمحاولة توفيق بين الفن و الفن !! مما يعني أن محاولة الدكتور إحداث توازن لم تفعل سوى كشف اللاتوزان الحقيقي بين عقل العربي و وجدانه الذي يعمل على مفارقة العالم من جهة و بين العلم الحديث الذي يتجه له من جهة أخرى بسبب الهرمية التي تحكم علاقة العالم بما وراءه في أذهاننا , تلك الهرمية المخفية و التي أفصح عنها هو بذكاء !!

و تفصح أيضا هذه المحاولة عن إدراك عميق لعلاقة الفن الحديث بالرؤية العلمية الحديثة لإشتراكهم في الأصل الفلسفي و هو رفض النماذج السابقة التي تمثل وصاية على العقل و تحجب عنه الرؤية الواضحة لواقعه و التعبير الحر عن وجدانه, و هو الإدراك الغائب عن ذهن بيجوفيتش !! , لكن لتوضيح هذا علينا أولا التنبه لكون الأمر عند بيجوفيتش هو عكسه عند زكي نجيب , فإن كان زكي نجيب بحكم محاولته تكريس رؤية علمية يحاول التوصل لفن يستطيع التوافق مع هذه الرؤية , فإن بيجوفيتش يتعامل مع الفن بإعتباره طريق الخلاص من العالم المادي الذي سقط فيه الإنسان في العصر الحديث, و هو و إن كان لا يرفض العلم إلا إنه يفضل الفن عليه , فلا يمكن مساواة تأمل تولستوي في مصير البشر و إبداع بيتهوفن لسيمفونيته بإفناء جليليو عمره في التفكير في مسألة  سقوط الأجسام أو بتفكير نيوتن في الجاذبية,
فالفن روح و إلهام و طريق إلي الله بإستعادة لحظة الخلق لحظة الحرية كما صدرنا كلامنا,  في حين العلم مادة , و الروح أفضل  من المادة و الإتجاه لما وراء العالم أولى من الإتجاه للعالم , هذه الرؤية الهرمية التي أفصح عنها نجيب و يخفيها بيجوفيتش وراء "الوحدة ثنائية القطب " تلك المقولة التي يرى فيتش أن الإسلام حققها في كل شيء و يحاول هو قراءة كل شيء من خلالها , فالثقافة روح و الحضارة مادة , و الفن روح و العلم مادة , و لإن بيجوفيتش يتجاهل العلاقة بين الفن الحديث بكل تطوراته حتى الفن العبثي يقدرته على سبر أعماق الإنسان و تحريره و تجسيد تجربته و فهمها من ناحية و بين العلم الحديث و منهجه من ناحية أخرى فإن محاولته تخرج من نطاق التوفيق إلي نطاق الإضافة و التجميع الغير واعي , فإن قبول هذه البينة الهرمية و محاولة إخفائها سيجعل العالم في تصورنا تابع تام لما ورائه و ما يتبع هذا من إفقار للعالم و التجربة المعاشة فيه لصالح نماذج أزلية تحدد طريقة نظرنا للعالم و طريقة تعبيرنا عن وجداننا نفسه !!
مما يعني أن الفن المعبر عن الإنسان و طموحاته و أحلامه و انكساراته لن يصبح له وجود في ظل هذه الرؤية , و لعل ممن تنبهوا لفكرة إخضاع الفن العربي للنماذج السابقة هو محمد قطب في كتابه عن الفن الإسلامي لكن لإن قطب يظهر بوضوح رؤيته الهرمية فإنه لا يقبل هكذا الفن الحديث بكل تطوراته بل هو يضع نموذج بديل للفن يظهر فيه الإنسان بالصورة التي رسمها القرآن و التي و إن جمعت الروح و المادة و الانتصار و الإنكسار إلا أنها لا يمكن أن تحتفل بلحظات الإنكسار و الخطيئة كما يفعل الفن العبثي الذي يدافع عنه بيجوفيتش بإعتباره رغبة في عالم أفضل تنطلق من إدراك لعبثية العالم المعاصر "الواقع " , فالفنان عند بيجوفيتش مرتبط بواقعه و معبر عنه في حين عند قطب هو معبر عن النموذج , و فكرة النموذج لا يمكن تجاوزها بالإشادة ببكيت بل فقط بتجاوز ما يؤسسها من هرمية تنفي عن العالم تقومه بذاته و خصوبة تجربته و حرية العقل في قرائته و التعبير عنه و عن وجدانها دون التقيد بنماذج معدة سلفا و هو تجاوز غير موجود عند بيجوفيتش بل يتم التعمية عليه بالوحدة ثنائية القطب ..

في قلب الثنائيات
___________
" السر يوجد في الدنيا كما يوجد ورائها , و السماء و الارض و الاشياء تخاطبنا في كل حين , علينا أن نعي ما نقول , فأنا اعشق السر كما يتجلى في هذه الدنيا , كما سأعشق وجوده بعد الموت "

اسماعيل قدري من "قشتمر " لنجيب محفوظ

في قلب كل هذه الثنائيات تتمركز الثنائية الرئيسية و الكبرى و هي ثنائية الله \ العالم , و تتجلى فيها بقوة تلك الهرمية التي تجعل العالم مجرد تابع خاضع للإرادة المطلقة الغير محددة , هذه الإرادة أنشأت العالم انشاءا لمحض لمشيئتها و بالتالي فالعالم زائد عن الحاجة , كان و كان من الممكن ألا يكون إلا أن الإرادة شاءت هذا , و هذه الرؤية التي تجعل العالم لا قوام له وقفت كحاجز أمام كل محاولة من العقل لجعل العالم مفهوما , فتحرير العلم من قبضة اللاهوت معناه تحرير العالم من الإرادة المطلقة و إثبات تقومه بقانون داخله يستطيع العقل قرائته , و أهم المحاولات في العصر الحديث في هذا الصدد هي محاولة أبي الفلسفة الحديثة ديكارت , لكن ديكارت لم يضع موضوع الإرادة المطلقة موضع سؤال بل إنه اكتفى بتعديل متعلق هذه الإرادة معتمدا على عناصر أخرى داخل اللاهوت الكاثوليكي , فمتعلق الإرادة لم يصبح اللاقانون بل أصبح القانون , فالإرادة المطلقة ارتأت أن تحد نفسها بقوانين لإن هذه الإرادة هي إرادة إله رحيم غير ماكر يريد أن يهيديني و يجبني مزالق الشيطان الماكر , فخلق العالم واضحا مفهوما بقوانين حتى استطيع قرائتها , لا شك هناك محاولات تشبه محاولة ديكارت هذه تحاول البحث عن إثبات لتقوم العالم عن طريق الإعتماد على الله , و إن كانت أصالتها و إحتفائها بالعقل أقل كثيرا من ديكارت كما يظهر من أنها لا تقيم هذا على أساس قراءة عقلية لله بل عن طريق اللجوء فورا للنص , المهم أن هذه الرؤى تبحث عن إثبات تقوم العالم بقانون عن طريق اللجوء لما وراء العالم , وبصورة أوضح في حالة من يلجأ للنص لإن فيها يتم القيام بإثبات القانون يتم برفع القرآن فوق الواقع أي نفي قوانين الواقع , معنى هذا إن كل هذه المحاولات و إن بدرجات مختلفة تنفي تقوم العالم بقانون حال إثبات تقومه بقانون!! هذه المفارقة وحدها دليل على الحاجة الماسة لإخضاع هذه الثنائية لقراءة جديدة تخلصها من تلك الهرمية التي تسكنها ..
و الغريب أن قراءة هذه الثنائية وفقا لعلاقة أخرى تختلف عن العلاقة الأحادية موجود له بدايات بالفعل داخل التراث التوحيدي نفسه , فقراءة بعض المتصوفة على رأسهم الشيخ الأكبر ابن عربي (4 )  تجعل العالم قد خلق بصورة "ضرورية " حتى يرى الله كمالاته في العالم , أي أن العالم هو تعين إمكانات الخالق نفسه و بالتالي فوجودها ليس وجود شيء زائد كان ممكنا ألا يوجد بل هو وجود تفقد الألوهية ذاتها معناها إن لم يكن موجودا , و وضعنا كلمة ضروري بين معقوفتين هو لإزالة سوء الفهم المتوقع تجاه تلك اللفظة بإعتبارها توحي أن هناك شيء آخر أجبر الله على خلق العالم , فليس هكذا الأمر فالخروج من العلاقة الأحادية يخرج بنا أًصلا من ثنائية اختبار مطلق \ جبر , فالخلق هنا إبداع تتجلى فيه الممكنات فهو اختيار و ضرورة في آن , و إذا كانت الحرية عند بيجوفيتش لا تتعارض مع وجود قوانين للعالم و في رأيه هذا أيضا تصور الإسلام , فإن هذا الطابع الثنائي للحرية متجذر في الخلق نفسه , أليست قضية الخلق هي قضية الحرية كما يقول في المقطع الذي صدرنا به هذه السطور ؟!!

العلم و الفن مرة أخرى
______________
القراءة التي يقرأ بها بيجوفيتش كانط هي قراءة محكومة بالهرمية المتعمد إخفائها في خطاب بيجوفيتش !! ,  فالنظر لفلسفة كانط بإعتبار أنها لإنها فلسفة تثبت عدم قدرة العقل النظري على إثبات وجود الله و الخلود و الحرية في حين يستطيع هذا العقل العملي فإنها فلسفة تكشف عن تناقض الذات البشرية هي في الحقيقة نظرة ملئية بالمشكلات , فأولا هذه القراءة لا تكشف عن تناقض الذات البشرية و لا شيء بل هي بالأحرى تكشف عن التناقض الذي سببه الفصل الحاد بين العقل و الروح في الفلسفة الحديثة و الذي يسبتطنه بيجوفيتش بحيث لا يعيد التفكير في الرؤية الحاكمة للعلاقة بين العالم و ماوراءه المسؤولة بقدر كبير عن هذا الفصل بل فقط يكتفي بنقل مركز الثقل للروح ظنا منه أن هذا سيحل الأمر, و فلسفة كانط تنبع من إحساس بإنسحاق الأخلاق و الجمال و الحرية تحت قطار العلم الحديث ,. لكنها حين تأسس هذه الأخلاق و الجمال فإنها تأسسها على العقل أيضا !! فأخلاق كانط و رؤيته الجمالية هم رؤيتان عقليتان , فالجمال عند كانط مثلا ليس محض شيء شعوري كما نظن بسبب وقع المصطلح على أذهاننا بل إن الجمال عند كانط له شروظ على رأسها الكلية و الضرورة و هي نفس شروط القضايا العقلية في العقل النظري عنده , فالوجود عند كانط خاضع للعقل , النظري في العالم المحسوس و العملي و الجمالي فيما وراءه , فليست الأخلاق و الجماليات عند كانط شيء مفارق للعقل أو معجز له بل هي فقط تختلف عن العقل النظري المتعلق بالمادة بحكم تركيبته , هذا أولا ,  ثانيا : هذه الرؤية التي تجعل كانط يحاول تحديد حدود العلم ليفسح مكانا للإيمان و ليس البحث عن الإيمان داخل العلم نفسه محددة بالسقف المعرفي الذي يتحرك فيه كانط و المعتمد على يقين و صدق فيزياء نيوتن و هندسة إقليدس الذين جعلوه يعتبرهم جزء من قوانين العقل النظري نفسه و هذا كله انهار مع الفيزياء الحديثة و الهندسات الاقليدية , و معه انهارت فكرة عدم قدرة العقل النظري على الوصول لله و الحرية و خلود الروح و التي تطلبت البحث عنهم في العقل العملي و الجمالي , فهذه الفكرة كانت مرتبطة كما قلنا بكون قواعد الفيزياء و الهندسة جزء من بنية العقل الفطرية و ليست مجرد إبداع من إبداعاته  كما تبين لنا الآن _ و أهم أسباب هذا هو ما فعله ديكارت من إضفاء القداسة على هذه القواعد بإعتبارها متعلق إرادة الله _, و كون العقل النظري نفسه موطن إبداع يؤهله هو أيضا لإعادة لحظة الخلق في قرائته للعالم , مما يجعل العلم و الفن كليهما موضع إبداع و يساوي بين تأمل تولستوي في مصر البشر و تفكير جاليلو في مشكلة سقوط الأجسام , فكليهما تجلي للروح , فروح الإنسان سارية في كل نشاطاته , هذا يجعل الوصول لما وراء العالم لا يتطلب ترك العلم بالعالم أو تأجيله أو وضعه في مرتبة أقل من هيمان الروح بالفن الذي ينظر له بإعتباره مفارقة للعالم , بمعنى أن الوصول لما وراء العالم لا يتطلب الخروج من العالم ,  فإن كان العالم هو تجلي ممكنات الألوهة , فإن قراءته و الإنشغال به هو طريق معاينتها !! و عدم تبين بيجوفيتش لهذه الجوانب في فلسفة كانط نابع من كونه يقرأها برؤية تفصل بين الروح و العقل , الثقافة و الحضارة إلي آخر الثنائيات المبثوثة في خطابه و التي يظنها تمثل وحدة ثنائية القطب في حين خضوع أحد قطبيها للآخر مؤذن بإنفجارها في أي وقت !!

 و النظر لللعالم كموضع لتجلي الروح الإنسانية يحافظ عليه من النزعة الإستعمالية التي يشتكي منها عدد من الكتاب منهم بيجوفيتش و يرونها إمتداد للرغبة في السيطرة على الطبيعة التي بدأت مع العلم الحديث و يرون  حلها في موازنة الأمور بالإتجاه لتأكيد أهمية الروح و أولويتها و هو ما قلنا إنه إن لم يتخلص من البنية التي تحكم الثنائيات و الثنائية المركزية فيها فهي مهددة بعدم وجود علم أصلا و بسقوط الفن في النماذج المسبقة أي بقتل الروح نفسها !!

عود على بدء
_________
" إن المجتمع العاجز عن التدين هو أيضا عاجز عن الثورة "سبب هذا عند بيجوفيتش هو كون شرط الثورة مشاعر النضال و التضحية و العدالة و التضامن , بهذا تحول الثورة عند بيجوفيتش إلي محض مشاعر و تفقد شروطها العقلية التي أهمها كون الواقع ممكن تغييره , أي كونه نتاج فعل بشري , و حين نقرأ آخر فصل في كتاب بيجوفيتش ذاك الفصل الذي يتحدث فيه سريعا عن مشكلة الشر و المواقف الحدية التي تحيط بوجود الإنسان و تحعله عاجز عن السيادة على مصيره مما يبرر اللجوء لله و الإستسلام له وحده و طلب عنايته يثار في ذهننا سؤال هام و هو هل الإستسلام لله بإعتباره صانع المقادير و طلب عنايته هو طريق الثورة لتغيير الواقع التي يربطها بيجوفيتش ربطا حاسما بالدين و ينفي عن الدين أي وقوف ضد الثورات بل ينسب هذا للدين الرسمي دين المؤسسات ؟! أم أن الإيمان بكون الواقع قابل للتغير لإنه صنعة بشرية_ و هذا يتوافق بشدة مع التوحيد الذي يجعل المقدس واحد مما يعني أن الواقع قابل لتغير و اللتجاوز _ هو الطريق إلى جعلها ممكنة , لكن الإجابة ليست مستعصية حيث تفصح البنية الهرمية عن ذاتها بقوة في فصل بيجوفيتش بين العمل و نتيجته , ليجعل النتيجة بين يدي الله ليعود العمل في العالم فعل غير متقوم بذاته , يكتسب  وجوده من خارجه , خاضع للإرادة المطلقة !!
إن وجود الله لا يمكن أن يكون محررا لوعي الإنسان هكذا بإطلاق بل يتعلق الأمر بكيفية نظرنا لعلاقته بالعالم و كونها علاقة إبداع و تجلي تجعل العالم متقوم و ليس زائد عن الحاجة كمجرد نتاج للإرادة المطلقة ..


________________________________________________________
(1 ) آفاق الفلسفة ...فؤاد زكريا
(2 ) راجع دراسة جان بيار فرنان لنشأة الفلسفة في كتابه الرائع "أصول الفكر اليوناني "
(3) تناول زكي نجيب محمود للفن في مشروعه لتجديد الفكر العربي لمحاولة رائدة لتبين العلاقة بين الأدب العربي  و بين الفكر العربي و لربط تغيير النظرة إلي العالم بتغيير النظرة للتعبير عن وجداننا , فنحن لا نحتاج فقط لإعادة التفكير في عقلنا للعالم بل حتى في طريقة صياغتنا لمشاعرنا  , و أعقب هذا محاولات أدونيس و كليطو و غيرهم من المتخصصين في الأدب , و لا شك أن الأدب العربي نفسه منذ بداية تنبه لهذا بشدة كما يتضح في محاولات تغيير الأسلوب و نشدان الوضوح و التعبير عن الذات و نبذ النماذج و الأساليبالمعطاة سلفا ..
(4 )قطعا لا يمكن الحديث أو حتى الإشارة للشيخ الأكبر في هامش !! لكن نود فط الإشارة لكون فكر ابن عربي ينتهي لجعل العالم كله مرآة لله و أنه كما يرى نصر أبو زيد امتداد للرؤية الأشعرية للعالم التي تحاول أن تجعل كل العالم في قبضة الإرادة فنتهي لرمي العالم في لجة العدم  لكن ما قصدناه هنا في ذكر تلك العلاقة بين العالم و بين الأسماء الآلهية و التي هي علاقة حدلية و ليست علاقة أحادية هو فقط الإسيتئناس بتلك المحاولة لتحفيز عقولنا على التفكير في ثنائية الله \ العالم بصورة جديدة