الاثنين، 29 أكتوبر 2012

نجيب و الانسان و الثورة (2)



يطرح المفكر الايراني عبد الكريم سروش سؤلا يعد الأهم في هذه المرحلة باطلاق و هو سؤال ما الهدف من الدين الذي جاء به الانبياء ؟
  • تأتي أهمية هذا السؤال من كون الدين مكون هام في وعي و وجدان الانسان العربي و بالتالي فان أي نهضة مرجوة لابد من أن تنطلق من وضع تصوراتنا عن الدين موضع النقد
    .و يحاول سروش أن يقدم اجابة على هذا السؤال بعد أن يطرح الاجابات الممكنة و هو يحصر هذه الاجابات في اربعة :أولها أن يكون الدين لا فائدة منه لا في الدنيا و لا في الاخرة و ثانيها أن يكون الدين للدنيا و ثالثها أن يكون الدين للاخرة و الرابع أن يكون لكليهما , و لا شك أن الاول مرفوض , و الثاني الذي يجعل الدين من أجل الدنيا فقط بحث تصبح الاخرة مجرد هامش و الدنيا أصل يسميه سروش الدين العلماني و يراه خطرا على الدين حيث يحوله ألي ايدولوجي و مجموعة من القواعد لاصلاح الدنيا و يرة سروش أن هذا التصور لا يتفق مع رأي المتدينين حيث تهمش الاخرة هنا تماما , أما عن الشكل الاخير و هو أن يكون الدين من أجل الدنيا و الاخرة معا فيرى أن هذا التصور ليس له نتيجة واحدة و تختلف نتائجه وفقا لطريقة التفكير في علاقة كل منهما بالاخر , من التابع و من المتبوع؟ من الخادم و من المخدوم ؟و عند عدد من المجددين مثل الافغاني و شريعتي أخذ هذا التصور شكل معين هو أن الدين يعطي للانسان النعيم في الدنيا و في الاخرة معا و هنا يقول شريعتي " ان الدين الذي لا ينفع الانسان قبل موته لا ينفعه بعد موته أيضا " و لا يشكك سروش في وجاهة هذه الافكار حيث هي تجابه تراثا صوفيا لا يستهان به همش الدنيا تماما و انشغل بجهاد النفس عن جهاد الخارج مما أصبح ملاءما لنمو السلاطين الطغاة , و لكنه لا يرى هذه الرأي فهو يتخوف من أن تؤدي هذه الرؤية إلي تسرب الايدولجي الي الدين و اعتباره تعمير الارض و انشاء العلم و الزراعة و الصناعة ليست من مقاصد الدين الأصلية و ليس في الدين برنامجا لها  , و رأي سروش في هذه العلاقة بين الدنيا و الاخرة  تجعل الدين أصلا هو من أجل الاخرة و من أجل الاتجاه إلي الله و الانقطاع له لكنه يرى أن هذا غير ممكن الا بسد حاجات الدنيا أولا حتى يتفرغ الانسان بعدها إلي الله , فالدنيا قنطرة و الاهتمام بها ضروري اضطراري من أجل التفرغ للاخرة " فنحن نعمل بالنهلار لنصلي الليل "
    و لعلنا نختلف مع رأي المجدد سروش حيث هي رؤية لا تختلف كثيرا عن رأي الزهاد الذي ينتقدهم فبينا هم يرون الدنيا عائق لابد من التخلص منه بقتله هو يراها عائق لابد من التخلص منه عن طريق اشباعه و بهذا لم تبرح الدنيا مكانها كعائق عن الاخرة و لذا فما نرجوه من انسجام بين الدنيا و الاخرة " و هو ما يؤكد عليه المفكرون الاسلاميون دوما أن الاسلام ليس دينا أخرويا كالمسيحية " لم يتحقق بعد .و لتحقيق هذا الانسجام فربما علينا أثناء مقاربة علاقة الدنيا بالاخرة أن نخرج من علاقة التابع \ المتبوع , الخادم \ المخدوم , الأصل \ الفرع لعلاقة أخرى و هذه العلاقة تحتاج منا العودة إلي السؤال الأول "ما الهدف من الدين؟"الهدف من الدين هو أن يصل الانسان إلي ربه عن طريق تحرير امكانات الانسان حيث هذه الامكانات هي دليل الأصل الألهي و بالتالي فتحريرها هو الطريق إلي الله ..لذا فالدنيا ليست قنطرة أو عقبة لابد من التخلص منها (ب النفي عند المتزهدة \ الاشبااع عند سروش) لنتفرغ بعد هذا الي التبتل للواحد تحضيرا للنعيم الأبدي , بل هي المكان الوحيد الممكن لنصل إلي الله و الطريق الوحيد لاستحقاق نعيم الاخرة هو اخراج كل ممكناتك في هذه الدنيا , فممكنات الانسان لا تعمل إلا في العالم فالعقل عقل بشيء و الذات لا توجد الا لوجود الموضوع ( و لعل مسألة اخراج الممكنات و نعيم الاخرة تحتاج منا وقوف كامل مع قصة قصية لنجيب بعنوان السماء السابعة و لذا فنؤجلها لموضع غير هذا حيث هنا نشغل بالطريق و الشحاذ ) 


القران و تحرير امكانات الانسان
__________________
في الحقيقة أن فعل الانسان في العالم ليس أمرا يتم بسهولة فهو محدد بموقف ذهني من العالم  , و لن يستطيع انسان فهم العالم و تغييره دون تصور معين للعالم , و لهذا فان القران يقوم بتفكيك رؤى معينة للعالم نستطيع القول انها تجعل التعامل مع العالم مستحيل , و هذا هو انجاز القران الكبير حيث كما ذكرنا سابقا أن القران لا يفرض نماذج على الواقع بل يفكك نظام المعنى القائم خلفه حيث فرض النماذج على الواقع لا يغيره بل يطليه فقط, و لعل هذا يوافق ما توصل اليه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتبه حيث يرى أن الوعظ " فرض النماذج" لا يغير الانسان بل لابد من تغيير نمط التفكير و الا لن يفعل الوعظ سوى  تحويل الانسان لمزدوج شخصية (1)و لهذا فالقران لا يعظ في الحقيقة بل يفكك الأفكار و انماط الادارك التي تقف ضد تحرير امكانات الانسان الموصلة لله .
من تلك الأمور الأصلية التي تجعل العلم بالعالم و تفسيره تمهيدا لتغييره مستحيلا هو سحرية العالم أو تصوره مملوءا بالالهة , فهذا التصور يجعل دراسة العالم مملوءة بالمحاذير و الخطوط الحمراء و على مدى التاريخ وجدنا من تعرض للاذى من جراء هذا , فنجد اناكساجوراس يتعرض لسخط أهل أثينا نتيجة قوله أن الكواكب مجرد أحجار و أجرام لا قداسة لها و سبب من أسباب تعذر نقد فيزياء ارسطو طوال العصور الوسطى هو أنها مرتبطة بفلكه و فلك ارسطو مليء بالمحاذير حيث ما فوق فلك الفمر مقدسا و زاد الأمر صعوبة صبغ فكرة مركزية الارض بصبغة دينية , و دراسة اللغة العربية كما يقول طه حسين لا تمكن الا بعد التخلص من القداسة التي طالتها , و التاريخ لا يمكن دراسته سوى بالدخول اليه من مدخل زمني غير الهي كما يقول المسيري .
لذا فنقل القدااسة الي خارج العالم الي الله وحده هي الخطوة الاساس لفهم العالم تمهيدا تغييره " يسئلونك عن الاهلة" و قد كانت مقدسة عند البعض قبل الاسلام "قل هي مواقيت للناس و الحج" و بهذا يعود العالم إلي كونه خلقا لله و ليس مملوء بالالهة مما يجعل دراسته ممكنة و ينزع عن الانسان شعور الرهبة و الخوف و القداسة تجاهه بنقلها الي الله بعد ادخالها في وحدة أعلى كما ذكرنا سابقا.و القران فيما يرى الجابري استخدم طريقة القياس التي تنبع من قلب لغة العرب "قياس الغائب على الشاهد " لاثبات وجوده فهو يقيس وجوده "غائب" على نظام العالم المتقن "شاهد" و قديما قال الأعرابي "البعرة تدل على البعير .. والأثر يدل على المسير .. فسماء ذات أبراج .. وأرض ذات فجاج .. ألا تدل على العليم الخبير .."
و هنا يصبح العالم "عَلَم" أي دليل على وجود الله و لكن القران حرص على ألا يحصر كلامه عن الطبيعة في كونها دال أو أمارة على وجوده فقط حيث هذه الرؤية ينبع عنها افقار للعالم و للوعي ..يقول مبروك "من حيث يتحدد وضع العالم داخل هذه العلاقة- على فرض أنها حقاً علاقة- كمجرد دليل أو أمارة، فيما يتحدد عمل الوعي في مجرد الإحاطة بوجه تعلُّق هذه الأمارة بالمدلول أو الصانع سبحانه. ومن هنا أن الوعي، في كليته، لا يتجاوز في علاقته مع العالم حدود الانشغال ببيان وجه دلالته على ما يتجاوزه، وليس بالكشف عن قوانين كامنة تفسره وتنكشف دلالتها ضمن حدوده" " حيث الوعي الذي يعمل هنا هو مجرد وعي استدلالي لا يكتشف جديدا بل يسعى لاثبات ما هو مؤمن به أصلا" ..وترى يمنى الخولي في دراستها عن موقع الطبيعة في دوائر التراث الاسلامي "علم الكلام , الفلسفة و علوم الطبيعة و التصوف" "2 " أن الطبيعة كانت مجرد وسيلة لاثبات وجود الله فهي محض دليل و مكانها في التفكير كان دائرة الالهي لا الانساني و ترجع يمنى الخولي عدم وجود علم في عالمنا إلي هذا السبب حيث تقول "كان اقصاء الطبيعة عن نظرية العلم و الذي ساهم فيه الاشاعرة و المعتزلة على حد سواءهو السبب و العلة و الأصل ؛ أما المعلول و النتيجة و الأثر فهو أن أصبحت الطبيعيات الهية تدور في الدائة المغلقة من الثيولوجي ألي الانطواوجي و بالعكس , لأن الوجود اثبات لله و المعرفة اثبات الانسان "" و اخراج الطبيعيات من العلم مجال الانسان و وضعها في مجال الالوهية هو سبب انفلاتها من يد المسلم المعاصر "و هذا الافقار للعالم و لفعالية وعي الانسان و قدرته على كشف حقائق جديدة و تغيير العالم هو ما جعل القران كما قلنا لا يقتصر على وصف العالم بكونه مجرد علامة بل جعله ميدان لفهم الانسان و استيعابه تمهيدا للاستفادة منه "لتعلموا عدد السنين و الحساب" و لم يحصر الدليل على وجوده في العالم فقط بل " و في انفسكم " فالانسان في فهمه للعالم و استعابه و تغييره و اضفاء لمسته الانسانية عليه لهو أكبر دليل على وجود الله ..ليس هذا فقط بل قام القران بضرب فكرة التبعية حيث هي فككرة تفقر المتبوع و هذا من الممكن التوصل له بالتأمل قليل في الإصرار على شهادة المرأة و توريثها و تسمية سورة ب " النساء" فربما لم يكن الهدف مجرد رفع الظلم عن المرأة , فالتأكيد على مثل هذه الأمور بخصوص المرأة في مجتمع قبلي ذكوري يعني أكثر من هذا بكثير , إنه يمتد ليكون زلزلة لنظام القبيلة نفسه , اضف إلي هذا التحفيز على عتق العبيد و ذكر اسم صحابي واحد هو مولى من الموالي و ليس صريح النسب , كل هذا هو قلب لنظام القبيلة و خاصة فكرة التبعية التي تبدأ من علاقة الرجل \ المرأة , الحر \ العبد لتنتقل بعد هذا لعلاقة الله بالعالم فيصبح العالم تابعا لا استقلال له , فيتم تفسير الكون و حوادثه بالله " و هو غيب مطلق " و ليس بقوانين مستقلة يعرفها العقل , و يصبح العالم  الامارة على الله فقط ,
 لذا فان تفكيك القران لعلاقة التبعية هذه بما تحمله من افقار للمتبوع يشترك مع ما ذكرنا من عدم حصر الطبيعة في خانة الامارة في تحقيق استقلال للطبيعة يؤدي الي اغناء الوعي جوهر وجود الانسان . 
و بهذا فليست الطبيعة مجرد قنطرة لاثبات وجود الله بعدها نتفرغ للعبادة و التبتل بل هي موضع وعي فعال يقوم بالفهم المستمر والتغيير محررا لامكانات الانسان الدالة على الله و بهذا فليس العلم كما كان يرى سروش مجرد وسيلة للانسان يسهل بها حياته ليتفرغ لله بل ان العلم بما هو فعل الوعي الانساني و نقل للطبيعة من الحتم للحرية هو  ذاته طريق الي الله.



طريق الشحاذ"3"
_______


بطلا روايتي الطريق و الشحاذ هما باحثان عن الله لكنه بحث من نوع غريب فصابر الرحيمي يبحث عن ابيه من أجل الكرامة و السلام بعد ماضي لوثته الدعارة و القوادة في كنف امه و الجنس في عطفة الانفوشي تحت سماء الاسكندرية حيث تعود في طفولته على الرغد بمال قادم من امه بسيمة عمران و بعد موتها يجد نفسه مضطرا للبحث عن ابيه الذي تكشف له امه في اواخر ساعتها عن سره و سر حياته و انه لم يمت  , بحثه عن ابيه هو بحث عن ذاته نفسها لكن تظل روحه تنازعه بين استمرار الماضي ممثلا في كريمة ابنة صاحب الفندق الذي يسكنه في القاهرة في رحلة بحثه عن ابيه أو الاستمرار في البحث عن ابيه الذي يحن الي كرامته و سلامه مع الهام التي تعرف عليها في الجريدة التي ينشر فيها اعلان للبحث عن ابيه .و يشير جورج طرابيشي في كتابه الرائع " الله في رحلة نجيب" الي هذا التنافر بين الهام و صابر في التعامل مع هجران الاب فهو ينتظر قدومه بمعجزة لينقذه و حتى لا يبذل من الجهد الكثير للبحث عنه و يرفض البحث عن عمل فلا فائة من العمل اذا لم يظهر الرحيمي , اما هي فتعمل و تتجاهل هجرانه لانه هو الذي اراد ذلك و حين تعمل يظهر مرة أخرى الي الوجود , فالعمل في العالم هو الذي يظهر الله لنا فالله لا يظهر للكسالى أمثال صابر و حتى لا نظن أن أدانة نجيب لبطل الطريق " و لعلنا هنا قد نقول ان البطل هو الهام و ليس صابر فهي التي سارت الطريق الي الاب بالعمل في العالم " هو لانغماسه في كسل الشهوة و شبق الرغبة و انما لانشغاله عن رسالته كانسان بالعمل في العالم فان نفس الادانة من نجيب تتوجه لعمر الحمزاوي بطل الشحاذ حين تحل كتب الغيب محل كتب الاشتراكية في مكتبته فكأن نجيب يريد القول أنه لا فارق أن تهجر الدنيا في حانة أو في مسجد على سرير غانية أو في الرسالة القشيرية فالامر سيان طالما هجرت فعاليتك في العالم التي تعني وجودك ذاته  , و عمرو الحمزاوي يهجر ماضيه الاشتراكي و الشعري و ثورته على التقاليد و العالم و الرغبة في تغييره هجر كل هذا و استسلم لتيار الدنيا ثم أفاق على الم روحه التي خوت و من خواءها لم تعد قادرة على البحث عن الله بل هي الان تبحث عن النشوة , ان ما يقاسيه حمزاوي هو من جراء تخليه عن ذاته و عن طريقه الأصلي بتغيير العالم انه الان يتسول تلك الحقيقة المطلقة و لن يصل لها بل ستحدثه من الابدية قائلة "ان كنت تريدني فلماذا هجرتني ؟ " 


يرى عدد من النقاد ان ادب نجيب هو ادب تطهيري فدوما يتعرض البطل للعقاب نتاج حماقاته و هذا ما يحدث هنا حيث يتعرض الرحيمي و حمزاوي للعقاب حيث يسلكا في البحث عن الله طريق التسول طريق الشحاذ لا طريق العمل و مهم التأكيد على هذا حتى لا يظن البعض ان فشل البطلين في الوصول الي الله هو نزعة عبثية او عدمية بل هو في الحقيقة نابع من نزعة مؤمنة جدا بالانسان و بعمله في العالم حتى ترفض أن يصل الي الله أحد قاتلي الانسانية داخلهم أو أحد الباحثين عن الله كتئكة لكسلهم عن حل مشاكلهم التي يحيونها ليل نهار , فلا يصل الي الله ,  الي السلام و الكرامة و الحقيقة الا الذي يفعل في العالم و يغيره "و لعل من يصل الي هذا هو الهام في الطريق و عثمان خليل و ابنة عمر الحمزاوي في الشحاذ".
 فالدنيا ليست مجرد قنطرة بل هي الموضع الوحيد الذي تتحرر فيه امكانات الانسان , و العالم ليس مجرد امارة بل هو ميدان اغناء الوعي و انشاء العلم  تأكيدا لوجود الانسان المعجزة الحقيقة التي تركها الله باقية تشهد على وجوده في سعيها الحثيث إليه   ...



  • ___________________________________________________________________________________________
  • الهوامش 
  • "1 " يرى الوردي ان المسلم مسلم في الظاهر و باطنه بدوي , و رأي نزار قباني اننا اخدنا قشرة الحداثة و الروح جاهلية فنحن نعظ سواء بالاسلام او بالحداثة و لا نقوم بتفكيك بنى تفكيرنا أولا و في البداية كما هو المفترض ..
  • "2" في الحقيقة ان جملة مثل ان التراث الاسلامي عرف العلم الطبيعي تعد جملة فارغة من المعنى حيث هي جملة فاقدة الاحداثيات فهي لا تخبرنا عن هل هذا العلم كان مكتملا أم ارهاصات؟ كان متغلغل في الثقافة أم مجرد تيار هامشي ؟ اذا كان في المركز فكيف لم يبق في عقولنا اثار من هذا التصور التجريبي في حين التصور المعاكس له حتما لازال فاعلا بقوة ؟ هل هؤلاء العلماء كان تصورهم للكون نابع من الاسلام اصلا أم من فلسفات أخرى حيث لو كان من فلسفات أخرى يكون العلم في التراث الاسلامي نابع من فكر غير اسلامي أي ان الفكر الاسلامي التراثي لا ينتج علما .. ان العلم بالتراث يتطلب البحث عن النموذج المعرفي ورائه و الذي ينتظم معظم التيارات و يعطيها المعقولية و لعل هذا ما وصل اليه كتاب دكتورة يمنى "الطبيعيات في علم الكلام" حيث المتجه الالهي الذي يهدر الطبيعة و يضعها في نظرية الوجود لاثبات وجود الله أو المحرك الاول ساد كل دوائر التراث حتى دائرة التفلسف و الفلسفة الطبيعية حيث سيطر على بحوث ابن الهيثم و البيروني و غيرهم نفس المتجه الالهي ذاته
  •  "3"يقول سيد قطب عن رواية " خان الخليلي" :  إنك  لتقرأ  القصة  ثم  تطويها،  لتفتح  قصة  اإلنسانية  الكبرى.و لعل هذا يصدق في كل أعمال نجيب فكلما أردت أن تتحدث عن الرواية وجدت نفسك في بحر هائل من الأفكار و الرؤى و ها نحن نريد الكلام عن الشحاذ و الطريق فنجد الحديث يبدأ من عند سروش الاصلاح الديني و يمر بالتراث الاسلامي و بالقران قبل ان نستطيع التحدث عن الروايتين ..و لعل تحديد فكرة الانسان كمدخل لقراءة نجيب هون علينا الكثير من هذه البحور على كل حال ..


المراجع 
  • -الدين العلماني ...سروش1-
  • تكوين العقل العربي ...الجابري2-
  • الطبيعيات في علم الكلام ...يمنى الخولي3-
  • الخطاب السياسي الاشعري ....علي مبروك 4-

السبت، 6 أكتوبر 2012

نجيب و الانسان و الثورة (1)


" الثورة بالمعنى العميق للكلمة هي فعل انسنة أو بالأحرى إعادة انسنة لظواهر هي انسانية لكن تم رفعها من اطارها الانساني القائم على النقد و التجاوز الدائم إلي إطار يخايل بالكمال حتى يستعصي على النقد ,و قد يكون هذا الاطار هو الله أو الطبيعة "بما هي واقعة حتمية مستقلة عن الوعي" أو الواقع حين يتم تصويره كلحظة سرمدية لا سبب لها و لا منشأ , و ليست الثورة سوى اعادة لهذه الظواهر الي رحاب الممارسة الانسانية فهي بهذا فعل ينتصر للانسان و للتاريخ حيث يجعل الواقع أحد مراحله فقط و هو بهذا يحرر الواقع من جموده بارجاعه إلي أصله كامكانية قد تحققت فبينما تخدعنا كثافة الحاضر فنظن حضوره أزلي الا ان وجوده في الحقيقة ليس سوى  امكانية قد تحققت تخفي امكانيات أخرى كامنة قابلة للتحقق , و يكتمل تحريره للواقع بالكشف عن البنى الثقافية التي تنتظم حولها ظواهره و تعطيها معقوليتها و التي هي معقولية تاريخية حتما لانها فعل عقلي تاريخي حيث العقل بنية مفتوحة متجاوزة دوما لذاتها و لا تقف عند احد منتجاتها , و هذا النقد يفسح المجال لانبثاق ممكنات اخرى يخلقها العقل في حركته المستمرة....


الإنسان و الوحي
___________
هل جاء الاسلام لينفي تصور العبودية كعلاقة ذات أصل قبلي تحمل دلالة على التبعية و عدم الفعالية  أم جاء فقط لتغيير طرف هذه العلاقة بحيث يكون طرفها الله و ليس سلطان أو بشر ؟
لعل اجابة هذا السؤال هي ما دفعت نصر أبو زيد إلي معارضة تصور الحاكمية لسيد قطب حيث لاحظ أبو زيد اهدار مفهوم الحاكمية هذا لاستقلال الانسان حيث يتأسس المفهوم على نفي العبودية عن كل شيء و صرفها لله وحده حيث يقول قطب في المعالم "لا اله الا الله كما يدركها العربي العارف بمدلول لغته : لا حاكمية إلا لله , و لا شريعة إالا من الله , لا سلطان لأحد على أحد , لأن السلطان كله لله " و هذا التصور كما نرى لا يفعل سوى أن يجعل الله سلطانا مكان غيره بدلا من نقد فكرة التسلط نفسها !! , و يرى أبو زيد أن هذه الرؤية لا توافق عمق ما أراد القران حين نفى العبودية حيث ما أراده هو نفي العبودية نفسها كعلاقة و تأسيس علاقة جديدة مع الله مختلفة عنها و ليس الابقاء على علاقة العبودية ذات الأصل القبلي مع تغيير طرفها الأعلى من سلطان أو أي بشر ألي الله !!
فالاسلام أراد تحرير الانسان و لهذا نجده ينقد نظام القبيلة و يقلبه رأسا على عقب و رفع علاقة البشر به من العبودية للعبادية حيث الأولى مرتبطة في تراث القبيلة بنفي الفاعلية و الثانية "عبادية"  تنفي العبودية بحيث تدخلها في وحدة أعلى بعد أن تشرب بالحب و الرحمة و نقول تشرب ايضا بالفعالية و الاستقلال   .."1"
و هذا التصور حين ينسحب على الوحي فهو ينقل الوحي من كونه "سلطة "و نموذج مكتمل سلفا يفرض نفسه على الواقع إلي كونه "قد تشكل في التاريخ و بالتاريخ و من أجل التاريخ , الأمر الذي يعني أنه ليس أبدا مجرد مبدأ قسري مفروض على الحضارة من الخارج بسبب طبيعته المفارقة , بقدر ما هو المبدأ الباطني المعبر عن روحها الذاتي , و ذلك بصرف النظر عن مصدره المفارق , و الذي يلزم عن تصور فعله ضمن سياق لا تاريخي نقض مبدأ الوحي ذاته , لانه ابدا "فعل في التاريخ" لا خارجه " "2"
" و هذا معناه ان الانسان هو جزء من الوحي ذاته "اذ الانسان يعد جزءا من صميم بنية الوحي , لا بما هو مجرد قصد له _ بل و الأهم_باعتباره أداة حياته الحقة في التاريخ , و لقد كان ذلك هو ما أدركه الامام علي عندما أثيرت مسألة الحاكمية للمرة الأولى أثناء حرب صفين , بعد رفع خصوم الامام القران على أسنة الرماح و دعوا الي تحكيم كتاب الله , فما كان من الامام سوى أن نبه أصحابه الي ان القران انما "هو مسطور بين دفتين لا ينطق و انما ينطق به الرجال " و كان يعني بالطبع أنه ما من حضور للقران في العالم الا من خلال الانسان و به ""3"
 و هذا ما كان يؤكد عليه أبو زيد من أن التواصل الدلالي للوحي معنا و قبوله للعيش في كل زمان و مكان مرتبط بقراءة له تجادل سياقه اللغوي الداخلي بسياق نزوله  و تكونه بسياق القاريء نفسه , و هذا معنى التحرر من سلطة النص أو التحرر من النص كسلطة فمعناه البحث عن طريقة أخرى في التعامل مع الوحي تمركز الانساني في قلبه فتحرره من الجمود الذي يراد له ...
و ان كان ابو زيد يرى أن الاسلام حرر الانسان من العبودية كعلاقة متجذرة في الوعي القبلي و ليس من طرف فيها فقط , نجد أن فكرته عن النصوص تتطور مع علي مبروك لتصبح في سياق ما نستطيع القول عنه أن الاسلام في تعامله مع فكرة التفكير بالأصل أو النموذج الجاهز المكتمل ذات الجذر القبلي قد تجازوها نفسها و لم يضع القران كنموذج بديل لنماذج أخرى , حيث ينظر الاسلام للواقع بأنه يحمل نظام معني مختفي خلف الممارسات يتركز في القبلية لذا فالقران يفكك بنية هذا النظام بما هو مولد الشرك كما يرى شريعتي حيث الشرك هو تقديم مبرر لطبقية المجتمع حيث تتراتب الالهة في مراتب كتراتب الناس  و يكون الاله الاعلى هو اله القبيلة الاقوى بما ينطوي عليه هذا التصور من نظرة قومية للاله تتهاوى به عن تعاليه المفترض ..
فالتوحيد ينبثق بعد تفكيك بنية الشرك و لا يفرض كنموذج مكتمل على الواقع , و هذا واضح في أمور كثيرة منها موضوع المرأة و الرق فلم يفرض القران نموذج مكتمل على الواقع بل قام بتفكيك نظام المعنى خلف الواقع ليخرج ممكناته التي تتطور في الزمان.
و ارتباط الفكرتين ببعضهما أي فكرة نفي فعالية الانسان و طريقة التعامل مع الوحي كنموذج منجز خارج التاريخ قائم في عمق تراثنا حيث التصور الاشعري الذي جمع الفكرتين معا فحيث فعل الانسان هو فعل مجازي مجرد كسب لفعل قام به الله على الحقيقة و ما يحويه هذا التصور من تمركز حول الله و نفي للانسان و نفي للواقع و الذي يتحول من نفي لهم على مستوى الوجود إلي نفيهم داخل الوحي فيتم انكار ان الوحي تكون في التاريخ و في الواقع و ينتهي الي ان الوحي معنى قائم بالنفس أزلي و ليس المخلوق سوى حروفه , تماما كما أن فعل الانسان هو بما هو فعل الله هو فعل أزلي و ليس فعل الانسان سوى حرف له و مظهر و حكاية عنه و يزيد هذا وضوحا كون القران و افعال الانسان مكتوبان معا على اللوح المحفوظ!!

و التيارات الاصلاحية بدءا من محمد عبده اهتمت بأن تظهر الانسان كفاعل حر و لكن الغريب انها لم تهتم لقضية أزلية القران بل انها جمعت بين تصور حرية الانسان المعتزلي إلي جانب تصور أزلية القران الاشعري , ليس هذا وقفا على عبده بل ان أحد أهم المفكريين المعاصرين المدافعين عن حرية الانسان لدرجة الاصرار على أن "الله لا يتدخل في التاريخ" وهو المعروف  بالرفض التام للتصورات المهدويبة و المشيحانية التي لم تخترق فقط الاسلام الشيعي بل و السني ايضا و للتصورات الغربية للتاريخ بدءا من هيجل و ماركس الي فوكوياما و هتنتجتون كل هذا لان ما يجمع بين هذه التصورات كلها هو نفي فعالية الانسان , اقصد المسيري طبعا صاحب مقولة المسافة ,  فهو يرى ان جوهر التوحيد هو المسافة بين الخالق و المخلوقات بحيث لا يحل فيهم و لا يغترب عنهم, نقول انه برغم هذا التأكيد على حرية الانسان و صنعه للواقع و التاريخ  يقبل ببساطة تصور الاشاعرة عن الوحي باعتباره هو المحقق لهذه المسافة كما يقرر في كتابه  "اللغة و المجاز بين التوحيد و وحدة الوجود " فالله لم يترك العالم لكنه لا يحل فيه بل يتواصل معه عن طريق الكلمة عن طريق رسالة مركبة لها ظاهر و باطن و يتحرك الانسان لفهمها عن طريق مجادلة تصوراته مع النص في حركة حلذونية لا تتوقف للوصول الي المعنى الباطن..
و لكن لو سألنا انفسنا هل حقا هذه التصور للوحي يحقق أو يتفق مع تصور المسافة ؟
في الحقيقة ان هذا التصور للوحي انتج عند احد اهم أقطاب التصور الاشعري و هو الغزالي رؤية عرفانية واضحة و جلية لاي قاريء لكتب حجة الاسلام تجعل الوصول للتفسير مستحيل الا بالقضاء على تلك المسافة  و هذا منطقي بل شديد الاتساق فان كان المعنى الاصلي الباطن هو أزلي قائم بالنفس فليس لي من طريق للوصول اليه الا بالخروج من الواقع و التاريخ و لن يكون بالعقل الذي هو بنية مفتوحة على التاريخ بل بالخيال , لان أي حركة في التاريخ ستظل متعلقة ب"القشور" تاركة "اللباب" لاهل الله و خاصته العالمين بالعلم المضنون به على غير اهله طالما ان التاريخ ليس داخلا في بنية الوحي..
فربما لم يدرك المسيري أن هذا التصور للوحي باعتبار ان له جانبان ظاهر زائف مجازي و باطن حقيقي هو انعكاس لتصور الفعل الانساني باعبتاره من جهة الانسان زائف مجازي كسبي وانه في الحقيقة فعل الله  و لا علاقة للانسان به سوى بالكسب و هو قطعا ما لا يتسق مع تأكيد المسيري الدائم على حرية الانسان و صنعه هو للتاريخ "الذي لا يتدخل فيه الله " !!اي انه لم يدرك علاقة قول الاشاعرة بأزلية الوحي بتصورهم للفعل الانساني و لم يحاول الربط بينمها..
و رغم ان تصوره مقاربة الانسان للوحي كحركة حلذونية مستمرة بين العقل و النص بغية الاقتراب من المعنى الباطن يوحي باعطاء اهمية للانسان الا ان الامر ليس كذلك ,  فهنا الوحي مكتمل متكون سلفا و ينحصر دورالانسان في ان يكون اداة لتنزيل معناه الازلي المفارق على الواقع "و ليس أداة تكوين معناه نفسه"و الغريب ان تصور المسيري ان الله اعطى الانسان الدور في تكوين التاريخ نفسه و ليس ان يكون اداة يفعل بها الله لم ينسحب على الوحي بحيث يكون الانسان هو نفسه داخل في تكوين الوحي كبنية متحركة تلك الحركة التي يوقفها جعل المعنى موجود سلفا في "الباطن "
و لعل التصور الاقربب الي التناسق مع فكرة حرية الانسان هو ان الله انزل وحيا متحركا لان الانسان و التاريخ جزءا منه و تتوقف استمرارية حركته على قدرة الانسان ان يجادل سياقاته "الداخلي و الخارجي الذي تكون فيه و سياق القاريء "مكونا لمعناه فمعنى القران ليس قائم بالنفس في الازل بل معنى القران متكون بقراءة الانسان له  ..

و هذه التلفيقية بين فكرة حرية الانسان و فكرة أزلية الوحي يرجعها البعض للطبيعة التلفيقية لخطاب النهضة نتيجة انه خطاب تسربت اليه اليات السياسة النفعية في تعامله مع التراث بالذات الذي أضحى ميدان للانتقاء اعتبارا للمنفعة  بدلا من ان يكون موضوع للوعي العلمي و الموضوعي ,  و يرجعها مبروك الي ان خطاب النهضة باعتباره خطاب اهتم جدا بمعضلة السياسة كعلة للحداثة و ليس معلولا لها يهتم بالبحث عن نماذج جاهزة يفرضها فرضا على الواقع " حيث هو عقل قياسي فقهي يقيس فرع هو الواقع على أصل هو النموذج فيما يرى الجابري "انطلاقا من اهتمام السياسة بالثمرة لا بتقليب التربة , و لهذا يتم اختيار نماذج جاهزة سواء من الغرب أو من التراث و يتم فرضها على وعي غالبا يحمل طرائق و اليات تفكير_ و ليس فقط أفكار_ تقليدية تظل تزاحم هذه الأفكار على سطحها حتى تقصيها  و هذا بدلا من الطريق الطبيعي و هو محاولة تجاوز هذا الوعي نفسه بتفكيكه تمهيدا لانبثاق الوعي الجديد , و لكن الجدير بالملاحظة ان نفس الفكرة التي تستمر في عمق الوعي من عبده إلي المسيري رغم اقرارههما حرية الانسان هي فكرة تصور القران كمنجز جاهز خارج التاريخ  , و هذه الفكرة أو هذا التصور للقران الناتج عن اليات التفكير بالأصل الجاهز و هي الية النقل التي تجد جذورها الأصلية في القبيلة " و التي لم تفكك بعد " تعيد مرة أخرى بعد ارتباطها بقدسية الوحي انتاج نفس الالية في التفكير "التفكير بالنماذج" فسنظل في نفس الدائرة المفرغة من نماذج تفرض على الواقع منكرة ما يحويه من معنى يعطيه المعقولية يلزم تفكيكه أولا ..
و لعل هذا يؤكد أن أي  محاولة لاعادة الاعتبار للانسان لا تضع في مركز تفكيرها اعادة مقاربة الوحي بحيث تضع الانسان داخله لا يعول عليها و تظل قنبلة موقوتة تعيد انتاج نفس طرائق التفكير التي تقصي الواقع و الانسان و التاريخ .(4)


الله
_____
كما قلنا ان الاسلام جاء لنفي فكرة العبودية ذاتها كعلاقة و نفي فكرة التفكير بالأصل كطريقة في تناول الافكار و بهذا فهو انتصر للانسان و التاريخ و الواقع و لنا الان أن نسأل هل جاء الاسلام ليعملنا بوجود الله ؟
في الحقيقة لا , ببساطة لان من نزل عليهم القران يعرفون وجوده بالفعل كما يحكي لنا القران و بالتالي فالقضية ليست وجود الله كقضية معرفية بل القضية هي وجود الله كمحرك باطني لافعالي فبيمنا نجد البدائي يمثل له الاله موضوع للمنفعة "اله مطر - ريح "  نجد الله هو معبود بحق معبود من أجل ذاته و هذا الارتفاع من عبادة من أجل منفعة لعبادة من أجل الحق يوازيه ارتفاع من انسان متمحور حول منفعته الي انسان متحرر منها و لعل التحرر هذا يجد تطبيقه الاسمى في الاخلاق و الجمال و في الفعل الانساني باعتباره تشكيلا للعالم و انسنة له , و لهذا فمعرفة الله ليست معرفة موضوع بل معرفة جمالية و اخلاقية و عملية لا تتحقق الا بهذا الارتفاع  عن الطبيعة , و لاننا نجد ان تراثنا كله يحارب في السماء حول قضايا مركزها الله وحده فان النقد واجب لهذا التراث حتى يعود الله من كونه قضية انطولوجية تخضع للمعرفة النظرية و جدالاتها الكثيرة الكثيفة إلي كونه جوهر الوجود و معناه و نهايته و الذي لا يظهر إلا لمن يخرج من تمركزه حول ذاته مانحا للوجود المعنى  بفعله الدؤوب في العالم , و لن يكون هذا الا بنقد كل نمظهرات هذا التراث من نفي لفاعلية الانسان و تجميد للوحي و تغييب للواقع  و نفي النية الفكرية العميقة التي تمثل جوهر هذه التمظهرات, وحقيقة فأن قراءة لادب نجيب محفوظ تضعنا أمام هذا النقد متمثلا في فن راقي , بحيث نستطيع القول ان محفوظ قلب بأعماله اللاهوت الاسلامي رأسا على عقب و رسم شكلا جديدا يكون وجود الله فيه رهنا بفعلنا في الارض و تحقيقا للعدل فابدا لن ننال "ورق التوت " بالجلوس في التكية بل فقط بحمل "النبوت"لنشر العدل و هذا واضح في أعمال مثل "الشحاذ" و "الطريق " و "اللص و الكلاب" ," السمان و الخريف" و "الحرافيش" و "اولاد حارتنا" و غيرها ..
و لانه بعد شهرين تحل ذكرى ميلاد العملاق و بعده ذكرى الثورة فهذا يحتم علينا اعادة الغوص في أدبه الثائر بالمعنى العميق , و لان هذا لا يكفيه مقال فستتابع باذن الله المقالات من الان إلي وقتها في محاولة للاقتراب من عمق ما يطرح أدبه من رؤى كفيلة بتغيير رؤيتنا للإنسان  , فعلى أساس هذه الرؤية يتوقف مصير كون  الثورة ثورة بمعى الكلمة أم تغييرا في وجوه يتخفى وراءها نفس الاستبداد!!
_______________________________________________________
الهوامش
"1" انظر نقد الخطاب الديني من 216 إلي 219
"2" و "3" جدل الحداثة ..علي مبروك
"4" و كما أن تلاميذ عبده سارا في اتجاهين مختلفين أحدهما مدرسة رشيد رضا و البنا و قطب و الاخر مدرسة لطفي السيد و سعد زغلول و زكي نجيب محمود فربما نجد نفس الأمر مع المسيري و للاسف لا يرجع هذا لادراك الاتجاهين تقاربا "لاسمح الله" و هو ما نتمناه لكن لأن كتابات المسيري تجمع احيانا تصورات غير متناسقة و لا يربطها وحدة , فمثلا هناك مقال للمسيري عن التاريخ يذكر فكرة تتناقض تماما مع التصور الاشعري الذي تبناه في قضية الوحي , و هي فكرة أن الرسول -صلي الله عليه و سلم - حامل رسالة و معارضته لمحاولات تأليهه , و من هذه المحاولات جعل كل أقوال و أفعال الرسول وحيا و هو ما يعارضه المسيري حين يؤكد على حديث "أنتم أعلم بأمور دنايكم " و يبدو أن المسيري لم يقرأ الابانة و التي يستدل فيها عن طريق الاحاديث و القران الامام الاشعري على خلافة أبي بكر !!  بل ان تأكيد المسيري الدائم على فصل السياسة عن الدين لا يتفق ابدا مع التصور الاشعري الذي بدأ من كتاب الابانة يعتبر أن السياسة هي الأمامة الكبرى تقاس على الامامة الصغرى و هي الصلاة ..فهذا معناه أن المسيري وضع هذه التصورات إلي جانب بعضها فأصبح التراث حينا و الغرب حينا " على حد تعبير أبو زيد متكلما عن عبده " معيارا للاختيار و لم يقم بمحاولة الوصول إلي الوحدة التي تنتظم هذه الرؤى في سياقاتها التي اقتطعها منها ..
و لعل الطبيعة التجاورية " و المصطلح لمبروك متحدثا عن محمد عبده " في كتابات المسيري تحتاج لدراسات أكثر تفصيلا
المراجع :
نقد الخطاب الديني ___نصر ابو زيد
مفهوم النص ______نصر ابو زيد "هذا الكتاب يحتوي على دراسة مهمة عن الغزالي و كيف أدى به تصوره للوحي بأنه صفة لله إلي أمور منها أن معرفته لا تكون الا بالمعراج الصوفي نفاذا الي باطنه الذي هو معرفة الله "الياقوت الاحمر" فالوحي ليس للانسان و الواقع بل لترك الاثنين و التبتل لله !!
الحداثة بين الجنرال و الباشا _____علي مبروك
اللغة و المجاز _______المسيري
مقال بعنوان "عن البناء الاشعري الفقير للوعي" لعلي مبروك في موقع الاوان من أجل ثقافة علمانية