الاثنين، 24 ديسمبر 2012

نجيب (3)


الفن هو البداية
__________
غالبا ما يكون الفن و خصوصا الأدب هو البداية للنهوض أو على الأقل موازي له فنرى فيه الملامح الأولى لجنين الحرية و انتفاضة العقل , لو نظرنا إلي اليونان سنجد أن الالياذة سبقت الديموقراطية و أفلاطون و ارسطو , و في اوروبا النهضة سبقت أشعار دانتي و بترارك و مسرحيات شكسبيرأفكار المدنية و الدولة الحديثة و نيوتن و جالليو , و حتى النهضة التي حدثت قديما للمسلمين ليست غريبة عما ذكرنا بمعنى أنها قد تدخل تحت إطار نفس الفكرة, فإذا كانت هذه الحضارة تمركزت حول النص القرآني فالنص نفسه يحمل قصص فني بديع فيما يرى الخط الفكري الذي يدرس القرآن أدبيا منذ أمين الخولي و طه حسين و سيد قطب و محمد أحمد خلف الله  ..و هو أيضا النص الذي خاطب العقول فقام بتفكيك الأفكار التي تعوق تحرر الإنسان كما ذكرنا سابقا ..
و هذا شيء طبيعي جدا لأنه إذا كل نهضة هدفها الأصلي تحرر الإنسان فالفن هو المجسد الأول لهذا التحرر و الدافع إليه في نفس الوقت , فالفن يجسد كل ما يختلج صدر الإنسان من أفراح و أتراح و آمال و انتصارات و انكسارات فهو التفات لوجوده و اهتمام به  , و الفن نشاط غائي غايته في ذاته كما يقول كانط بحيث مبدع العمل و متأمله متحررين من قيود المادة و المنفعة و بهذا يحمل تأكيد على تعالي الإنسان و تميزه و كونه عضوا في مملكة الغايات غير قابل للاستغلال ,و بكل هذا يصبح الفن محرر لوعي الإنسان و مطلعا له على قيمته و دافعا له لمقاومة أي محاولة لتهميشه أو استعباده ,
لكن الذي يجعل الفن بداية دائمة للثورات و النهضات ليس مجرد هذا السبب المتعلق باستيطيقية الفن "جابنه الجمالي الصرف الذي يمثل ماهيته بحيث يفصل جمال العمل الفني عن غير الجميل و عن الجميل الطبيعي" بل لسبب آخر يتعلق بمضمونه خاصة حين يكون الكلام عن الأدب بما هو فن يتوسل اللغة التي تعبر عن طريقة تفكير متكلميها, فالأدب هو المجال الذي يستطيع فيه الفنان أن يخترق طبقات تفكير مجتمعه و بالتالي الوقوف على الايدولوجي الذي يحمله مجتمعه الغارق في الاستعباد و تحليلها و فهمها تمهيدا لتغييرها , و إن كان ثمة مفكرين نابهين يستطيعون التوصل إلي هذه الأفكار و تحليلها بالعودة إلي المصادر التي شكلت وعينا و بحثها كما فعل مثلا شريعتي في كتابه "العودة الي الذات " برد فكرة الذوبان في المستعمر للنظرة الصوفية لعلاقة العبد بالله حيث فناء المستعمر بقتح الميم في المستعمر بكسرها استمرار لفناء العبد في الرب فمن كسر الذات مرة باسم الله يبقيها دوما مكسورة تحت أي اسم , و نفس الأمر عند عدد كبير من دارسي التراث , نقول إن كان هناك من المفكرين من يستطيع التوصل لمعوقات نهوضنا بتحليل فكرنا و منابع تشكله في تراثنا الإسلامي  إلا أن الفنان أسرع بكثير فليس أكثر منه قدرة على الوصول إلي لاوعينا و براعة في التعامل معه ! و أدب نجيب محفوظ هو أدب من هذا النوع حيث يحفر بقلمه مجتمعنا من خارجه إلي داخله إلي ما وراءه من معنى ....
و لعل كون نجيب يتعامل مع أفكارنا المختزنة بل و طرائق تفكيرنا و آليات استدلالنا "لاوعينا المعرفي وفقا لمصطلح للجابري" هو سبب إصراره على استخدام الفصحى في كتاباته رغم أن عدد من كتاب القصة الكبار في عصره كانوا يميلون لاستخدام العامية على الأقل في الحوار طلبا للصدق الفني , فالفصحى هي الأقدر على التعبير عن هذا اللاوعي المعرفي لأنها تحمله بين طياتها و لهذا ظلت معه حتى في اللص و الكلاب و بعدها و التي كان يرى يحيى حقي أنها لحركتها ستستخدم لغة عامية !! لكن ربما الأمر لا يتعلق بالحركة و السكون بقدر ما يتعلق برغبة في الوصول إلي عمق الأفكار عبر اللغة , اللغة التي تحدثها نجيب ليحفر في ذاته التي هي ذاتنا في وعيها"حيث عاش في قلب المجتمع"  و لاوعيها "حيث دراسته للتراث فلا ننسى أن نجيب محفوظ هو تلميذ أحد أقطاب دراسة التراث الإسلامي و هو الدكتور مصطفى عبد الرازق رحمه الله "

الزمان
______
لا تراهن الثورات على شيء قدر مراهنتها على قدرة الإنسان على تغيير العالم و ربما أشرنا في المقال السابق إلي مشكلة الفعل في العالم و كيف تناولها نجيب و كيف حاول حل هذا الصراع داخلنا بين الزهد عن العالم وصولا لله و الفعل فيه  , لكن هنا ننتقل لزاوية أخرى تخص نفس المشكلة و هي نظرتنا للزمان و للتاريخ فسبب من هذه الأسباب التي تجعلنا لا نفعل في العالم هو نظرتنا للزمان باعتباره يسير منحدرا دون إرادة منا  !! و هو التصور  الذي ورثناه من تراثنا السني ,
 و ربما يرجع هذا التصور لفكرة أزلية القرآن و هو ما لاحظه فؤاد زكريا حيث يرى أن فكرة اكتمال الوحي في لحظة معينة جعل المسلم لا ينتظر من المستقبل إلا الانحدار أو العودة إلي هذه اللحظة نفسها و في كل الحالات لا ينتظر أن يأتي المستقبل بجديد لأنه لا جديد بعد الاكتمال!! و هذا لا يختلف كثيرا عن الرؤية التي سادت العصر المسيحي الوسيط حيث كان النظر للزمان أيضا باعتباره منحدر و كانت لحظة الكمال التي تشبه كمال الوحي هنا هي لحظة التجسد أو حلول اللاهوت في الناسوت ..
و من الممكن إرجاع فكرة الزمان المتجه للانحدار أيضا للتصور الأشعري عن العالم حيث العالم بما هو وسيلة لإثبات وجود الله تحول على يد الأشاعرة إلي أجزاء غير مترابطة تربطها فقط القدرة الإلهية و لا تحمل مقوم ذاتي للارتباط , يقول علي مبروك
"فالزمان عندهم كالأجسام يتناهى إلي أجزاء لا تتجزأ , و لهذا فإنه مجموع ذرات منفصلة أو آنات يحدث الواحد بعد الآخر و لا صلة بين الواحد و الآخر , و بذلك يكون الأشاعرة قد أدركوا في الزمان نقاطا منفصلة لا ديمومة متصلة  ....و هكذا بدا أن الفراغ أو العدم لابد أن يقوم بين كل آنين من الزمان " و هذا مرتبط برؤيتهم للاعراض على أنها تعرض بالجسم ثم تبطل في ثاني حال وجودها  في محاولة لتكريس فكرة الخلق المستمر  "حيث لم يتسع النسق الأشعري لإثبات العالم باقيا بنفسه "


و لعل ما يجمع كل هذا هو فكر يقصي الإنسان تماما بنفي الواقع الذي يؤدي إلي القول بأزلية القرآن ثم نفي تقوم العالم بذاته و الذي ينشأ عنه هذه النظرة للزمان , و ارتباط هذه الأفكار ببعضها البعض و اشتراكها في إقصاء الإنسان ينبغي التأكيد عليه مرارا لأنه كما ذكرنا سابقا التلفيق سمة من سمات خطاباتنا فهناك أفكار ينالها النقد دون الالتفات لما يشترك معها في نفس الجذر فيكون سبب لإعادة إنتاج نفس الأفكار و هذا يعوق مسيرة ما نطمح إليه من تحرر للإنسان ...

و هذه النظرة للزمان ينتج عنها  تحويل التاريخ لرقعة غير إنسانية و تركه نهبا لانتظار المخلص "المسيح و المهدي" حيث المخلص هو يد الله تغير حيث الإنسان عاجز عن التغيير , و أيضا ينتج عنها ترك الفعل في العالم و التشبث بالوجد الصوفي طلبا للحضرة الإلهية بعيدا عن الزمان العادم "المصطلح لعبد الرحمن بدوي"


, و في حرافيش نجيب محفوظ نجد الناتجين لهذه الرؤية فالحرافيش يعيشون في ظلم ينتظرون مخلصا لا يأتي و المتصوفة لاذوا بتكياتهم تاركين الحارة لعبث الفتوات و الأعيان ! و بين الاثنين مات الفعل في العالم  من أجل العدل!!
و الصورة نفسها نجدها سابقا في اللص و الكلاب فالشيخ جنيدي غائب في السماء و البشر منتظرين مخلص لا يملكون سوى فقط التعاطف معه !!
و تنتهي اللص و الكلاب بموت سعيد مهران دلالة على جبن الناس ,
و في الحكاية قبل الأخيرة من الحرافيش يموت فتح الباب الناجي ليحمل دلالة أكبر و هي دلالة موت فكرة المخلص نفسها , فلا يوجد مخلص ,
و هو ما يحاول بطل الحكاية العاشرة والأخيرة عاشور الناجي  إقناع الحرافيش به , فلا يوجد مخلص , الخلاص بإيديهم هم إذا حملوا نبابيتهم , و أن التوت الذي يحلم به دروايش التكية سيتدلى عليهم إذا رفعوا نبابيتهم طلبا للعدل , و هذا التغيير في فكر الحرافيش يلفت نظرهم أولا إلي أن الزمان ليس منحدر بل ما حدث  من انحدارهو صنيعة انسحابهم هم من العالم , ثم يقودهم هذا التغيير في التفكير ثانيا لثورتهم التي تقضي على الفتوات و تفتح التاريخ على ممكنات أفضل من صنع يد الإنسان ..
فكما قلنا سابقا أن كل ثورة ترد ما كنا ظنناه واقعا حتميا إلي مجرد ممكن قد تحقق و بالتالي يمكن تغييره ..