الأربعاء، 30 أكتوبر 2013

العلم في مواجهة التكرار أو قناعا له ....بين طه حسين و مالك بن نبي

" و لا ينبغي أن يخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب , و لا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلي عصور , و يحاول أن يدخل فيه شيئا من الترتيب و التبويب و التنظيم ؛ فذلك كله عناية بالقشور و الأشكال لا يمس اللباب و لا الموضوع , فمازال العرب ينقسمون إلي بائدة و باقية , عاربة و مستعربة , و مازال أزلئك من جرهم , و هؤلاء من ولد إسماعيل , و ما زال امرؤ القيس صاحب "قفا نبك..." و طرفة صاحب "لخولة أطلال ..." و عمرو بن كلثوم صاحب "ألا هي ..." و ما زال كلام العرب في جاهليتها و إسلامها ينقسم إلي شعر و نثر . و النثر إلي مرسل و مسجوع , إلي آخر هذا الكلام الكثير الذي يفرغه أنصار القديم فيما يضعون من كتب و ما يلقون على التلاميذ و الطلاب من دروس"
طه حسين ..."في الشعر الجاهلي "

صحيح أن بن نبي حين يتحدث عن مشكلة الثقافة فانه يعني بها اسلوب حضارة يحرك الإنسان , و لا يعني بها المعنى الآخر الذي قد يتبادر للذهن و الذي يعني الإشتغال بالفكر , و هذا المعنى أيضا هو ما يقصده طه حسين في حديثه عن مستقبل الثقافة , لكن هذا لا يمنع هنا من كون التطرق للمعنى الآخر للثقافة أمر ضروري في سياق حديثنا , و بالطبع لا يمكن الإتيان الآن على كل تلك التعريفات أو التفصيلات التي خضع لها مصطلح مثقف بمعنى المشتغل بالأفكار , لكن يعنينا هنا فقط تفريق رئيسي أثاره علي حرب في كتابه "أوهام النخبة أو نقد المثقف ", و هو أن ثمة فارق بين المثقف و المفكر , فالمثقف حارس هوية داعي لأفكار معينة لا يبحثها , في حين أن المفكر هو الذي يناقش الأفكار و يبحثها و يبدع أفكارا , و دعنا من تسميات حرب فالهمهم الآن هو هذه اللمحة لفارق بين طريقتين في التعامل مع الأفكار ممن يتشغلون بها بين من يحرسها و يعيد تكرارها و صياغتها و بين من يحاول إبداع الجديد و صياغة الواقع مفهوميا , و ربما لا نتفق مع كون حرب يرجع هذا التمسك العجيب بالأفكار بمنأى عن مشرط الناقد لوهم المطابقة بين الفكرة و الحقيقة  و هو وهم ارسطي ديكارتي , فلا شك أننا لا زالنا نحتاج للسؤال لماذا تعامل مثقفونا مع فكر ارسطو نفسه أو ديكارت عن التطابق بإعتباره في هوية و تطابق مع الحقيقة و لا يمكن تفسير هذا بإنه بسبب وهم التطابق الديكارتي لأن هذا يوقعنا في دور منطقي , فنفسر تعاملنا هذا مع الأفكار بكونها تطابق الحقيقة بأن سببه ديكارت , ثم حين نسأل و مالذي جعلنا نتعامل هكذا مع ديكارت تكون الإجابة بسبب وهم التطابق !! , و يخرجنا من هذا الدور البحث داخل الثقافة نفسها _بمعناها الأول عند بن نبي و العميد _عن سبب لهذا التعامل , و ثقافتنا لأنها كما يقال عنها ثقافة متمركزة حول النص , فإن تعاملنا مع هذا النص يترك مجاله المحدود ليتحول لنمط تفكير حول أي نص أو أية منظومة فكرية أخرى , و بما أن هذا النص يحوي الحقيقة كلها بما هو كلمة الله الأزلية أو حكاية عنه ,  و فإن تعاملنا مع هذا النص هو النظر له بإعتباره خارج التاريخ و المجتمع بما يعني أنه لا يتم التفكير فيه بل يتم التفكير به , و لا يتم النظر إليه داخل إطار الواقع بل يتم إخضاع الواقع له , و لا يمكن هنا لعقل اللمثقف سوى الإنبناء على الدفاع لا التفكير ’, التكرار لا الإبداع , تغيير القشور لا اللباب ,  و لعله من اللافت أن هذا المثقف الذي هو في حضارتنا المتكلم وفقا للجابري قد تحولت وظيفته  كما يرى عبد المجيد الصغير في كتابه "المعرفة و السلطة في التجربة الإسلامية " بهذا الإنقلاب الجاري في التسمية و التعريف الذي جعل "علم الكلام" علما للعقائد "ينافح" عن العقائد الإيمانية أو أصول الدين بالأدلة العقلية بدلا من كونه كلاما حول السياسة "الواقع "  لتنحصر هذه الوظيفة في التبرير و الدفاع و التكرار _في أشكال جديدة ظاهريا كما صدرنا في كلام العميد _لا الفهم و التحليل و الإبداع و الجدة الحقيقة , المرتبطة بخروج العقل من الدوران في الأفكار التي تمثل سلطة عليه و على الواقع إلي الواقع نفسه لصياغته مفهوميا كما يقول علي حرب ..

 
التعمية على التكرار
______________

و حين يتحول الأمر من التكرار لتكرار التكرار أو حتى التعمية على التكرار بشكل جديد فإن الأمر يزداد صعوبة ,
وإن كان  القاريء لبن نبي يصادفه كثير من المعادلات التي تشبه معادلات الرياضة و الرسوم التوضيحية و التمثيل بالطب و الفيروسات و علم الأمراض , كل هذا في سياق تحديده مشكلاتنا و وضعه لشروط النهضة و محاولة الرقي بمسلمات النهضة لمرتبة العلم فإن كل هذا يبدوا مجرد قشرة خارجية فقط إذا ركزنا في خطابه ,
 فإن كان خطاب الإصلاح الديني مع محمد عبده و قبله الأفغاتي قد وضع لافتة رئيسية عليه و هي لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها , بحيث انحصر الأمر كله في التكرار الذي يبدو أكثر وضوحا في تفسير انحدار الأمة بإبتعادها عن الأصل أو الإسلام الأزلي الذي خانه الأسلام التاريخي مما يعني أن مشكلة أمتنا أنها ابتعدت عن التكرار_ هنا نذكر قولة الأفغاني الشهيرة لابد أن نثبت لهم أولا أننا لسنا مسلمين  _!! , فإننا نستطيع أن نرى في مشروع المصلح الجزائري الكبير مجرد تكرار لخطاب الإصلاح بنفس مضمونه و منطلقاته و الياته و إن كان بن نبي يضعها في هيكل يبدوا جديدا من الرطانة العلمية في ظاهرها فقط , فمالك بن نبي يرى أن الأمم في صعودها و انحدارها تخضع لقانون صارم تماما كقوانين الفيزياء التي نصنع بها الجسور , و إن كانت غفلتنا عن قوانين بناء الجسوء أثناء بناءها يسبب انهيار الجسر كله فإن تغافلنا عن قوانين تطور الحضارات أثناء بنائها يسبب مزيد من الإنحدار , و هو كلام جيد جدا إلا أن مالك بن نبي لا يخبرنا عن قانون تطور الحضارات بل فقط يترجم مسلمة الإصلاح و لافتته بلغة جديدة  مدعومة برسوم توضيحية لتصبح لا تتطور الحضارات إلا بالفكرة التي كانت سببا في إحياءها فهي مركب حضارتها"الفكرة الدينية" , بل إن هذه الصياغة الجديدة لم تكرر فقط بل إنها ذهبت أبعد كثيرا من خلفها الإصلاحي في نفي الواقع الذي يعد الإلتفات إليه مزية الرؤية العلمية التي يخايل بها خطاب بن نبي, فإن كان المصلح يرى أن الأمة صلحت بالإسلام فإن بن نبي لا يرى وجودا لللأمة أصلا قبل الإسلام , و من هنا يشيع في كتاباته كلام مثل "الإنسان الفطري " , و الأمة العذراء و تراكيب مثل تشرق شمس الحضارة بما تشير إليه قبلها من ظلام دامس , أو
 تصوير الجاهلية بالإنسان في عمر الطفل يتمحور فقط حول الأشياء  , كل هذا يجعله يرى أنه لو كان لكل أمة ميلادان روحيان أولها عند ميلاد الفكرة الدينية منشأ الحضارة عند بن نبي و ثانيها عندما تسكن هذه الفكرة النفوس  , و إن كانت أمة المسيح ولادتها الحقيقة كانت مع الأمم الجرمانية البدوية و ليس في اليونان , فإن ولادتي الأمة الإسلامية جمعتا في وقت واحد , حيث كان عند اليونان خليط ديانات و فلسفات منعتها عن تشرب روح المسيحية , أما في الإسلام فكانت الأنفس عذراء كما قلنا فسكن الإسلام النفوس , و هذا النفي التام لوجود أي فكر قبل الإسلام و الذي يتبدى الغرض منه في صيانة الأفكار المطبوعة التي تمثل أساس حضارة الإسلام و هي أفكار القرآن من أي صلة تربطها بالواقع السابق عليها تنزيها لها تماما من أدران الواقع و إخضاع الواقع لها في كل زمان و مكان و تعليق النهوض بالعودة إليها , قد يكون قدحا في هذه الأفكار ذاتها حيث كما وضح طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي " أن أدراك العقول لبلاغة القرآن و فهم تعاليمه غير ممكن إلا إذا بلغت العقول قدر من النضج يتضح بصورة أكبر في طريقة عرض القرآن حججه في مواجهة مشركي قريش الذي يجادلون كما يقول العميد في البعث و الخلق و المجزة و إمكان الإتصال بالسماء و هي مسائل يفني الفلاسفة اعمارهم فيها دون أن يوفقوا فيها لحل , و ليس الغريب هو هذا الإستدلال المنطقي من العميد و الذي يتجاهله بن نبي بل الغريب كون طه حسين في هذه النقطة بالذات هو متابع لإمام الإصلاح محمد عبده الذي افترض المعرفة الجيدة بواقع قريش و معجمها اللغوي قبل الإسلام لفهم القرآن !!هذا يعني أن تعامل بن نبي مع فكر الإصلاح لإنه تكراري لم يستطع سوى الإحتفاظ بالمتكرر داخل الخطاب و غفل النظر عن رؤية بعض الأفكار التي تؤذن برؤية جديدة قد تتجاوز أزمة الخطاب المتمثلة في غياب الواقع من بين يديه ..

 و ليس الابتعاد عن الأصل و تكراره عند بن نبي مجرد فكرة يتم الدفاع عنها بل هي  مفتاح تفسير كل شيء في واقعنا , فتفسير قضية مثل استيراد الأفكار المميتة الغربية يتم تفسيره أيضا بنفس الطريقة , فحين ابتعدنا عن الأفكار المطبوعة و فقدت أفكارنا الموضوعة الصلة بها امتلأ واقعنا بالأفكار الميتة التي تمثل فيروس وراثي يمتص الميكروب الوافد أي الأفكار المميتة , و لكي يوضح بن نبي عبثية فكرة الإستيراد  يستخدم مجاز من عالم الطبيعة و هو مجاز البذرة المتكرر عند عدد لا بأس به من المفكرين ,  شريعتي مثلا , فيقول المصلح الجزائري " لا يحمل الطعم إذا حمل ثمار الأرومة التي وضع فيها بل ثمار الأرومة الأم "  و هذا المجاز يستخدم لإيضاح أنه لا يمكن للأفكار المستوردة أن تعيش بيننا إلا كما يعيش الشجر المشترى جاهزا و الذي يغرس بقوة و عنف في التربة فيشبه فقط البستان المنقول منه في ظاهره في حين لا يستطيع أن يثمر و يزهر,  فقط تهيئة التربة و انتقاء البذور و غرسها و تعهدها هو الطريق لصنع حضارة حقيقية , لكن مشكلة هذه الفكرة هي أنها تصطدم مع نفي بن نبي الحاسم أي علاقة بين الأفكار المطبوعة و واقع جزيرة العرب , بحيث أن هذه الأفكار في هذه الحالة ليست سوى أفكار مفروضة على الواقع "التربة " و ليس شيء مزروع فيه و ليست القضية هنا في كون هذه الأفكار الهية أو غيره حيث أن المشكل هو العلاقة بين الفكرة و الواقع و ليس طبيعة الفكرة, فليس ثمة مشكلة أن تكون الفكرة الهية لكنها تحترم قانون الواقع و لو من باب احترام الأفهام كما يرى محمد عبده , بل إن نفيه وجود أي أفكار في هذه التربة تعترض تشرب تربة النفوس لبذور الإسلام و الذي سبق القول أنه يجعل الإسلام هو الخالق لحياة العرب و ليس فقط المصلح أو الموجه لها , لا يفعل سوى تأكيد كون مجاز البذرة عنده لا معنى له , فإن الغرس هذا و العناية يتطلب فترة طويلة تعني أنه كان ثمة رقي و محاولات قبل الإسلام لتجاوز الواقع المتدني جاء الإسلام فتوجها و مضى بها لأبعد نقطة ممكنة , و هو ما لا يقوله أبدا بن نبي لينفي أي علاقة للأفكار بالواقع , و لا نعلم بعد هذا كيف يعترض بن نبي على استيراد الأفكار إذا كان خطابه كله تأكيد لهذه الفكرة !! فالبدء من الواقع و زرع البذور فيه غير ممكن إلا بإعادة الإعتبار له في نشأة و بلورة الأفكار  و ليس بتعليقه بأفكار لا علاقة لها به ينحصر مشكل النهوض في قدرتنا على تكرارها و إحضاع واقعنا لها.


من الأشياء للأفكار بين العميد و مالك بن نبي
_____________________________

"فالعالم الإسلامي يتعاطى هنا (حبة) ضد الجهل , و يأخذ هناك (قرصا ) ضد الستعمار , و في مكان قصي يتناول (عقارا ) كي يشفى من الفقر , فهو يبني هنا مدرسة , و يطالب هناك بإستقالاله , و ينشيء في بقعة قاصية مصنعا . و لكنا حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح البرء ,....إن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن "الحضارة هي التي تلد منتجاتها " و سيكون من السخف و السخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة , حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها "
مالك بن نبي ..."شرو النهضة "

 يرى مالك بن نبي أننا اهتتمنا كثيرا بالأشياء على حساب الأفكارو هو محق تماما في كون الحضارة الحقيقية ليست الأشياء ,  و هو يفسر هذا الكلف بالأشياء أيضا  بأننا نعيش شيخوخة ابتعدنا بها عن أفكارنا المطبوعة التي يمثل الاختفاظ بها توازنا بين عالم الأشياء و الأفكار و الأشخاص , و لفقدان قدرتنا على الإبداع و خلو عالمنا من الأشياء مما يؤدي للكلف بها , أي أن موت الأفكار سيؤدي إلي أفكار مميتة و نظر للأشياء بإعتبارها تمثل الحضارة فيتم تكديسها , و الحل عنده هو إعادة بناء الأفكار التي ماتت , لكن هل هذا الإحياء أو إعادة البناء سيؤدي لإحداث التوازن و لصنع حضارة من الأفكار بدلا من الظن بأن الأشياء كافية ؟

, ربما تظهر ملامح الإجابة إذا قلنا إن المشكل في كونننا كلفين بالأشياء و كوننا نستوردها كعلامة على الحضارة هو أننا لا نستطيع سوى استيرادها لا صنعها , و استيرادها سببه عدم قدرتنا على إبداعها و سبب هذا هو العقل المتعلق بالنص المشتغل تحت سقفه الذي قد يصاحب العلم لكنه لا يصنعه _كما يقول الجابري_  أو يتزيى به كما عند بن نبي ,

فهذه الزخرفة بالمصطلحات العلمية و التنقل بين علوم الطبيعة و الحياة  في صياغة نفس المسلمات التقليدية ليس سوى وجه من أوجه تناقض خطاب الإصلاح الراغب في الإتجاه نحو العالم محتفظا بنفس مسلماته و أفكاره و طرائقه بمنأى عن أي نقد , فتكديس الأشياء و المؤسسات و الشكل الخارجي للدولة الحديثة إلي محاولة التغطية على تكلس الأزهر بتدريس العلوم الطبيعية داخله رغم  اختلاف مناهجها عن مناهج دراسة العلوم التقليديه داخله , إلي آخر كل هذا ,  بدء منذ الطهطاوي بل و شيخ الأزهر حسن العطار كحل لكل الأمور , أو بدقة كحل لقصر التحديث على الخارج للحفاظ على نفس الأفكار التي نحملها دون نقد أو فحص , و لا يختلف تغطية مسلمات الإصلاح الذي يرى الحل في تكرار الأصل ببعض الكلمات و المصطلحات التي تبدو علمية عن تغطية الواقع المغرق في التقليدية و القبلية ببرلمانات و مؤسسات تفتقد شروط وجودها الموضوعية ..
و هذه التناقضات كلها هي التي طرحت نفسها على وعي طه حسين أحد وارثي خطاب محمد عبده , ليس فقط في النقد الموجه دوما لثنائية التعليم ككاشف لثنائية الوعي, بل بكون كتب طه حسين هي دراسة لنفس الموضوعات التي يتناولها الخطاب التقليدي لكن بطريقة علمية تعتمد المناهج الحديثة , و تستثمر الأفكار التي تناسب هذا المنهج داخل خطاب الإصلاح , و إعتماد طه حسين على المنهج العلمي ذاته و ليس قشرة من المعادلات و الرسوم يعني إدراكه لهذا التناقض الذي لم ينتج عنه سوى التمسك بالقديم و استيراد الأشياء الحديثة بدلا من إبداعها , بحيث يمثل فعله هذا التهيئة الحقيقية للتربة لبذر الأفكار الجديدة , و من الموضوعات الرئيسية التي تعتبر موضع شديد الخصوبة لاختبار طريقة اشتغال عقل المفكر و هل هو عقل علمي أم لا , هي الخلافات بين الصحابة , هذا لإن هذه الخلافات يصعب تفسيرها طالما أننا رأينا ما قبل الإسلام مجرد جاهلية لا ينبغي أن تفهم و أن أهل الجزيرة فطريون دخل الإسلام فجأة إلي نفوسهم العذراء أي طالما فسرناها تفسير غير علمي  ينفي الواقع ,مما يجعل تفسير الخلاف بين الصحابة بعد سنين قليل من وفاة مؤسس الدين نفسه أمرا غريبا ,  لذا فتفسير هذه الخلافات عند أصحاب هذه الرؤية يحور و يدور كثيرا ثم يلجأ لكثير من العوامل المتوقعة انطلاقا من طريقته في التفكير , فإن كان نفي وجود للواقع قبل للإسلام معناه الإغراق في كون وجود الإسلام في هذه المنطقة لا يخضع لأي تفسير عقلي موضوعي بل يترك للإرادة المطلقة , فإن حل الإشكال الناتج عن هذا يكون بإفتراض ارادة بشرية مطلقة أيضا هي سبب الفتنة , و هنا يحمل مثلا ابن سبأ الفتنة بإعتباره يهودي دخل الإسلام مختارا لافساده , و لكن بن نبي لا يعرض هذا الرأي لإنه يريد رأي له شكل أكثر علمية فيتم النظر للخلافات بإعتبارها نتاج لتغير نفسي للمسلمين أو بمصطلحه هو انفصام للدافع الذاتي الذي حرك الرعيل الأول _و كأن الرعيل الأول لم يشهد خلافات _ ليبقى السؤال كما هو و لماذا حدث الانفصام بعد ما تشربت النفوس العذراء الإيمان ؟
 فتأتي الإجابة بأنها خيانة الأفكار المندمجة في السلوك و التي خانت الأفكار الأصلية المطبوعة و التي تتسلسل عبر الأجيال كجرثومة مرضية تفسد المجتمع , و لكن يبقى السؤال و لماذا خانت النفوس المؤمنة الأفكار المطبوعة ؟!
 و هكذا من سؤال لسؤال دون إجابة أو تفسير مقنع سوى ترديد كلمات الأمراض و الجراثيم و العلل و الفيزياء و الجسور , حيث هذه الصعوبة في إيجاد تفسير ناتج عن مشكلة الإصرار على نفي الواقع و اللجوء لأي تفسير أرادي أو نفسي يركد هذا النفي, و رغم أن طه حسين لا يرجع الخلافات هذه لخلاف بين الصحابة كان موجود قبل الإسلام إلا أن  تعامله جاء متوافقا مع منطلقه العلمي حيث اعتبرها نتاج لظروف موضوعية تتعلق بإختلاف طبيعة العرب و المسلمين عن طبيعة الأمم المغلوبة_ و في النهاية لا يعنينا مضمون التفسير بقدر ما يعنيا كونه نابع من قراءة موضوعية تثبت الواقع و لا تنفيه _  , و لم يكن في ظننا نفيه وجود شخصية بن سبأ إلا كما لاحظ علي الوردي نفي لتلك الرؤية السكونية التي تنفي حركة الواقع المتعلقة بقوانينه و التي لا ترى الحركة إلا بفعل إرادة مطلقة خارجه , كالإسلام الذي يخلق الأمة من عدم خلقا كما يرى بن نبي الذي لا يرى أي حركة داخل الواقع قبل الإسلام حيث هو ساكن متجانس مكون من نفوس فطرية ملتفة حول الأشياء !!
فالفارق بين تفسير العميد و تفسير بن نبي هو كون الأول يلجأ للعوامل الموضوعية التي سببت خلافات الصحابة , أما الثاني فإصراره على نفي الواقع و قوانينه مع الرغبة في المخايلة بالعلمية ينتهي إلي مجرد كلام عن خيانة الأفكار و عودتها للإنتقام !!
و هذه المخايلة قطعا لا تستطيع حل إشكال تكديس الأشياء و لا الكلف بها و اعتبارها الحضارة نفسها حيث لا يكون الحل إلا بتكريس عقلية علمية تضع الواقع في قلب رؤيتها , 
لكن هذه المخايلة تكشف عن كون العلاقة بين الفكر التقليدي الإجتراري الدائري و الفكر النقدي المرتبط بالواقع ليست بسيطة أو عادية بل هي علاقة شديدة التركيب , بحيث لم تقتصر محاولة الفكر التقليدي صيانة نفسه  عن طريق إلصاق كل التهم المعقولة و الغير معقولة بالفكر الآخر و تكفير أصحابه و الإستنغاثة بالحكومات لتكبيلهم و مصادرة كتبهم و تقديمهم للمحاكمة , و لا حتى المجاورة بين فكرهم التقليدي و الفكر الحديث في صور هجينة , بل تتمثل المحاولة الأهم في تزيين أفكارهم بقشرة خارجية علمية علّها تحجب عن الأنظار تكلس المضمون , و لكن لإن الأمر ليس سوى مجرد زينة خارجية فإن المشاكل المطروحة تظل قائمة دليلا على فشل الخطاب ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق