"ما فعله "جواكيم" مع ابن مريم في منامه هو ما نفعله دوما مع أنفسنا
في صحونا في كل الأمور تقريبًا، فنحن نخشى تلك المشاعر الجارفة، القوية شديدة
الخطورة، تلك التي تلقي بنا بعيدًا عن كل شيء، في فراغ ووحدة على حافة كل قانون عقلي
أو اجتماعي، إننا وقد تعلمنا جيدًا الهدوء في كل شيء، بمجرد أن نشعر بشعور من هذه
المشاعر فإننا نخونه بتأويله، نلطِّفه ونهذِّبه، نحصره حصرا في أحد هذه العلب التي
أنهكها الاستهلاك، كم من مرة خجلنا من التعبير بأننا نعشق حد الوَلَه والجنون
فجعلناها إننا نحب أو نشعر بإعجاب، بل كم من مرة تركنا عشقًا جارفًا يزلزل الذات
بحثًا عن "حبٍ هاديء بلا خطر!"، كم من كلمة أردنا أن نستخدمها مع الله
-الله- و منعنتنا حواجز منيعة - من خوفٍ وخجلِ- عن هذا فلجأنا لأحد الأدعية المُدوَّنة
على الورق، إننا نفعل هذا دون أن ندري أن التغطية على ما نشعر به في لحظة ما هو
قتل للحظة لن تتكرر أبدًا، نور في عمرنا نحيله ظلامًا للأبد، إنَّ الأبياء والمتصوفة
والقديسين والعشاق والصادقين الذين لم يدوِّنْ التاريخ -كثير النسيان- حكاياهم
كرسلٍ لم يقصصهم علينا، لم يفعلوا بكل بساطة سوى حُسْن تلقِّي هِبَات الزمن، إنهم فحسب ثبتوا
أمامها لم يهربوا منها ولم يجبنوا، واجهوها وامتلأوا بها فانكشف لهم ما لا يُرى..