الاثنين، 24 ديسمبر 2012

نجيب (3)


الفن هو البداية
__________
غالبا ما يكون الفن و خصوصا الأدب هو البداية للنهوض أو على الأقل موازي له فنرى فيه الملامح الأولى لجنين الحرية و انتفاضة العقل , لو نظرنا إلي اليونان سنجد أن الالياذة سبقت الديموقراطية و أفلاطون و ارسطو , و في اوروبا النهضة سبقت أشعار دانتي و بترارك و مسرحيات شكسبيرأفكار المدنية و الدولة الحديثة و نيوتن و جالليو , و حتى النهضة التي حدثت قديما للمسلمين ليست غريبة عما ذكرنا بمعنى أنها قد تدخل تحت إطار نفس الفكرة, فإذا كانت هذه الحضارة تمركزت حول النص القرآني فالنص نفسه يحمل قصص فني بديع فيما يرى الخط الفكري الذي يدرس القرآن أدبيا منذ أمين الخولي و طه حسين و سيد قطب و محمد أحمد خلف الله  ..و هو أيضا النص الذي خاطب العقول فقام بتفكيك الأفكار التي تعوق تحرر الإنسان كما ذكرنا سابقا ..
و هذا شيء طبيعي جدا لأنه إذا كل نهضة هدفها الأصلي تحرر الإنسان فالفن هو المجسد الأول لهذا التحرر و الدافع إليه في نفس الوقت , فالفن يجسد كل ما يختلج صدر الإنسان من أفراح و أتراح و آمال و انتصارات و انكسارات فهو التفات لوجوده و اهتمام به  , و الفن نشاط غائي غايته في ذاته كما يقول كانط بحيث مبدع العمل و متأمله متحررين من قيود المادة و المنفعة و بهذا يحمل تأكيد على تعالي الإنسان و تميزه و كونه عضوا في مملكة الغايات غير قابل للاستغلال ,و بكل هذا يصبح الفن محرر لوعي الإنسان و مطلعا له على قيمته و دافعا له لمقاومة أي محاولة لتهميشه أو استعباده ,
لكن الذي يجعل الفن بداية دائمة للثورات و النهضات ليس مجرد هذا السبب المتعلق باستيطيقية الفن "جابنه الجمالي الصرف الذي يمثل ماهيته بحيث يفصل جمال العمل الفني عن غير الجميل و عن الجميل الطبيعي" بل لسبب آخر يتعلق بمضمونه خاصة حين يكون الكلام عن الأدب بما هو فن يتوسل اللغة التي تعبر عن طريقة تفكير متكلميها, فالأدب هو المجال الذي يستطيع فيه الفنان أن يخترق طبقات تفكير مجتمعه و بالتالي الوقوف على الايدولوجي الذي يحمله مجتمعه الغارق في الاستعباد و تحليلها و فهمها تمهيدا لتغييرها , و إن كان ثمة مفكرين نابهين يستطيعون التوصل إلي هذه الأفكار و تحليلها بالعودة إلي المصادر التي شكلت وعينا و بحثها كما فعل مثلا شريعتي في كتابه "العودة الي الذات " برد فكرة الذوبان في المستعمر للنظرة الصوفية لعلاقة العبد بالله حيث فناء المستعمر بقتح الميم في المستعمر بكسرها استمرار لفناء العبد في الرب فمن كسر الذات مرة باسم الله يبقيها دوما مكسورة تحت أي اسم , و نفس الأمر عند عدد كبير من دارسي التراث , نقول إن كان هناك من المفكرين من يستطيع التوصل لمعوقات نهوضنا بتحليل فكرنا و منابع تشكله في تراثنا الإسلامي  إلا أن الفنان أسرع بكثير فليس أكثر منه قدرة على الوصول إلي لاوعينا و براعة في التعامل معه ! و أدب نجيب محفوظ هو أدب من هذا النوع حيث يحفر بقلمه مجتمعنا من خارجه إلي داخله إلي ما وراءه من معنى ....
و لعل كون نجيب يتعامل مع أفكارنا المختزنة بل و طرائق تفكيرنا و آليات استدلالنا "لاوعينا المعرفي وفقا لمصطلح للجابري" هو سبب إصراره على استخدام الفصحى في كتاباته رغم أن عدد من كتاب القصة الكبار في عصره كانوا يميلون لاستخدام العامية على الأقل في الحوار طلبا للصدق الفني , فالفصحى هي الأقدر على التعبير عن هذا اللاوعي المعرفي لأنها تحمله بين طياتها و لهذا ظلت معه حتى في اللص و الكلاب و بعدها و التي كان يرى يحيى حقي أنها لحركتها ستستخدم لغة عامية !! لكن ربما الأمر لا يتعلق بالحركة و السكون بقدر ما يتعلق برغبة في الوصول إلي عمق الأفكار عبر اللغة , اللغة التي تحدثها نجيب ليحفر في ذاته التي هي ذاتنا في وعيها"حيث عاش في قلب المجتمع"  و لاوعيها "حيث دراسته للتراث فلا ننسى أن نجيب محفوظ هو تلميذ أحد أقطاب دراسة التراث الإسلامي و هو الدكتور مصطفى عبد الرازق رحمه الله "

الزمان
______
لا تراهن الثورات على شيء قدر مراهنتها على قدرة الإنسان على تغيير العالم و ربما أشرنا في المقال السابق إلي مشكلة الفعل في العالم و كيف تناولها نجيب و كيف حاول حل هذا الصراع داخلنا بين الزهد عن العالم وصولا لله و الفعل فيه  , لكن هنا ننتقل لزاوية أخرى تخص نفس المشكلة و هي نظرتنا للزمان و للتاريخ فسبب من هذه الأسباب التي تجعلنا لا نفعل في العالم هو نظرتنا للزمان باعتباره يسير منحدرا دون إرادة منا  !! و هو التصور  الذي ورثناه من تراثنا السني ,
 و ربما يرجع هذا التصور لفكرة أزلية القرآن و هو ما لاحظه فؤاد زكريا حيث يرى أن فكرة اكتمال الوحي في لحظة معينة جعل المسلم لا ينتظر من المستقبل إلا الانحدار أو العودة إلي هذه اللحظة نفسها و في كل الحالات لا ينتظر أن يأتي المستقبل بجديد لأنه لا جديد بعد الاكتمال!! و هذا لا يختلف كثيرا عن الرؤية التي سادت العصر المسيحي الوسيط حيث كان النظر للزمان أيضا باعتباره منحدر و كانت لحظة الكمال التي تشبه كمال الوحي هنا هي لحظة التجسد أو حلول اللاهوت في الناسوت ..
و من الممكن إرجاع فكرة الزمان المتجه للانحدار أيضا للتصور الأشعري عن العالم حيث العالم بما هو وسيلة لإثبات وجود الله تحول على يد الأشاعرة إلي أجزاء غير مترابطة تربطها فقط القدرة الإلهية و لا تحمل مقوم ذاتي للارتباط , يقول علي مبروك
"فالزمان عندهم كالأجسام يتناهى إلي أجزاء لا تتجزأ , و لهذا فإنه مجموع ذرات منفصلة أو آنات يحدث الواحد بعد الآخر و لا صلة بين الواحد و الآخر , و بذلك يكون الأشاعرة قد أدركوا في الزمان نقاطا منفصلة لا ديمومة متصلة  ....و هكذا بدا أن الفراغ أو العدم لابد أن يقوم بين كل آنين من الزمان " و هذا مرتبط برؤيتهم للاعراض على أنها تعرض بالجسم ثم تبطل في ثاني حال وجودها  في محاولة لتكريس فكرة الخلق المستمر  "حيث لم يتسع النسق الأشعري لإثبات العالم باقيا بنفسه "


و لعل ما يجمع كل هذا هو فكر يقصي الإنسان تماما بنفي الواقع الذي يؤدي إلي القول بأزلية القرآن ثم نفي تقوم العالم بذاته و الذي ينشأ عنه هذه النظرة للزمان , و ارتباط هذه الأفكار ببعضها البعض و اشتراكها في إقصاء الإنسان ينبغي التأكيد عليه مرارا لأنه كما ذكرنا سابقا التلفيق سمة من سمات خطاباتنا فهناك أفكار ينالها النقد دون الالتفات لما يشترك معها في نفس الجذر فيكون سبب لإعادة إنتاج نفس الأفكار و هذا يعوق مسيرة ما نطمح إليه من تحرر للإنسان ...

و هذه النظرة للزمان ينتج عنها  تحويل التاريخ لرقعة غير إنسانية و تركه نهبا لانتظار المخلص "المسيح و المهدي" حيث المخلص هو يد الله تغير حيث الإنسان عاجز عن التغيير , و أيضا ينتج عنها ترك الفعل في العالم و التشبث بالوجد الصوفي طلبا للحضرة الإلهية بعيدا عن الزمان العادم "المصطلح لعبد الرحمن بدوي"


, و في حرافيش نجيب محفوظ نجد الناتجين لهذه الرؤية فالحرافيش يعيشون في ظلم ينتظرون مخلصا لا يأتي و المتصوفة لاذوا بتكياتهم تاركين الحارة لعبث الفتوات و الأعيان ! و بين الاثنين مات الفعل في العالم  من أجل العدل!!
و الصورة نفسها نجدها سابقا في اللص و الكلاب فالشيخ جنيدي غائب في السماء و البشر منتظرين مخلص لا يملكون سوى فقط التعاطف معه !!
و تنتهي اللص و الكلاب بموت سعيد مهران دلالة على جبن الناس ,
و في الحكاية قبل الأخيرة من الحرافيش يموت فتح الباب الناجي ليحمل دلالة أكبر و هي دلالة موت فكرة المخلص نفسها , فلا يوجد مخلص ,
و هو ما يحاول بطل الحكاية العاشرة والأخيرة عاشور الناجي  إقناع الحرافيش به , فلا يوجد مخلص , الخلاص بإيديهم هم إذا حملوا نبابيتهم , و أن التوت الذي يحلم به دروايش التكية سيتدلى عليهم إذا رفعوا نبابيتهم طلبا للعدل , و هذا التغيير في فكر الحرافيش يلفت نظرهم أولا إلي أن الزمان ليس منحدر بل ما حدث  من انحدارهو صنيعة انسحابهم هم من العالم , ثم يقودهم هذا التغيير في التفكير ثانيا لثورتهم التي تقضي على الفتوات و تفتح التاريخ على ممكنات أفضل من صنع يد الإنسان ..
فكما قلنا سابقا أن كل ثورة ترد ما كنا ظنناه واقعا حتميا إلي مجرد ممكن قد تحقق و بالتالي يمكن تغييره ..


الخميس، 15 نوفمبر 2012

رسائل إلي صديق ما



  • هذه مجموعة من الرسائل كتبتها في فترات متباعدة لأصدقاء كثيرين هي لشخص منهم معين و لهم جميعا في ذات الوقت!  بل ربما هي  لكل أحد و للا أحد, كُتِبت في وقت ما بعيد أو قريب , بعقلي و بروحي, جاءت هكذا عفو الخاطر أو بترتيب خفي , هي الذات ترغب في التحرر من الموضوع , و أهم شيء هي ليست لها بداية محددة و كذا لا أظن لها نهاية محددة !!




1- الرسالة الأولى
___________
بالأمس رمت كتابة قصة قصيرة , ربما الدافع هو إحساس يعتريني في الوقت الحالي بخمود روحي و ربما رغبة في أن أشعر بهذا الإحساس الغامض المتردد بين الواقع و المثال الذي يشكل التراب بيد من نور سماوي, حضرت الورق و القلم و جلست لأكتب , لكن فاقد الشيء يا صديقي أبدا لا يعطيه و كأن القصة قالت لي أنها لن تعيد إليَّ توثب الروح المفقود لان كتابتها في الأصل تحتاج لروح متوثبة , فالشوق إليها و الفشل في كتابتها دليل على أن الروح خامدة ,
و لسبب ما تذكرت المسيح و تذكرت من صنع له الصليب فحتما قد سأل عن طول المسيح و عرضه قبل أن يصنع الصليب حتى يتأكد أن يكون على مقاسه و انتقى من المسامير أجود الأنواع و صنع بدقة أكاليل الشوك لتوضع حول رأس العبد الصالح , أترى كيف تم استخدام العقل بدقة لقتل الروح  ؟ ليس خفيا عليك أن البشرية لازالت تخطو نفس الطريق و لا زالت المعلومات تُجمع و الكشوف تُعد فلازال الساسة هم الصيارفة  و الناس  كما هم يتعاطفون مع المسيح لكنهم لا يحركون ساكنا يوم الصلب و بعده يبكون داخل المحاريب ثم يخرجون منها للقاء القاتل بوجه بشوش !!
لا أدري ما سبب استطرادي في قضية المسيح أردت فقط أن أقول أن لكل صليبه و نحن البشر بارعون في صنع الصلبان لقتل أرواحنا و تخيلت صليبي مصنوعا من كتب و أنا مُعلق عليه , أظنني عبقريا أحمله في حين أني محمولا عليه بلا روح !!

2_ الرسالة الثانية
________
أريد أن أروي لك قصة , يوما ما كنت جالسا مع حبيبتي على ضفاف النيل و كنا نتحدث عن جمال الطبيعة و حينها قلت لها أني لا أشعر بجمال الطبيعة المجردة كما أشعر بجمال الروايات و القصص , فلا أدري ما سبب أني مشدوها دوما لتأمل ما صنع الإنسان فيعجبني فنه أكثر من جمال الطبيعة و يبهرني بحثه عن قانون الطبيعة أكثر من القانون ذاته و الفلسفة عندي أهم من الحقيقة , ليس هذا لعدم إعجاب بما صنع الخالق !! بل ربما هذا جوهره فلعل أجمل ما صنع الخالق هو هذا الكائن دائم الإبداع الذي لا يرضى أبدا عن شيء تتحول الأشياء بين يديه لأفكار و رؤى و أحلام و ل أغاني , دائم الحركة في العالم لسانه يردد كلمته الأثيرة "لا" ,إن الإنسان بطبعه شاعر فنان دائم الثورة و الإبداع , قد يكون شدة إعجابي بالإنسان التي تصل لحد الغرور بهذا الكائن المغرور هي سبب انشغالي عن جمال الطبيعة بالجمال الذي خلقته يداه , لكن لا أخفيك سرا يا صديق فرغبتي الآن هي أن أهرب للمروج أفترشها و أترك للشمس صفحة وجهي و لصوت عصافير الشروق أذناي و أصدقك القول أن ثقتي في هذا الجمال الإلهي الذي يتجلى في العالم أكبر من ثقتي في قانون الطبيعة , فالعلم ميدان التغير و لا أدري هل ما كشف عنه من قوانين سليم أم لا , لكن جمال هذا العالم يقين يتسرب إلي الروح فيمتع العقل , و ليغفر الله لي غروري و قرباني إليه أنه غرور بما صنعت قدرته و حكمته أيضا , فأينما تجد الجمال و الإبداع فثم وجه الله.

3_ الرسالة الثالثة
_____________
لقد جفتني من مدة الصلاة , أقول هي جفتني و لا أقول أني من جفاها , فلا أظنني يوما أجفو الصلاة , فحين تمر عليَ مثل هذه الأيام أشعر بالقلق يعتصرني و يضيق النوم فلا يسعني  و أظل كملقى وسط البحر يرى
الشاطئ  و تمنعه قوى خفية من السباحة إليه !!
و لكن هذه الليلة لانت الروح لذكر ربها و شكوت له ضعف قوتي ,
 أتعلم يا صديقي أن روحي تكاد تكون ممزقة فهي تشتاق للبارئ و تحن لرؤيته لكنها توقن أن رؤية الله محال ..
 الإنسان قارئ نصوص يدفعه القرآن للعالم و العالم للقرآن و يرى في هذه الحركة بصيصا من نور الخالق , لكن أليس البصيص يكفي , ألم يخر الجبل حين تجلي الحق لموسى ؟!!

4_الرسالة الرابعة
______________
لعلك تعرف يا صديقي أن مشكلة التراث تسيطر على ذهني و أن عدم الاهتمام بالواقع و العالم و نفيهم لمصلحة النص في هذا التراث من أهم أسباب النقد الموجه له , لكن هناك شيء غريب فأنا رغم كل انتقادي هذا بعيدا عن الواقع و عن العالم , فربما أنا أبعد أهل مصر عن ما يحدث فيها , فأنا لا أحسن الاهتمام بواقعة جزئية , أراها فلا أشعر بوجودها حتى تتراكم مع غيرها و غيرها فأفيق لوجود رابط يربط هذه الجزئيات , فأنا أذكر جيدا أني لم أقترب من موضوع علياء المهدي و لم يخطر على بالي التفكير فيه إلا بعد شهور عديدة تحول معها الأمر من قضية علياء إلي قضية سيطرة السياسة و آليتها و منطق الإجراءات على الفكر و ألي قضية الجنس في أدب شكسبير و نجيب, و حتى الثورة لم أنتبه لها إلا متأخرا فأنت تعلم أني لم أنزل في أيام الثورة , و حين شغلت ذهني كانت قد تحولت من ثورة شعب لخلع طاغية إلي بحث في كتب الماضي عن جذور التسلط و نفي الإنسان , غريب أني مضطر للدعوة إلي الإيمان بالعالم و الواقع بما هو موضع فعل الإنسان في حين أني بعيدا عنهما , فلعلي حين أعلن نقدي لهذه الطريقة أعلم أني نفسي لم أتخلص منها !!
 لا أدري إن كانت هي مشكلة سببها مزاجي الخاص المجبول على التجريد أم أن الاتجاه للواقع مستحيل دون خرق خيوط العنكبوت التي تحجبه أولا !!

 5_الرسالة الخامسة
____________
في الحقيقة يا صديقي لقد سئمت اكليشيهات لا للاستهلاكية  و الإنسان ذا البعد و خلافه من تلك الكلمات الرنانة , أنت تعلم أني قليل التعامل مع الاستهلاكية ربما لم يستطع اختراقي حتى الآن سوى بعض أنواع الشيكولاتة التي انتقل بينها باستمرار لانتقاء الأفضل , لكن ربما الشيكولاتة ليست منتج استهلاكي ابدا بل هي جزء لابد من وجوده في حياتنا , و من العبث أن ننزل بها لمستوى الماك و الببسي و خلافه , إنها بناء عتيق سوي على مهل في عصر بناء الفلسفات الكبرى و السيمفونيات الخالدة , صدقني إنها سابقة لعصر موت الإله  , المهم أنه بخلاف الشيكولاتة فإني عدو للإستهلاكية ربما قبل فهم هذه الفلسفة من كتابات المسيري و جارودي و فؤاد زكريا و فيبر و مدرسة فرانكفورت غيرهم , فأني بطبعي مغرق في الخصوصية أعظم أكلة خارج البيت عندي ليست الشاورما مثلا بل الكشري و حين اضطر مع الأصدقاء للذهاب لأحد محلات الفاست الفود فأني أهرع لطلب الكبده الاسكندراني لأشعر فيها ببقية خصوصية , أما في المشروبات فالنكسافيه و اللاتيه و الكابتشينو و الاسبرسو و تلك الأكياس التي تجمع عجينة السكر و القهوة و الكريمر و تصب على ماء سخن بواسطة كهرباء فاراداي كلها لا محل لها من الإعراب عندي , فغير القهوة التركي "بوش" مصنوعة في كنكة لا يمكن أن أشرب , و لا تتصور سعادتي بكنكتي المنزلية "و هي كنكتي لأن لا أحد غيري هنا يشرب القهوة" و أنا أضع فيها البن و السكر و أنتظر بجابها كأني أرعى وليدي , ثم أغسلها بيدي و أعيدها إلي مكانها في رف عالي معززة مكرمة أغيب عنها و أنا مشتاق للعودة , ها أنت ترى أني لست استهلاكيا بحكم طبيعتي قبل أن أعرف من خلال الكتب الفلسفات الكامنة وراء الكوكلة و علاقتها بالتدجين و صندوق النقد الدولي , إذن لماذا أصبحت أضيق ذرعا حين أسمع ليل نهار تلك الكلمات ؟!
ربما السبب هو أني أحيانا أرى هذا الكلام يقال  "من حيث ظني طبعا" في غير موضعه أو أنه فقد تلك القداسة التي قابلته بها أول مرة حيث وجدته يعبر عن احتفاء بالإنسان و ثورة على استهلاكه و تحويله لمجرد مشتري حصيف كما يقولون في علم الاقتصاد  فإذا به الآن يتحول إلي نوع من التكرار الممل غرضه أن نقول كلاما في كلام يقوله بعض من أؤكد لك أنهم مستهلكين كبار !!
و ربما لسبب آخر أنني لا أقابل أكثر هؤلاء المتشدقين بتلك المصطلحات إلا و أجدهم ينقلون الكلام كله عن ظاهرة الاستهلاك بقده و قديده فوق واقعنا البائس و آخذ أياما لأفيق من صدمة كيف حلا لهذا الرافض للاستهلاكية هذا الاستهلاك نفسه للأفكار الذي ينفي خصوصية واقعنا و احتياجه لنمط آخر في تفسير ظواهره !!

6_الرسالة السادسة
____________
 اليوم باكرا استيقظت و استغللت فرصة أن البيت شبه خالي و صنعت قهوتي و شغلت موسيقى شرقية "تقاسيم عود لفريد الأطرش " و جلست في حجرتي لا أتأمل سوى الموسيقى و رائحة دخان القهوة الذي يعالج بواسطته بعض الهنود أمراض القلق و الاكتئاب و ما شابه و قطع علي تأملي هاجس هو ماذا لو حرمت من هذا الهدوء ؟
أصدقك القول أن الهدوء و صفاء الروح هما الأمل و البغية عندي , بسببهم لا أنزل من بيتنا صباحا إلا بعد أن أسمع أغاني و موسيقاي المحببة أولا و لو هناك وقت بعض من رواية أو مسرحية أتخذ  هذه الأشياء وجاءا لي من أن أسقط في "الهم" على رأي هيدجر أو أن أنسى الوثبة الحيوية بالسقوط في السكون على رأي برجسون , فهذه الأشياء هي  أنا حيث هي  حريتي ومن اختياري و فعلها محصن لخصوصيتي قبل أن أنزل لعالم كل ما فيه يبتلع الشخصية و الفردية , اتخذهم سلما يرقى بي إلي قمة العقل البارد أتأمل فوقه أخطائي و أخطاء الناس بنفس سمحة متعاطفة لا تسرف في اللوم ..
لكن يا صديقي الدنيا ليست على قدنا و كما يقول نجيب لا يمكن أن تنجح خطة كاملة لأن غيرنا يشارك في تأليفها و هاهي الدنيا تقود للخلاف و الجدال في مجتمع لا يحتمل بعد اختلاف الرؤى و الآراء , كم كنت أتمنى لو استطيع قول الكلام سمحا سهلا بسيطا كهدوء النيل , لكن ماذا تفعل إن كنت مضطرا في كل كلمة أن تقول أقصد هذا و لا أقصد ذاك حتى لا تفهم خطأ و يصل إلي الأذهان فقط المعنى الذي تريد !!
كنت أتمنى أن أقضي الحياة كما قضاها توفيق الحكيم في برج عاجي نهاره و تحت مصباح أخضر ليله لكن ربما نزول الميادين و العراك هو قدر جيلنا أحيانا عراك أمام وزارة الداخلية أو عراك أفكار تعشش في الرؤوس !!
لكني لا أستطيع أن أتفلسف كنيتشه بمطرقة أحطم بها الأصنام , لكن من قال إن الأصنام تحطم فقط بالمطارق ؟!
أليس من عجائب الطبيعة أن قطرات المطر قادرة عبر السنين أن تؤثر في الحجر الصلد؟!


7_ الرسالة السابعة
_____________
اليوم خطر لي خاطر غريب فتخيلت أنه بعد سنين طويلة سأضطر للذهاب إلي طبيب لعمل فحص شامل و حينها سيسألني بعد الفحوصات و الأشعة طبعا عن هل أتتناول سجائر أو كحول أو خلافه و رغم تغير طبيعة البشر أكاد أجزم أني لن أقرب يوما لا كحول و لا سجائر و لا أدعي أن التقوى و الورع وراء هذا بل مجرد أني لا أشعر بأن هذه الأشياء تشبهني أني لا أحبها و لا أكرهها بل هي بعيدة عن تفكيري تماما رغم وجودها حولي و ربما يكون لبعدها عن تفكيري سبب كامن في عقلي اللاواعي لا يعرفه أحد سوى المغفور له فرويد , لكن الدكتور لن يعلن الهزيمة و بعد اعترافي بشرب القهوة بكثرة سيقول لي بلهجة الواثق بذاته حيث هو يتكلم مجللا بسحر الطب و له قدرة فائقة فيما أعرف على التخويف من أكل معين أو شرب أو التحبيب فيهم عليك بترك القهوة , أتظاهر أني امتثلت لكني لن أترك القهوة حتى لو صدر بيان من منظمة الصحة الدولية بأنها ضارة , القهوة ليست نزوة أو مرحلة بل هي جزء من ذاتي حين تجتمع مع الموسيقى أصعد إلي عالم آخر هو عالم اللذة البريئة , و أدعوا الله أن يسكنني جنته و هناك لن أهتم بأنهار الخمر بل يكفيني القهوة ...

8_الرسالة الثامنة
___________
لنا عادات غريبة لا ندري أين و متى كان منشؤها و كيف نمت و تغلغلت فينا حتى أصبحت جزءا منا , من عاداتي الغريبة هي حبي الشديد للمنزل , فأنا "بيتوتي" بكل ما تحمل الكلمة من معنى  و كثيرا حاولت أن أصل لسبب هذه الصفة في لكن لم أهتدِ لشيء و نعيت _ككل مرة أحاول فيها تفسير خصلة من خصالي فتبوء  محاولتي بالفشل  _على نفسي قلة إلمامي بتراث فرويد و واطسون و يونج و لاكان , لكن على كل حال لا يزال ديستوفيسكي و ابسن يفيان بالغرض و لو بصورة ضئيلة , و عن موضوع بيتوتي تذكرت حين كانت أمي في طفولتنا تحكي لنا قصصا و منها قصة الولد الذي رأى الاراجوز فانشغل به و سار وراءه حتى تاه عن بيته , ألايمكن أن تكون هذه القصة تغلغت في أعماقي فأصبحت ألزم البيت خوفا من الضياع ؟!! لكن يبدو أن القصة ما كانت لتحكيها أمي عفو الخاطر بل لعلها خطة مدبرة لتغرس فينا هذه العادة "البيتوتية" !! على كل حال كانت قصة مدبرة أم عفو الخاطر فقد آتت أكلها و ها أني لا أعدل بجلسة المنزل و الراحة داخله أي جلوس في مقهى أو كافيتريا

9_الرسالة التاسعة
___________
 أتعلم ..منذ أيام كنت جالس مع أحد المثقفين في أحد المقاهي نتناقش حول عدة أمور و فجأة انصب بالنقد على عقل الحداثة الساكن و شاركته في ثورته على هذا العقل الساكن فجوهر العقل حركته , و أخذ صاحبي يترنم بأن العقل المتحرك فكرة جاءت بها اللغة العربية و أعلاها الإسلام , أعجبني أنه قال هذا بلهجة تخلوا من الخطابة , لكن غاظني علمي الشديد أن صاحبي لا يمكن أن يمضي بالفكرة لآخرها و لا يستطيع الأخذ بنتائجها الخطيرة التي منها الإيمان بحركة القرآن و تاريخيته فطالما العقل متحرك في الواقع و التاريخ و العقل تعبر عنه اللغة و القران استخدم في كلامه لغة قوم معيين لهم تاريخيتهم فلابد من فهم الكتاب فهم تاريخي , لكني أعلم أني صديقي لم يمض بالفكرة لآخرها خوفا على أفكار ظنناها مقدسة لا تمس رغم أنها من صنع البشر, و هذا هو السائد فمع الخوف و الخطوط الحمراء لا تجد سوى نصف أفكار و نصف مثقفين و نصف قراء و نصف كتاب و نصف ثورة , أنا أعلم أن الكمال محال و بالطبع لا أدّعيه  لكن الرضا بالنصف و غياب حتى الطموح للكمال هو ما يقلقني !!


الاثنين، 29 أكتوبر 2012

نجيب و الانسان و الثورة (2)



يطرح المفكر الايراني عبد الكريم سروش سؤلا يعد الأهم في هذه المرحلة باطلاق و هو سؤال ما الهدف من الدين الذي جاء به الانبياء ؟
  • تأتي أهمية هذا السؤال من كون الدين مكون هام في وعي و وجدان الانسان العربي و بالتالي فان أي نهضة مرجوة لابد من أن تنطلق من وضع تصوراتنا عن الدين موضع النقد
    .و يحاول سروش أن يقدم اجابة على هذا السؤال بعد أن يطرح الاجابات الممكنة و هو يحصر هذه الاجابات في اربعة :أولها أن يكون الدين لا فائدة منه لا في الدنيا و لا في الاخرة و ثانيها أن يكون الدين للدنيا و ثالثها أن يكون الدين للاخرة و الرابع أن يكون لكليهما , و لا شك أن الاول مرفوض , و الثاني الذي يجعل الدين من أجل الدنيا فقط بحث تصبح الاخرة مجرد هامش و الدنيا أصل يسميه سروش الدين العلماني و يراه خطرا على الدين حيث يحوله ألي ايدولوجي و مجموعة من القواعد لاصلاح الدنيا و يرة سروش أن هذا التصور لا يتفق مع رأي المتدينين حيث تهمش الاخرة هنا تماما , أما عن الشكل الاخير و هو أن يكون الدين من أجل الدنيا و الاخرة معا فيرى أن هذا التصور ليس له نتيجة واحدة و تختلف نتائجه وفقا لطريقة التفكير في علاقة كل منهما بالاخر , من التابع و من المتبوع؟ من الخادم و من المخدوم ؟و عند عدد من المجددين مثل الافغاني و شريعتي أخذ هذا التصور شكل معين هو أن الدين يعطي للانسان النعيم في الدنيا و في الاخرة معا و هنا يقول شريعتي " ان الدين الذي لا ينفع الانسان قبل موته لا ينفعه بعد موته أيضا " و لا يشكك سروش في وجاهة هذه الافكار حيث هي تجابه تراثا صوفيا لا يستهان به همش الدنيا تماما و انشغل بجهاد النفس عن جهاد الخارج مما أصبح ملاءما لنمو السلاطين الطغاة , و لكنه لا يرى هذه الرأي فهو يتخوف من أن تؤدي هذه الرؤية إلي تسرب الايدولجي الي الدين و اعتباره تعمير الارض و انشاء العلم و الزراعة و الصناعة ليست من مقاصد الدين الأصلية و ليس في الدين برنامجا لها  , و رأي سروش في هذه العلاقة بين الدنيا و الاخرة  تجعل الدين أصلا هو من أجل الاخرة و من أجل الاتجاه إلي الله و الانقطاع له لكنه يرى أن هذا غير ممكن الا بسد حاجات الدنيا أولا حتى يتفرغ الانسان بعدها إلي الله , فالدنيا قنطرة و الاهتمام بها ضروري اضطراري من أجل التفرغ للاخرة " فنحن نعمل بالنهلار لنصلي الليل "
    و لعلنا نختلف مع رأي المجدد سروش حيث هي رؤية لا تختلف كثيرا عن رأي الزهاد الذي ينتقدهم فبينا هم يرون الدنيا عائق لابد من التخلص منه بقتله هو يراها عائق لابد من التخلص منه عن طريق اشباعه و بهذا لم تبرح الدنيا مكانها كعائق عن الاخرة و لذا فما نرجوه من انسجام بين الدنيا و الاخرة " و هو ما يؤكد عليه المفكرون الاسلاميون دوما أن الاسلام ليس دينا أخرويا كالمسيحية " لم يتحقق بعد .و لتحقيق هذا الانسجام فربما علينا أثناء مقاربة علاقة الدنيا بالاخرة أن نخرج من علاقة التابع \ المتبوع , الخادم \ المخدوم , الأصل \ الفرع لعلاقة أخرى و هذه العلاقة تحتاج منا العودة إلي السؤال الأول "ما الهدف من الدين؟"الهدف من الدين هو أن يصل الانسان إلي ربه عن طريق تحرير امكانات الانسان حيث هذه الامكانات هي دليل الأصل الألهي و بالتالي فتحريرها هو الطريق إلي الله ..لذا فالدنيا ليست قنطرة أو عقبة لابد من التخلص منها (ب النفي عند المتزهدة \ الاشبااع عند سروش) لنتفرغ بعد هذا الي التبتل للواحد تحضيرا للنعيم الأبدي , بل هي المكان الوحيد الممكن لنصل إلي الله و الطريق الوحيد لاستحقاق نعيم الاخرة هو اخراج كل ممكناتك في هذه الدنيا , فممكنات الانسان لا تعمل إلا في العالم فالعقل عقل بشيء و الذات لا توجد الا لوجود الموضوع ( و لعل مسألة اخراج الممكنات و نعيم الاخرة تحتاج منا وقوف كامل مع قصة قصية لنجيب بعنوان السماء السابعة و لذا فنؤجلها لموضع غير هذا حيث هنا نشغل بالطريق و الشحاذ ) 


القران و تحرير امكانات الانسان
__________________
في الحقيقة أن فعل الانسان في العالم ليس أمرا يتم بسهولة فهو محدد بموقف ذهني من العالم  , و لن يستطيع انسان فهم العالم و تغييره دون تصور معين للعالم , و لهذا فان القران يقوم بتفكيك رؤى معينة للعالم نستطيع القول انها تجعل التعامل مع العالم مستحيل , و هذا هو انجاز القران الكبير حيث كما ذكرنا سابقا أن القران لا يفرض نماذج على الواقع بل يفكك نظام المعنى القائم خلفه حيث فرض النماذج على الواقع لا يغيره بل يطليه فقط, و لعل هذا يوافق ما توصل اليه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتبه حيث يرى أن الوعظ " فرض النماذج" لا يغير الانسان بل لابد من تغيير نمط التفكير و الا لن يفعل الوعظ سوى  تحويل الانسان لمزدوج شخصية (1)و لهذا فالقران لا يعظ في الحقيقة بل يفكك الأفكار و انماط الادارك التي تقف ضد تحرير امكانات الانسان الموصلة لله .
من تلك الأمور الأصلية التي تجعل العلم بالعالم و تفسيره تمهيدا لتغييره مستحيلا هو سحرية العالم أو تصوره مملوءا بالالهة , فهذا التصور يجعل دراسة العالم مملوءة بالمحاذير و الخطوط الحمراء و على مدى التاريخ وجدنا من تعرض للاذى من جراء هذا , فنجد اناكساجوراس يتعرض لسخط أهل أثينا نتيجة قوله أن الكواكب مجرد أحجار و أجرام لا قداسة لها و سبب من أسباب تعذر نقد فيزياء ارسطو طوال العصور الوسطى هو أنها مرتبطة بفلكه و فلك ارسطو مليء بالمحاذير حيث ما فوق فلك الفمر مقدسا و زاد الأمر صعوبة صبغ فكرة مركزية الارض بصبغة دينية , و دراسة اللغة العربية كما يقول طه حسين لا تمكن الا بعد التخلص من القداسة التي طالتها , و التاريخ لا يمكن دراسته سوى بالدخول اليه من مدخل زمني غير الهي كما يقول المسيري .
لذا فنقل القدااسة الي خارج العالم الي الله وحده هي الخطوة الاساس لفهم العالم تمهيدا تغييره " يسئلونك عن الاهلة" و قد كانت مقدسة عند البعض قبل الاسلام "قل هي مواقيت للناس و الحج" و بهذا يعود العالم إلي كونه خلقا لله و ليس مملوء بالالهة مما يجعل دراسته ممكنة و ينزع عن الانسان شعور الرهبة و الخوف و القداسة تجاهه بنقلها الي الله بعد ادخالها في وحدة أعلى كما ذكرنا سابقا.و القران فيما يرى الجابري استخدم طريقة القياس التي تنبع من قلب لغة العرب "قياس الغائب على الشاهد " لاثبات وجوده فهو يقيس وجوده "غائب" على نظام العالم المتقن "شاهد" و قديما قال الأعرابي "البعرة تدل على البعير .. والأثر يدل على المسير .. فسماء ذات أبراج .. وأرض ذات فجاج .. ألا تدل على العليم الخبير .."
و هنا يصبح العالم "عَلَم" أي دليل على وجود الله و لكن القران حرص على ألا يحصر كلامه عن الطبيعة في كونها دال أو أمارة على وجوده فقط حيث هذه الرؤية ينبع عنها افقار للعالم و للوعي ..يقول مبروك "من حيث يتحدد وضع العالم داخل هذه العلاقة- على فرض أنها حقاً علاقة- كمجرد دليل أو أمارة، فيما يتحدد عمل الوعي في مجرد الإحاطة بوجه تعلُّق هذه الأمارة بالمدلول أو الصانع سبحانه. ومن هنا أن الوعي، في كليته، لا يتجاوز في علاقته مع العالم حدود الانشغال ببيان وجه دلالته على ما يتجاوزه، وليس بالكشف عن قوانين كامنة تفسره وتنكشف دلالتها ضمن حدوده" " حيث الوعي الذي يعمل هنا هو مجرد وعي استدلالي لا يكتشف جديدا بل يسعى لاثبات ما هو مؤمن به أصلا" ..وترى يمنى الخولي في دراستها عن موقع الطبيعة في دوائر التراث الاسلامي "علم الكلام , الفلسفة و علوم الطبيعة و التصوف" "2 " أن الطبيعة كانت مجرد وسيلة لاثبات وجود الله فهي محض دليل و مكانها في التفكير كان دائرة الالهي لا الانساني و ترجع يمنى الخولي عدم وجود علم في عالمنا إلي هذا السبب حيث تقول "كان اقصاء الطبيعة عن نظرية العلم و الذي ساهم فيه الاشاعرة و المعتزلة على حد سواءهو السبب و العلة و الأصل ؛ أما المعلول و النتيجة و الأثر فهو أن أصبحت الطبيعيات الهية تدور في الدائة المغلقة من الثيولوجي ألي الانطواوجي و بالعكس , لأن الوجود اثبات لله و المعرفة اثبات الانسان "" و اخراج الطبيعيات من العلم مجال الانسان و وضعها في مجال الالوهية هو سبب انفلاتها من يد المسلم المعاصر "و هذا الافقار للعالم و لفعالية وعي الانسان و قدرته على كشف حقائق جديدة و تغيير العالم هو ما جعل القران كما قلنا لا يقتصر على وصف العالم بكونه مجرد علامة بل جعله ميدان لفهم الانسان و استيعابه تمهيدا للاستفادة منه "لتعلموا عدد السنين و الحساب" و لم يحصر الدليل على وجوده في العالم فقط بل " و في انفسكم " فالانسان في فهمه للعالم و استعابه و تغييره و اضفاء لمسته الانسانية عليه لهو أكبر دليل على وجود الله ..ليس هذا فقط بل قام القران بضرب فكرة التبعية حيث هي فككرة تفقر المتبوع و هذا من الممكن التوصل له بالتأمل قليل في الإصرار على شهادة المرأة و توريثها و تسمية سورة ب " النساء" فربما لم يكن الهدف مجرد رفع الظلم عن المرأة , فالتأكيد على مثل هذه الأمور بخصوص المرأة في مجتمع قبلي ذكوري يعني أكثر من هذا بكثير , إنه يمتد ليكون زلزلة لنظام القبيلة نفسه , اضف إلي هذا التحفيز على عتق العبيد و ذكر اسم صحابي واحد هو مولى من الموالي و ليس صريح النسب , كل هذا هو قلب لنظام القبيلة و خاصة فكرة التبعية التي تبدأ من علاقة الرجل \ المرأة , الحر \ العبد لتنتقل بعد هذا لعلاقة الله بالعالم فيصبح العالم تابعا لا استقلال له , فيتم تفسير الكون و حوادثه بالله " و هو غيب مطلق " و ليس بقوانين مستقلة يعرفها العقل , و يصبح العالم  الامارة على الله فقط ,
 لذا فان تفكيك القران لعلاقة التبعية هذه بما تحمله من افقار للمتبوع يشترك مع ما ذكرنا من عدم حصر الطبيعة في خانة الامارة في تحقيق استقلال للطبيعة يؤدي الي اغناء الوعي جوهر وجود الانسان . 
و بهذا فليست الطبيعة مجرد قنطرة لاثبات وجود الله بعدها نتفرغ للعبادة و التبتل بل هي موضع وعي فعال يقوم بالفهم المستمر والتغيير محررا لامكانات الانسان الدالة على الله و بهذا فليس العلم كما كان يرى سروش مجرد وسيلة للانسان يسهل بها حياته ليتفرغ لله بل ان العلم بما هو فعل الوعي الانساني و نقل للطبيعة من الحتم للحرية هو  ذاته طريق الي الله.



طريق الشحاذ"3"
_______


بطلا روايتي الطريق و الشحاذ هما باحثان عن الله لكنه بحث من نوع غريب فصابر الرحيمي يبحث عن ابيه من أجل الكرامة و السلام بعد ماضي لوثته الدعارة و القوادة في كنف امه و الجنس في عطفة الانفوشي تحت سماء الاسكندرية حيث تعود في طفولته على الرغد بمال قادم من امه بسيمة عمران و بعد موتها يجد نفسه مضطرا للبحث عن ابيه الذي تكشف له امه في اواخر ساعتها عن سره و سر حياته و انه لم يمت  , بحثه عن ابيه هو بحث عن ذاته نفسها لكن تظل روحه تنازعه بين استمرار الماضي ممثلا في كريمة ابنة صاحب الفندق الذي يسكنه في القاهرة في رحلة بحثه عن ابيه أو الاستمرار في البحث عن ابيه الذي يحن الي كرامته و سلامه مع الهام التي تعرف عليها في الجريدة التي ينشر فيها اعلان للبحث عن ابيه .و يشير جورج طرابيشي في كتابه الرائع " الله في رحلة نجيب" الي هذا التنافر بين الهام و صابر في التعامل مع هجران الاب فهو ينتظر قدومه بمعجزة لينقذه و حتى لا يبذل من الجهد الكثير للبحث عنه و يرفض البحث عن عمل فلا فائة من العمل اذا لم يظهر الرحيمي , اما هي فتعمل و تتجاهل هجرانه لانه هو الذي اراد ذلك و حين تعمل يظهر مرة أخرى الي الوجود , فالعمل في العالم هو الذي يظهر الله لنا فالله لا يظهر للكسالى أمثال صابر و حتى لا نظن أن أدانة نجيب لبطل الطريق " و لعلنا هنا قد نقول ان البطل هو الهام و ليس صابر فهي التي سارت الطريق الي الاب بالعمل في العالم " هو لانغماسه في كسل الشهوة و شبق الرغبة و انما لانشغاله عن رسالته كانسان بالعمل في العالم فان نفس الادانة من نجيب تتوجه لعمر الحمزاوي بطل الشحاذ حين تحل كتب الغيب محل كتب الاشتراكية في مكتبته فكأن نجيب يريد القول أنه لا فارق أن تهجر الدنيا في حانة أو في مسجد على سرير غانية أو في الرسالة القشيرية فالامر سيان طالما هجرت فعاليتك في العالم التي تعني وجودك ذاته  , و عمرو الحمزاوي يهجر ماضيه الاشتراكي و الشعري و ثورته على التقاليد و العالم و الرغبة في تغييره هجر كل هذا و استسلم لتيار الدنيا ثم أفاق على الم روحه التي خوت و من خواءها لم تعد قادرة على البحث عن الله بل هي الان تبحث عن النشوة , ان ما يقاسيه حمزاوي هو من جراء تخليه عن ذاته و عن طريقه الأصلي بتغيير العالم انه الان يتسول تلك الحقيقة المطلقة و لن يصل لها بل ستحدثه من الابدية قائلة "ان كنت تريدني فلماذا هجرتني ؟ " 


يرى عدد من النقاد ان ادب نجيب هو ادب تطهيري فدوما يتعرض البطل للعقاب نتاج حماقاته و هذا ما يحدث هنا حيث يتعرض الرحيمي و حمزاوي للعقاب حيث يسلكا في البحث عن الله طريق التسول طريق الشحاذ لا طريق العمل و مهم التأكيد على هذا حتى لا يظن البعض ان فشل البطلين في الوصول الي الله هو نزعة عبثية او عدمية بل هو في الحقيقة نابع من نزعة مؤمنة جدا بالانسان و بعمله في العالم حتى ترفض أن يصل الي الله أحد قاتلي الانسانية داخلهم أو أحد الباحثين عن الله كتئكة لكسلهم عن حل مشاكلهم التي يحيونها ليل نهار , فلا يصل الي الله ,  الي السلام و الكرامة و الحقيقة الا الذي يفعل في العالم و يغيره "و لعل من يصل الي هذا هو الهام في الطريق و عثمان خليل و ابنة عمر الحمزاوي في الشحاذ".
 فالدنيا ليست مجرد قنطرة بل هي الموضع الوحيد الذي تتحرر فيه امكانات الانسان , و العالم ليس مجرد امارة بل هو ميدان اغناء الوعي و انشاء العلم  تأكيدا لوجود الانسان المعجزة الحقيقة التي تركها الله باقية تشهد على وجوده في سعيها الحثيث إليه   ...



  • ___________________________________________________________________________________________
  • الهوامش 
  • "1 " يرى الوردي ان المسلم مسلم في الظاهر و باطنه بدوي , و رأي نزار قباني اننا اخدنا قشرة الحداثة و الروح جاهلية فنحن نعظ سواء بالاسلام او بالحداثة و لا نقوم بتفكيك بنى تفكيرنا أولا و في البداية كما هو المفترض ..
  • "2" في الحقيقة ان جملة مثل ان التراث الاسلامي عرف العلم الطبيعي تعد جملة فارغة من المعنى حيث هي جملة فاقدة الاحداثيات فهي لا تخبرنا عن هل هذا العلم كان مكتملا أم ارهاصات؟ كان متغلغل في الثقافة أم مجرد تيار هامشي ؟ اذا كان في المركز فكيف لم يبق في عقولنا اثار من هذا التصور التجريبي في حين التصور المعاكس له حتما لازال فاعلا بقوة ؟ هل هؤلاء العلماء كان تصورهم للكون نابع من الاسلام اصلا أم من فلسفات أخرى حيث لو كان من فلسفات أخرى يكون العلم في التراث الاسلامي نابع من فكر غير اسلامي أي ان الفكر الاسلامي التراثي لا ينتج علما .. ان العلم بالتراث يتطلب البحث عن النموذج المعرفي ورائه و الذي ينتظم معظم التيارات و يعطيها المعقولية و لعل هذا ما وصل اليه كتاب دكتورة يمنى "الطبيعيات في علم الكلام" حيث المتجه الالهي الذي يهدر الطبيعة و يضعها في نظرية الوجود لاثبات وجود الله أو المحرك الاول ساد كل دوائر التراث حتى دائرة التفلسف و الفلسفة الطبيعية حيث سيطر على بحوث ابن الهيثم و البيروني و غيرهم نفس المتجه الالهي ذاته
  •  "3"يقول سيد قطب عن رواية " خان الخليلي" :  إنك  لتقرأ  القصة  ثم  تطويها،  لتفتح  قصة  اإلنسانية  الكبرى.و لعل هذا يصدق في كل أعمال نجيب فكلما أردت أن تتحدث عن الرواية وجدت نفسك في بحر هائل من الأفكار و الرؤى و ها نحن نريد الكلام عن الشحاذ و الطريق فنجد الحديث يبدأ من عند سروش الاصلاح الديني و يمر بالتراث الاسلامي و بالقران قبل ان نستطيع التحدث عن الروايتين ..و لعل تحديد فكرة الانسان كمدخل لقراءة نجيب هون علينا الكثير من هذه البحور على كل حال ..


المراجع 
  • -الدين العلماني ...سروش1-
  • تكوين العقل العربي ...الجابري2-
  • الطبيعيات في علم الكلام ...يمنى الخولي3-
  • الخطاب السياسي الاشعري ....علي مبروك 4-

السبت، 6 أكتوبر 2012

نجيب و الانسان و الثورة (1)


" الثورة بالمعنى العميق للكلمة هي فعل انسنة أو بالأحرى إعادة انسنة لظواهر هي انسانية لكن تم رفعها من اطارها الانساني القائم على النقد و التجاوز الدائم إلي إطار يخايل بالكمال حتى يستعصي على النقد ,و قد يكون هذا الاطار هو الله أو الطبيعة "بما هي واقعة حتمية مستقلة عن الوعي" أو الواقع حين يتم تصويره كلحظة سرمدية لا سبب لها و لا منشأ , و ليست الثورة سوى اعادة لهذه الظواهر الي رحاب الممارسة الانسانية فهي بهذا فعل ينتصر للانسان و للتاريخ حيث يجعل الواقع أحد مراحله فقط و هو بهذا يحرر الواقع من جموده بارجاعه إلي أصله كامكانية قد تحققت فبينما تخدعنا كثافة الحاضر فنظن حضوره أزلي الا ان وجوده في الحقيقة ليس سوى  امكانية قد تحققت تخفي امكانيات أخرى كامنة قابلة للتحقق , و يكتمل تحريره للواقع بالكشف عن البنى الثقافية التي تنتظم حولها ظواهره و تعطيها معقوليتها و التي هي معقولية تاريخية حتما لانها فعل عقلي تاريخي حيث العقل بنية مفتوحة متجاوزة دوما لذاتها و لا تقف عند احد منتجاتها , و هذا النقد يفسح المجال لانبثاق ممكنات اخرى يخلقها العقل في حركته المستمرة....


الإنسان و الوحي
___________
هل جاء الاسلام لينفي تصور العبودية كعلاقة ذات أصل قبلي تحمل دلالة على التبعية و عدم الفعالية  أم جاء فقط لتغيير طرف هذه العلاقة بحيث يكون طرفها الله و ليس سلطان أو بشر ؟
لعل اجابة هذا السؤال هي ما دفعت نصر أبو زيد إلي معارضة تصور الحاكمية لسيد قطب حيث لاحظ أبو زيد اهدار مفهوم الحاكمية هذا لاستقلال الانسان حيث يتأسس المفهوم على نفي العبودية عن كل شيء و صرفها لله وحده حيث يقول قطب في المعالم "لا اله الا الله كما يدركها العربي العارف بمدلول لغته : لا حاكمية إلا لله , و لا شريعة إالا من الله , لا سلطان لأحد على أحد , لأن السلطان كله لله " و هذا التصور كما نرى لا يفعل سوى أن يجعل الله سلطانا مكان غيره بدلا من نقد فكرة التسلط نفسها !! , و يرى أبو زيد أن هذه الرؤية لا توافق عمق ما أراد القران حين نفى العبودية حيث ما أراده هو نفي العبودية نفسها كعلاقة و تأسيس علاقة جديدة مع الله مختلفة عنها و ليس الابقاء على علاقة العبودية ذات الأصل القبلي مع تغيير طرفها الأعلى من سلطان أو أي بشر ألي الله !!
فالاسلام أراد تحرير الانسان و لهذا نجده ينقد نظام القبيلة و يقلبه رأسا على عقب و رفع علاقة البشر به من العبودية للعبادية حيث الأولى مرتبطة في تراث القبيلة بنفي الفاعلية و الثانية "عبادية"  تنفي العبودية بحيث تدخلها في وحدة أعلى بعد أن تشرب بالحب و الرحمة و نقول تشرب ايضا بالفعالية و الاستقلال   .."1"
و هذا التصور حين ينسحب على الوحي فهو ينقل الوحي من كونه "سلطة "و نموذج مكتمل سلفا يفرض نفسه على الواقع إلي كونه "قد تشكل في التاريخ و بالتاريخ و من أجل التاريخ , الأمر الذي يعني أنه ليس أبدا مجرد مبدأ قسري مفروض على الحضارة من الخارج بسبب طبيعته المفارقة , بقدر ما هو المبدأ الباطني المعبر عن روحها الذاتي , و ذلك بصرف النظر عن مصدره المفارق , و الذي يلزم عن تصور فعله ضمن سياق لا تاريخي نقض مبدأ الوحي ذاته , لانه ابدا "فعل في التاريخ" لا خارجه " "2"
" و هذا معناه ان الانسان هو جزء من الوحي ذاته "اذ الانسان يعد جزءا من صميم بنية الوحي , لا بما هو مجرد قصد له _ بل و الأهم_باعتباره أداة حياته الحقة في التاريخ , و لقد كان ذلك هو ما أدركه الامام علي عندما أثيرت مسألة الحاكمية للمرة الأولى أثناء حرب صفين , بعد رفع خصوم الامام القران على أسنة الرماح و دعوا الي تحكيم كتاب الله , فما كان من الامام سوى أن نبه أصحابه الي ان القران انما "هو مسطور بين دفتين لا ينطق و انما ينطق به الرجال " و كان يعني بالطبع أنه ما من حضور للقران في العالم الا من خلال الانسان و به ""3"
 و هذا ما كان يؤكد عليه أبو زيد من أن التواصل الدلالي للوحي معنا و قبوله للعيش في كل زمان و مكان مرتبط بقراءة له تجادل سياقه اللغوي الداخلي بسياق نزوله  و تكونه بسياق القاريء نفسه , و هذا معنى التحرر من سلطة النص أو التحرر من النص كسلطة فمعناه البحث عن طريقة أخرى في التعامل مع الوحي تمركز الانساني في قلبه فتحرره من الجمود الذي يراد له ...
و ان كان ابو زيد يرى أن الاسلام حرر الانسان من العبودية كعلاقة متجذرة في الوعي القبلي و ليس من طرف فيها فقط , نجد أن فكرته عن النصوص تتطور مع علي مبروك لتصبح في سياق ما نستطيع القول عنه أن الاسلام في تعامله مع فكرة التفكير بالأصل أو النموذج الجاهز المكتمل ذات الجذر القبلي قد تجازوها نفسها و لم يضع القران كنموذج بديل لنماذج أخرى , حيث ينظر الاسلام للواقع بأنه يحمل نظام معني مختفي خلف الممارسات يتركز في القبلية لذا فالقران يفكك بنية هذا النظام بما هو مولد الشرك كما يرى شريعتي حيث الشرك هو تقديم مبرر لطبقية المجتمع حيث تتراتب الالهة في مراتب كتراتب الناس  و يكون الاله الاعلى هو اله القبيلة الاقوى بما ينطوي عليه هذا التصور من نظرة قومية للاله تتهاوى به عن تعاليه المفترض ..
فالتوحيد ينبثق بعد تفكيك بنية الشرك و لا يفرض كنموذج مكتمل على الواقع , و هذا واضح في أمور كثيرة منها موضوع المرأة و الرق فلم يفرض القران نموذج مكتمل على الواقع بل قام بتفكيك نظام المعنى خلف الواقع ليخرج ممكناته التي تتطور في الزمان.
و ارتباط الفكرتين ببعضهما أي فكرة نفي فعالية الانسان و طريقة التعامل مع الوحي كنموذج منجز خارج التاريخ قائم في عمق تراثنا حيث التصور الاشعري الذي جمع الفكرتين معا فحيث فعل الانسان هو فعل مجازي مجرد كسب لفعل قام به الله على الحقيقة و ما يحويه هذا التصور من تمركز حول الله و نفي للانسان و نفي للواقع و الذي يتحول من نفي لهم على مستوى الوجود إلي نفيهم داخل الوحي فيتم انكار ان الوحي تكون في التاريخ و في الواقع و ينتهي الي ان الوحي معنى قائم بالنفس أزلي و ليس المخلوق سوى حروفه , تماما كما أن فعل الانسان هو بما هو فعل الله هو فعل أزلي و ليس فعل الانسان سوى حرف له و مظهر و حكاية عنه و يزيد هذا وضوحا كون القران و افعال الانسان مكتوبان معا على اللوح المحفوظ!!

و التيارات الاصلاحية بدءا من محمد عبده اهتمت بأن تظهر الانسان كفاعل حر و لكن الغريب انها لم تهتم لقضية أزلية القران بل انها جمعت بين تصور حرية الانسان المعتزلي إلي جانب تصور أزلية القران الاشعري , ليس هذا وقفا على عبده بل ان أحد أهم المفكريين المعاصرين المدافعين عن حرية الانسان لدرجة الاصرار على أن "الله لا يتدخل في التاريخ" وهو المعروف  بالرفض التام للتصورات المهدويبة و المشيحانية التي لم تخترق فقط الاسلام الشيعي بل و السني ايضا و للتصورات الغربية للتاريخ بدءا من هيجل و ماركس الي فوكوياما و هتنتجتون كل هذا لان ما يجمع بين هذه التصورات كلها هو نفي فعالية الانسان , اقصد المسيري طبعا صاحب مقولة المسافة ,  فهو يرى ان جوهر التوحيد هو المسافة بين الخالق و المخلوقات بحيث لا يحل فيهم و لا يغترب عنهم, نقول انه برغم هذا التأكيد على حرية الانسان و صنعه للواقع و التاريخ  يقبل ببساطة تصور الاشاعرة عن الوحي باعتباره هو المحقق لهذه المسافة كما يقرر في كتابه  "اللغة و المجاز بين التوحيد و وحدة الوجود " فالله لم يترك العالم لكنه لا يحل فيه بل يتواصل معه عن طريق الكلمة عن طريق رسالة مركبة لها ظاهر و باطن و يتحرك الانسان لفهمها عن طريق مجادلة تصوراته مع النص في حركة حلذونية لا تتوقف للوصول الي المعنى الباطن..
و لكن لو سألنا انفسنا هل حقا هذه التصور للوحي يحقق أو يتفق مع تصور المسافة ؟
في الحقيقة ان هذا التصور للوحي انتج عند احد اهم أقطاب التصور الاشعري و هو الغزالي رؤية عرفانية واضحة و جلية لاي قاريء لكتب حجة الاسلام تجعل الوصول للتفسير مستحيل الا بالقضاء على تلك المسافة  و هذا منطقي بل شديد الاتساق فان كان المعنى الاصلي الباطن هو أزلي قائم بالنفس فليس لي من طريق للوصول اليه الا بالخروج من الواقع و التاريخ و لن يكون بالعقل الذي هو بنية مفتوحة على التاريخ بل بالخيال , لان أي حركة في التاريخ ستظل متعلقة ب"القشور" تاركة "اللباب" لاهل الله و خاصته العالمين بالعلم المضنون به على غير اهله طالما ان التاريخ ليس داخلا في بنية الوحي..
فربما لم يدرك المسيري أن هذا التصور للوحي باعتبار ان له جانبان ظاهر زائف مجازي و باطن حقيقي هو انعكاس لتصور الفعل الانساني باعبتاره من جهة الانسان زائف مجازي كسبي وانه في الحقيقة فعل الله  و لا علاقة للانسان به سوى بالكسب و هو قطعا ما لا يتسق مع تأكيد المسيري الدائم على حرية الانسان و صنعه هو للتاريخ "الذي لا يتدخل فيه الله " !!اي انه لم يدرك علاقة قول الاشاعرة بأزلية الوحي بتصورهم للفعل الانساني و لم يحاول الربط بينمها..
و رغم ان تصوره مقاربة الانسان للوحي كحركة حلذونية مستمرة بين العقل و النص بغية الاقتراب من المعنى الباطن يوحي باعطاء اهمية للانسان الا ان الامر ليس كذلك ,  فهنا الوحي مكتمل متكون سلفا و ينحصر دورالانسان في ان يكون اداة لتنزيل معناه الازلي المفارق على الواقع "و ليس أداة تكوين معناه نفسه"و الغريب ان تصور المسيري ان الله اعطى الانسان الدور في تكوين التاريخ نفسه و ليس ان يكون اداة يفعل بها الله لم ينسحب على الوحي بحيث يكون الانسان هو نفسه داخل في تكوين الوحي كبنية متحركة تلك الحركة التي يوقفها جعل المعنى موجود سلفا في "الباطن "
و لعل التصور الاقربب الي التناسق مع فكرة حرية الانسان هو ان الله انزل وحيا متحركا لان الانسان و التاريخ جزءا منه و تتوقف استمرارية حركته على قدرة الانسان ان يجادل سياقاته "الداخلي و الخارجي الذي تكون فيه و سياق القاريء "مكونا لمعناه فمعنى القران ليس قائم بالنفس في الازل بل معنى القران متكون بقراءة الانسان له  ..

و هذه التلفيقية بين فكرة حرية الانسان و فكرة أزلية الوحي يرجعها البعض للطبيعة التلفيقية لخطاب النهضة نتيجة انه خطاب تسربت اليه اليات السياسة النفعية في تعامله مع التراث بالذات الذي أضحى ميدان للانتقاء اعتبارا للمنفعة  بدلا من ان يكون موضوع للوعي العلمي و الموضوعي ,  و يرجعها مبروك الي ان خطاب النهضة باعتباره خطاب اهتم جدا بمعضلة السياسة كعلة للحداثة و ليس معلولا لها يهتم بالبحث عن نماذج جاهزة يفرضها فرضا على الواقع " حيث هو عقل قياسي فقهي يقيس فرع هو الواقع على أصل هو النموذج فيما يرى الجابري "انطلاقا من اهتمام السياسة بالثمرة لا بتقليب التربة , و لهذا يتم اختيار نماذج جاهزة سواء من الغرب أو من التراث و يتم فرضها على وعي غالبا يحمل طرائق و اليات تفكير_ و ليس فقط أفكار_ تقليدية تظل تزاحم هذه الأفكار على سطحها حتى تقصيها  و هذا بدلا من الطريق الطبيعي و هو محاولة تجاوز هذا الوعي نفسه بتفكيكه تمهيدا لانبثاق الوعي الجديد , و لكن الجدير بالملاحظة ان نفس الفكرة التي تستمر في عمق الوعي من عبده إلي المسيري رغم اقرارههما حرية الانسان هي فكرة تصور القران كمنجز جاهز خارج التاريخ  , و هذه الفكرة أو هذا التصور للقران الناتج عن اليات التفكير بالأصل الجاهز و هي الية النقل التي تجد جذورها الأصلية في القبيلة " و التي لم تفكك بعد " تعيد مرة أخرى بعد ارتباطها بقدسية الوحي انتاج نفس الالية في التفكير "التفكير بالنماذج" فسنظل في نفس الدائرة المفرغة من نماذج تفرض على الواقع منكرة ما يحويه من معنى يعطيه المعقولية يلزم تفكيكه أولا ..
و لعل هذا يؤكد أن أي  محاولة لاعادة الاعتبار للانسان لا تضع في مركز تفكيرها اعادة مقاربة الوحي بحيث تضع الانسان داخله لا يعول عليها و تظل قنبلة موقوتة تعيد انتاج نفس طرائق التفكير التي تقصي الواقع و الانسان و التاريخ .(4)


الله
_____
كما قلنا ان الاسلام جاء لنفي فكرة العبودية ذاتها كعلاقة و نفي فكرة التفكير بالأصل كطريقة في تناول الافكار و بهذا فهو انتصر للانسان و التاريخ و الواقع و لنا الان أن نسأل هل جاء الاسلام ليعملنا بوجود الله ؟
في الحقيقة لا , ببساطة لان من نزل عليهم القران يعرفون وجوده بالفعل كما يحكي لنا القران و بالتالي فالقضية ليست وجود الله كقضية معرفية بل القضية هي وجود الله كمحرك باطني لافعالي فبيمنا نجد البدائي يمثل له الاله موضوع للمنفعة "اله مطر - ريح "  نجد الله هو معبود بحق معبود من أجل ذاته و هذا الارتفاع من عبادة من أجل منفعة لعبادة من أجل الحق يوازيه ارتفاع من انسان متمحور حول منفعته الي انسان متحرر منها و لعل التحرر هذا يجد تطبيقه الاسمى في الاخلاق و الجمال و في الفعل الانساني باعتباره تشكيلا للعالم و انسنة له , و لهذا فمعرفة الله ليست معرفة موضوع بل معرفة جمالية و اخلاقية و عملية لا تتحقق الا بهذا الارتفاع  عن الطبيعة , و لاننا نجد ان تراثنا كله يحارب في السماء حول قضايا مركزها الله وحده فان النقد واجب لهذا التراث حتى يعود الله من كونه قضية انطولوجية تخضع للمعرفة النظرية و جدالاتها الكثيرة الكثيفة إلي كونه جوهر الوجود و معناه و نهايته و الذي لا يظهر إلا لمن يخرج من تمركزه حول ذاته مانحا للوجود المعنى  بفعله الدؤوب في العالم , و لن يكون هذا الا بنقد كل نمظهرات هذا التراث من نفي لفاعلية الانسان و تجميد للوحي و تغييب للواقع  و نفي النية الفكرية العميقة التي تمثل جوهر هذه التمظهرات, وحقيقة فأن قراءة لادب نجيب محفوظ تضعنا أمام هذا النقد متمثلا في فن راقي , بحيث نستطيع القول ان محفوظ قلب بأعماله اللاهوت الاسلامي رأسا على عقب و رسم شكلا جديدا يكون وجود الله فيه رهنا بفعلنا في الارض و تحقيقا للعدل فابدا لن ننال "ورق التوت " بالجلوس في التكية بل فقط بحمل "النبوت"لنشر العدل و هذا واضح في أعمال مثل "الشحاذ" و "الطريق " و "اللص و الكلاب" ," السمان و الخريف" و "الحرافيش" و "اولاد حارتنا" و غيرها ..
و لانه بعد شهرين تحل ذكرى ميلاد العملاق و بعده ذكرى الثورة فهذا يحتم علينا اعادة الغوص في أدبه الثائر بالمعنى العميق , و لان هذا لا يكفيه مقال فستتابع باذن الله المقالات من الان إلي وقتها في محاولة للاقتراب من عمق ما يطرح أدبه من رؤى كفيلة بتغيير رؤيتنا للإنسان  , فعلى أساس هذه الرؤية يتوقف مصير كون  الثورة ثورة بمعى الكلمة أم تغييرا في وجوه يتخفى وراءها نفس الاستبداد!!
_______________________________________________________
الهوامش
"1" انظر نقد الخطاب الديني من 216 إلي 219
"2" و "3" جدل الحداثة ..علي مبروك
"4" و كما أن تلاميذ عبده سارا في اتجاهين مختلفين أحدهما مدرسة رشيد رضا و البنا و قطب و الاخر مدرسة لطفي السيد و سعد زغلول و زكي نجيب محمود فربما نجد نفس الأمر مع المسيري و للاسف لا يرجع هذا لادراك الاتجاهين تقاربا "لاسمح الله" و هو ما نتمناه لكن لأن كتابات المسيري تجمع احيانا تصورات غير متناسقة و لا يربطها وحدة , فمثلا هناك مقال للمسيري عن التاريخ يذكر فكرة تتناقض تماما مع التصور الاشعري الذي تبناه في قضية الوحي , و هي فكرة أن الرسول -صلي الله عليه و سلم - حامل رسالة و معارضته لمحاولات تأليهه , و من هذه المحاولات جعل كل أقوال و أفعال الرسول وحيا و هو ما يعارضه المسيري حين يؤكد على حديث "أنتم أعلم بأمور دنايكم " و يبدو أن المسيري لم يقرأ الابانة و التي يستدل فيها عن طريق الاحاديث و القران الامام الاشعري على خلافة أبي بكر !!  بل ان تأكيد المسيري الدائم على فصل السياسة عن الدين لا يتفق ابدا مع التصور الاشعري الذي بدأ من كتاب الابانة يعتبر أن السياسة هي الأمامة الكبرى تقاس على الامامة الصغرى و هي الصلاة ..فهذا معناه أن المسيري وضع هذه التصورات إلي جانب بعضها فأصبح التراث حينا و الغرب حينا " على حد تعبير أبو زيد متكلما عن عبده " معيارا للاختيار و لم يقم بمحاولة الوصول إلي الوحدة التي تنتظم هذه الرؤى في سياقاتها التي اقتطعها منها ..
و لعل الطبيعة التجاورية " و المصطلح لمبروك متحدثا عن محمد عبده " في كتابات المسيري تحتاج لدراسات أكثر تفصيلا
المراجع :
نقد الخطاب الديني ___نصر ابو زيد
مفهوم النص ______نصر ابو زيد "هذا الكتاب يحتوي على دراسة مهمة عن الغزالي و كيف أدى به تصوره للوحي بأنه صفة لله إلي أمور منها أن معرفته لا تكون الا بالمعراج الصوفي نفاذا الي باطنه الذي هو معرفة الله "الياقوت الاحمر" فالوحي ليس للانسان و الواقع بل لترك الاثنين و التبتل لله !!
الحداثة بين الجنرال و الباشا _____علي مبروك
اللغة و المجاز _______المسيري
مقال بعنوان "عن البناء الاشعري الفقير للوعي" لعلي مبروك في موقع الاوان من أجل ثقافة علمانية

الجمعة، 15 يونيو 2012

المادة الثانية من الدستور ...من قطع اليد إلي قتل الوعي النقدي


  • رغم ان التراث الاسلامي شهد وجود طيف كبير من المذاهب العقائدية و الفلسفية و الفقهية إلا أن تيار واحد فقط هو من ساد و احتل المركزية و هو التيار الاشعري في العقيدة و في الفقه التيار الشافعي و الحنبلي في صورتهم الموحدة عند الامام ابي حامد الغزالي اما باقي الرؤى فقد احتلت الهامش ....
و هذا يجعانا نطرح تساؤل و هو  لماذا كُتب  لتيار ما السيادة على حساب البقية ؟ و لكي نزيد من اتساع رقعة التساؤل بحثا عن اجابة أعمق لنجعل السؤال هو لماذا يسود نسق معرفي على آخر أو آخرين ؟...  علينا أولا توضيح أن أي خطاب معرفي يحاول في الاساس خلع اطلاقية عليه نفيا لنقيضه المتكون أو حتى الناشيء و بهذا فالكلام عن الموضوعية المطلقة أو تسمية خطاب معين بأنه خطاب اهل السنة و الجماعة مثلا ليس إلا لافتة الغرض منها في الاساس كسب اطلاقية و مشروعية عن طريق استخدام ارهاب ايدولوجي , فان وصف خطابي بأنه وحده العقلاني لا يدع أمامك خيار سوى الانخراط في خطابي أو أن تهنأ بأن تكون جهلاني!! ,ان لم تخضع لخطابي خطاب اهل السنة و الجماعة فأنت قابع في صف أهل البدعة و التفرق و الله نهى عن التفرق في السبل و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار!!و هنا نجد أن هذه الاوصاف ليست سوى سلاح مستخدم لوضع احد الخطابات في المركز و هذا السلاح غير معرفي ..فالمفترض ان النسق الافضل هو الاكثر قدرة على التفسير و استخدام سلاح من خارج اليات المعرفة يجعل سيادة تيار معين هي سيادة غير معرفية و غير منطقية . و ما دمنا نتكلم عن تراث المعرفة في الحضارة الاسلامية فجدير بالذكر محاولات كثير من الباحثين مثل نصر حامد أبو زيد و علي مبروك كشف البنى الغير منطقية لسيادة التيار الاصولي لا غيره و نفي التيار الاعتزالي و الفلسفي و نفي مذاهب الفقه التي تميل للرأي مثل المذهب الحنفي و المالكي ,  و ليس مهما هنا ذكر تفاصيل هذه العملية التفكيكية بل يكفي الاشارة الي انهما حاولا البحث عن الجذور الاجتماعية و السياسية و القبلية التي سببت سيادة هذا التيار و ان سيادته لم تأت من كونه الافضل معرفيا .. 
  • و هذه المحاولات ليست مقصورة على التراث الاسلامي فلو حاولنا التزام ما قلنا من الوصول لاجابة اعمق للسؤال المطروح عن طريق توسيع رقعة التساؤل و التنقيب فعلينا الانتقال الي محاولات شبيهة في الغرب للتغلب على مشكلة كبيرة  و هي مشكلة موضوعية العلم و هي مقولة من اهم مقولات نظرية المعرفة في عصر الحداثة و من أهم عقائده و التي جعلت المشروع الثقافي الغربي قائم فقط على نتائج العلم فهي بؤرة الاهتمام التي تهمش كل النشاطات الاخرى فهو صاحب القدرة وحده على فك مغاليق الكون و اسراراه ,  لكنها ايضا اكبر مقولة تعرضت للنقد في الاونة الاخيرة من قبل النسويات و فلاسفة النسبوية العلمية حيث يرون انها ليست الا لافتة ترفع لتبرير نتائج العلم و اضفاء اطلاق عليها و الايهام بانها "مستقاة من مصدر خارج نطاق الصراع الاجتماعي البشري العادي , تهبط على المجتمع  من مصدر أرقى من البشر " كما يرى ريتشارد لينتن عالم البيولوجي .و هذا ما جعل نظريات العلم فوق الشك و تحول الي اداة لتبرير الانظمة القائمة و سيطرتها على الطبيعة و تدميرها ..فهنا تكرار لنفس الامر , سيادة نسق معرفي لمجرد الارهاب الايدولوجي , يقول فيير ابند بول "ان العلم ليس كتابا مغلقا لا يمكن فك طلاسمه الا بعد سنوات من التدريب و التمرس , بل هو نظام عقلي يمكن أن ينتقده أي شخص معني بأمر العلم , و أن الصعوبة المزعومة للعلم ترجع الي الحملة الايدلوجية المنظمة التي يشنها العديد من العلماء الغرب لإدخال الرعب في نفوسنا من العلم "و لكي نقوم بنزع قناع الارهاب الايدولوجي لابد من اثبات تهافت مقولة الموضوعية المطلقة لهذا قام هؤلاء الفلاسفة و غيرهم و علماء بمحاولة اظهار أثر البنية الاجتماعية و السياسة على سيادة هذه المقولة و على سيادة نظريات بعينها و في هذا نجد بعض اللاداروينين يحاول تفكيك مركزية نظرية داروين بالبحث عن أصولها الاجتماعية و السياسية أو رد الاهتمام المتزايد بالجينات و جعلها أصل الصفات و الكائن ككل الي سيادة النزعة التجزيئية و الاختزالية التي سببها تغير بنية الاقتصاد الي الاقتصاد الرأسمالي الصناعي حيث الفرد ذرة مستقلة اجتماعيا يُعد هو أساس المجتمع , فالجزء هو من يشكل الكل فانقسم العالم لتروس و راوفع و هناك فصل تام بين السبب و النتيجة يظهر بوضوع في نظرية داروين , و بالطبع لسنا بصدد مناقشة رأي هذا العالم لكن فقط اشارة لمحاولة تفكيك لبنية نظرية معينة و أن سيادة تصور معين يعود لاسباب اجتماعية و سياسية و خلافه و ليس شرطا ان يكون مصدر السيادة أسباب معرفية . 

  • و لو حاولنا تفهم هذه المحاولة فسنجدها استمرار لمعنى التنوير الذي دعى له فيلسوف التنوير كانط في قوله " كن جريئا في استخدام عقلك " و ترديده ليس ثمة وصاية على العقل سوى العقل ذاته , انها اذن محاولة لانقاذ العقل أن يتحول من كونه فعاليه نقدية الي  مصطلح جامد يخفي شكل معين من تصورات أبدعها العقل مرتبطة بخلفية زمانية و مكانية .و بالاساس هي محاولة لانقاذ المعرفي من السياسي ...ان ثورة هؤلاء الفلاسفة على العقل العلمي و موضوعيته المدعاة هي ثورة على هذا العقل الذي ساد بقوة السياسة التي حولته لعقل اداتي نفعي يستخدم الطبيعة و يستغلها (و ينفي المرأة باعتبارها صاحبة عاطفة لا عفل موضوعي فيما ترى بعض النسويات) , و بقوة اللافتات الايدولوجية ...ان دعوة فيير ابند بول الابقاء على مختلف التصورات للتفسير لان الرأي و ان كان باطلا قد يتضمن جزءا من الحقيقة هي في جوهرها دعوة لرفض تدخل المؤسسات العلمية  (بما تحمله من عيوب اي مؤسسة من بيروقراطية و رغبة في الثبات و السكون ) لنصرة سياق معرفي على اخر , انها الرغبة في ان يسود المعرفي فقط لاسباب معرفية .. 

  • لو تركنا كل هذا التنقل بين الشرق و الغرب و الماضي و حاولنا الوقوف لحظة في حاضرنا الراهن مستشرفين المستقبل لوجدنا أن الخطاب المعرفي الديني السائد و هو الخطاب الذي يفكك الباحثون مرجعية سيادته و يرجعوها الي السياسة هو الان في سدة السياسة ربما الي مستقبل قريب , بل في سدة التشريع للمستقبل البعيد ..أي ان سيادته تتأكد الان في فترة تاريخية اخرى بنفس الطريقة القديمة و هي طريقة السلطة السياسية بلا اي سند معرفي !!ان محاولة مفكرينا تفكيك هذا الخطاب كانت قائمة على نفس اسباب فيير ابند و الفلاسفة الاخرون و هذا ما أكد عليه ابو زيد في اكثر من موضع فهو يقول في كتابه "النص , السلطة , الحقيقة "
    (لن يكون للفكر و لا الثقافة دور الا بان تشيع و تنتشر بكل الوسائل الممكنة و المتاحة , بالكلمة المكتوبة و المذاعة و المرئية , بالكتاب و المتحف و المعرض و الهم من هذا اشاعة روح العلم ,لا بين الجمهير فحسب بل بين النخبة و الصفوة أساسا .و يحتاج ترسيخ ذلك كله الي تغيير الشروط الراهنة للحياة الساسية و الاجتماعية بالحرص على التعددية و ممارستها .ويبقى الشرط لمارسسة تعددية حقيقية البدء و على الفور في قطع الحبل السري الذي يربط المفكر و المثقف و السياسي , و العمل على استقلال ادوات انتاج المعرفة بكل فروعها من العلوم الي الاغاني و الاناشيد , مرورا بالفلسفات و الفنون و الاداب , عن سلطة السياسي . ان السياسة فيما يقال هي فن تحقيق الممكن , اما المعرفة فهي فن بناء المستقبل و تحقيق المستحيل )
    لكن أصحاب هذا التيار هم من يحكمون و هو كما قلنا تيار يحصن نفسه من كشف بناه التحتية الغير معرفية بغطاءات ايدلوجية كثيرة و ادعاءات القراءة التحقيقية للنصوص و خلافه , و مواضيع الاختلاف معهم كثيرة و مناطق المناقشة عسيرة تتعلق بهل الاسلام دين و دولة أم لا ؟ هل الاسلام يحتوي شكلا للدولة ؟.. هل يصح الاجتهاد في مسائل الميراث و تعدد الزوجات و الحدود ؟ الذمية التي يوصف بها الاقباط هل هي حقيقة ان انهم مواطنون من درجة اولى ؟ هذه اسئلة يمتلك هو اجابة عنها و هناك من الائمة و المجتهدين و المجددين مثل محمد عبده و علي عبد الرازق من وجد اجابات أخرى , و لا شأن لنا بأي اجابة يدين أصحاب التصور السائد لكن شأننا أن يكتب لاجابته النصر لمجرد وجوده  في السلطة ....ان الدستور الذي سيتم كتابته لو جعلت مادته الثانية " احكام الشريعة مصدر للتشريع بما فيها الحدود و الميراث كما هو و غيره من الاحوال الشخصية  " فهذا معناه أن تصورا معرفيا ساد لمجرد الاغلبية البرلمانية ..يسود تصور معرفي بعدد اصابع اناس طحنهم الفقر و الجهل فاحتاجوا من يعلمهم لا من يستغل جهلهم و حاجتهم في نصرة تصوراته الفكرية !!ترى هل يناطح أولو بقية من اصحاب عقول داخل اللجنة أو من هم خارجها لجعل المادة لا تتعدى المباديء العامة للشريعة حتى نقطع الطريق على سيادة المعرفي بسلطة السياسي ؟هل يترك للاجيال القادمة مساحة واسعة للنقاش و الجدال حول تلك القضايات و الاسئلة ليسود الافضل معرفيا ؟ان فعلنا خلقنا العقل النقدي التنويري ذاك المطلوب لبناء الحضارة و الاشتراك في الانجاز البشري ...و ان لم نفعل قتلنا السؤال بإجابة قاهرة بدلا من تركه يبحث عن اجابة مقنعة , نقتل السؤال رغم ان السؤال هو شريعة الثائر و دينه , ذاك الدين الذي لا مقدسات فيه سوى العقل النقدي و الرب الرحيم العادل رب الجميع الذي لا يتكلم احد بلسانه بل كلنا يسمع و يخشع و يحاول الفهم و يسود الفهم الاقرب وفقا
    لاليات المعرفة لا غيرها  ...
    ان القضية الرئيسية في موضوع تحكيم الشريعة ليست كما يريد البعض ايهامنا بأنها قضية قطع الايدي  أو التنازل عن هذا القطع و تأجيله حتى يتكون مجتمع الكفاية بل القضية لها ابعاد كثيرة منها ان لم يكن أهمها سيادة تصور "الحاكمية " _و ما يحمله من مضامين تضيق ميادين الابداع العقلي لحساب تحكيم النص في كل القضايا  , و تكرس لعقل اتباعي منفعل لا ابداعي فاعل _  بقوة السياسة لا لأنه التصور الافضل , انها قضية خلط السياسي بالمعرفي ..

________________________________________________________________________________________



  • المراجع
  • :النص , السلطة, الحقيقة ....نصر حامد أبو زيد 
  • دوائر الخوف ......نصر حامد أبو زيد ..
  • ما وراء تأسيس الأصول ....علي مبروك ..
  • التعددية المنهجية ....خالد قطب...
  • البيولوجي كأيدلوجي ...ريتشارد لينتن ....ترجمة : مصطفى ابراهيم فهمي i

الأربعاء، 25 أبريل 2012

من "حضرة المحترم" الي حضرة الثائر ...


  • الدولة
_____
  • بعد تهميش المطلق في بناء الدولة الحديثة طبع الانسان اشواقه الي الابدية على الدولة و اصبحت مطلقا جديدا
و تتحول الدولة من كونها مجرد اداة لخدمة الافراد الي غاية في ذاتها ,بل ان الافراد في خدمنها يفعلون فعلا مقدسا كالصلاة تماما لا فرق و تتولى الدولة المهمة القديمة للاله فهي التي تحدد معيار الاخلاق وفقا لمصلحتها العليا , او يحددها الانسان الطبيعي الذي ينص عليه عقد هوبز الاجتماعي بعد ان يتعملق ليصبح وحش اشقر يأكل كل من يقف في طريقه و لا يرثى للضعفاء تماما كالدولة حين تقتل الاطفال لتطهير المداخن او تقتل افكارهم و تحصرهم في خدمة الحزب الواحد , و حين تجيش الجيوش لسرقة الاخر تحت مسمى الكشف و التعليم !!


هذا في اوروبا لكن ماذا عن حارة الحسيني؟في حارة الحسيني قُتل الانسان و لم ير سوى ضوءا صغيرا يطل على مكتب المدير العام اخر ما ترك المحتل لابناء الفقراء في سلسة الوظائف و لم يجد "عثمان بيومي"  سوى ان يغدق اشواقه الي اللانهائية على هذا الكرسي فاحتلت الدولة عنده مكانة المطلق او على الاقل معبده الوحيد فالامر متشابه اذن لكن في اوروبا تم تهميش المطلق باخراجه من اللعبة و تحديد اقامته في السماء كما يقولون لكن بعد ان تحول الانسان لقطعة من الطبيعة آن الوقت لان يعلن لنا نيتشة خبر وفاة الاله دون رثاء اما في حارة الحسيني فلم يتعرضوا للاله لكنهم بنوا المتاريث في الطريق اليه فلا عمل و لا نظافة و لا شبع فظهر من وراء الاشياء الها قاسيا يعذب العباد و يتفنن بايلامهم و حين يضع بيومي مطلقه في الدولة فسيعاملها على انها كلمة هذا الاله القاسي ,فلن يعبأ للانسانية التي بقي منها شيئا ضئيلا داخله يتمنى لو مات و لن يرى جمالا حتى و ان عرض امامه ,لن يرى سوى الشقاء في طريق تحقيق هدف وحيد هو الله المتجلي في الدولة 


  • تماهي الاله مع الدولة في ذهن عثمان بيومي
 __________________________
  • ان الاله ينزل من عليائه حتى تصبح نصوصه في خدمة مصلحة الدولة العليا فنجد عثمان يقول "ليس بالتعليمات المالية وحدها يحيا الانسان"و يقول حين يحوذ درجة في طريقه المقدس الي منصب المدير العام "ورضي الله عنه اخيرا ففتح له الباب العالي الموصل الي الحضرة الالهية العليا "فهنا يتحول الانسان الي الموظف , و يتحول جدل الخبز و الروح الي جدل التعليمات المالية و الثقافة التي ينبغي للموظف حوزها !!و تصبح الحضرة الالهية حضرة ادارية عليا !!و هذا الهبوط الحاد للاله من عليائه يصاحبه كما ذكرنا هبوطا في الانسانية و الضحايا في هذا الهبوط كثيرة و لننظر الي الاخلاق مثلا فعثمان يتمنى لو مات احد من يسبقوه في الدرجة "حمزة السويفي " علّه ينتقل لها ليقترب من هدفه المقدس و فردوسه و لكنه و لا شك يلوم ذاته على هذا التمني قائلا: اللهم العفو و السماح !!لكن نجده بعد هذا الابتهال يقول "ويؤمن بان طريقه المقدس تتتلاطم على جانبيه امواج الخير و الشر , و ان شيئا لا يمكن ان ينال قدسيته سوى الضعف و الخور و الاستسلام للمسرات و احلام اليقظة "....هذه هي الخطايا التي تنال من قدسية عثمان كل ما يقف في طريقه المقدس , اما استخدام البشر وسيلة فلا تنال من قدسيته لان القدسية بعد ان نزلت من الاله للدولة نزلت من الانسان للطموح المتقد و لهذا فحين يقول  عثمان عن نفسه  انه رجل يفعل الواجب فايا ان نظن ببطلنا مثالية كانطية ,فليس الواجب هنا هو واجب كانط و اخلاقه التي تزين صدره كما تزين النجوم السماء !!فتمني الموت ان تم لاشخاصا على مستوى الخيال معقوبا بندم سرعان ما يذوب في شعور بقدسية الخطأ لانه من اجل الله ,فان هذا الموت يحدث على مستوى حقيقي بعرض الزنا على كل امرأة تتقدم بها الخاطبة ام حسني غير معقوب بتأثر اكبر !!فالزواج من امرأة ليس عند صاحبنا بداية لحياة جديدة و خروج من الذات و تنسم لرحيق الحب بل هو وسيلة للهدف المقدس و ان لم تكن المرأة قادرة على هذا تتحول من كونها وسيلة للمنفعة الي وسيلة للذة الحرام فبين النفعة و اللذة تدور المرأة في فلك عثمان و يترك في الطريق فتاتين يحبانه و يحبهما لكن الهدف المقدس يجعله يرفضهما بحثا عن من توفر له درجة اعلى !!و لنرى ماذا يقول بعد اغتصاب اصيلة " وقال لنفسه ان احدا لا يعلم الغيب , و لذلك يتعذر الحكم الشامل على فعالنا ,بيد ان تحديد الهدف للانسان يعتبر هاديا في الظلام و عذرا فيتضارب الحظوظ  و الاحداث ,و هو مثال على ما يبدوا ان الطبيعة ترسمه في خطواتها اللانهائية )هاهو الذنب الجليل يتوارى في كونه اداة للانهائية!! و يقول " يتمنى في لحظات يائسة لو يموت قلبه و تخمد شهوته لتطهر نفسه في سيرتها المضنية"و خمد الشهوة ايضا للخوف من ان يرقبه احد اثناء تردده على غانية نصف زنجية تحمل تاريخ نصف قرن من الفحش و الابتذال و التي يتزوجها في لحظة يأس من تحقيق هذفه او لحظة جنون و لا يستطيع ان يرثى لحالها كما يجب فهو لا يعتبرها ضحية فطريق الاله شاق و لا عزاء لاحد !!


و مع زميله سعفان بسيوني الذي يجيئه بعد مرض طويل لم يعده عثمان فيه طالبا ثلاث جنيهات فيرفض مختلقا الاكاذيب مدخرا ماله لينفعه اذا تزوج يوما من رافعته الي الدرجة الاعلى و يقول لنفسه" كان يجب ان نقد من صخر او حديد لنستطيع تحمل الحياة""الطريق طويل جدا , عزائي انني اقدس الحياة _نعمة الله _و لا استهين بها "و نرانه يتعجب من احد المستخدمين حين يصفه انه كوالده او اخيه الاكبر !!فهو لم يعهد هذا في محرابه " الحكومة "


  • الاله الجبار و الفردية
 ________________
ان هذه القسوة المفعم بها بيومي لا يمكن  ارجاعها الا لتصوره عن الله بأنه متحكم جبار لا غير خلق النجوم لا للتأمل في جمالها وصولا اليه و لكن ليعذبنا (ان الله خلق النجوم الجميلة ليحرضنا ان ننظر الي اعلى , و ان المأساة انها ستطل علينا يوما ما عليائها فلا تجد لنا اثر , و لا يتحقق معنى لوجودنا الا بالعرق و الدم ) و انه يتدخل في كل كبيرة و صغيرة و يتدخل باصابع خشنة في مجرى التاريخ "فهو الذي يعين فرعون " او يجعل الامر بالمعروف من فوق كرسي مدير الادارة حيث يصبح كلام المدير مقدسا ككلام الاله !!........و عثمان منعزل متفرد لا يهتم بالسياسة ابدا و علاقته بها تتلخص في اخ شرطي استشهد في مظاهرة لا يدري اصلا لمِاذا قامت !!...."و طالما شعر بانه بلا صديق حقيقي في هذه الدنيا , و بأنه وحيد متعال عن الضغف البشري" .....هذا الشعور بالفردية المقدسة مع تصور الاله جبارا متدخلا في دقائق التاريخ من اجل من يختارهم محققين لارادته يجعل عثمان جاهزا لاذلال نفسه و قتل ذاته و الاخر من اجل تحقيق طريق الله المتجلي في الطريق الي الدولة .....
  • و لعل هذا يذكرنا بنظرة المسيري و غيره الي علاقة اليهودية بنشأة العلمانية المطلقة (1)التي تلغي المطلق تماما حيث تذيبه في الدولة الشوفونية القاسية (استمرار لاله اليهودية القاسي ) التي تقيم المصانع و تستغل العمال ثم تجيش الجيوش لقتل الاخر بلا حياء او حتى في السوق في النظام العالمي الجديد الذي يستهلك الجميع و يتقيئهم سلعا على حد تعبير بودريارد (كما يفعل عثمان في اذدراده اصيلة و ان كان هو يملك بعد بعض الحنين) ,و ايضا التراث الحلولي في اليهودية و خاصة تراث القبالاة يجعل الله صانع التاريخ بنفسه و هو يبارك شعبه المختار و يضفي على اخطائهم حتى قداسة كما تتقدس اخطاء عثمان بيومي لانه مختار !!فهنا اله جبار يتدخل في التاريخ لنصرة شعبه المختار ضد الاغيار و بالنسبة لعثمان بيومي " فثقته بالله كبيرة لكن دور الشيطان معروف في الادارة منذ القدم !!"......


  • و ايضا يذكرنا بالعقائد التي تباناها البيوريتان و التي تجعل الاله غير مفهوم و يختار من ينالون الخلاص بلا منطق  و لا حكمة ربما و هذه العقائد المفرطة في الجبرية و التي تتضافر مع الغاء طقس الاعتراف في تدعيم قلق البيوريتاني و انكبابه على العمل و البحث فيه عن ارضاء لذاته و يصبح العمل غاية و تضخم الثورة دليل على رضا الاله ,  و لا شك فالدول الحديثة استفادت من اخلاق العمل البروستانيتية تماما في تضخيم اقتصادها و في هذا كتب فيبر "اخلاق العمل البروتستانية ليبحث فيها هذه العلاقة بين نشأة الرأسمالية و الاصلاح الديني "

  • الانسان المتعالي 
_____________
اننا نواجه هنا عملا روائيا ضخما في الحقيقة رغم ان صفحاته لا تزيد على 200 بل تقل يشحذ فيها العقل للتساؤل عن كثير من الامور هل الدولة قادرة احيانا على سد المنافذ حتى يتحول اقصى الطموح الي معانقة كرسيها بعد طريق مليء بالشوك المقدس ؟!نتذكر هنا جملة لنجيب في رائعته "ثرثرة فوق النيل" و هي "لابد على الانسان ان يثور ولو مرة واحدة في العام "ان الثورة معناها اننا احياء و لم نمت بعد ,فقد مات عثمان بيومي و رفض ان يتكلم في السياسة او ان يشغل نفسه بهموم الثورات و الحركات الاجتماعية و صراع الطبقات فانتهي به الامر بأن يموت برتبة مدير عام لم يشغلها بل اعطيت له شرفيا و هو على سرير الموت فقد اعطى مجهوده للدولة التي قتلته من قبل و سدت المنافذ عنه , ودعم بنائها قربما ترك خلفه الف عثمان بيومي ومنهم زوجته الشابة التي تزجها قبيل الوفاة "راضية "فلم تتزوجه الا لهدف العلو الوظيفي ايضا فربما تتزوج اخر بعد موته لنفس الهدف !!(2).......
و هذا يحدث حولنا كل يوم و لعل رغبة البعض في ترشيح عمر سليمان دليلا فلم يعد البعض قادر على الخروج من بين يدي جلاده !!!فهم معزولون في حارة كحارة الحسيني و لم يروا الا القسوة فألفوها و لا يدرون غيرها بعد ان قتلت الدولة انسانيتهم ....


و لو تأملنا عالمنا سنجد اننا نستهلك بضائع لا فائدة لها لندعم نظاما عالميا جديدا هو نظام السوق الذي يقتلنا كل يوم بتحويلنا لسلع تستهلك سلع !!ان قتل الثورة داخل الانسان و تحويله لكائن ذي بعد واحد كما يحلو لماركوز ان يقول "وهو البعد الاقتصادي" يصنع منا الاف "عثمان بيومي ".....ان حمى الاستهلاك تتعب حواسنا الخمس فلا نجد وقتا للتفكير في قضايا الانسان الكبرى فلا قتل الفلسطينين يهم و لا اعاصير تسونامي  تقلق مضجعنا "تماما مثل عثمان حين شغله  طريقه الي الدرجة الاولى و كرسى المدير عن مشاكل الطبقات و الثورات و مشكل الدنيا حوله " ....و لا التفكير في ذواتنا باعتبارنا كائنات حرة متعالية و ليس كائنات وظيفية علاقتها بالبشر تشبه اكلات التيك واي " مثل عثمان الذي كان يجلس وحيدا فقط ليخطط للوصول للدرجة الاعلى و ليس للتعرف على ذاته باعتبارها اكبر من موظف ,و يعامل البشر كأدوات و وسائللا باعتبارهم غايات  "......
  • الحلم هو ان نصبح كائنات متعالية تبحث عن الله _الودود الذي يجبر الكسر و المتعالي عن الطبيعة فلا يذوب فيها و لا يتماهي في تاريخها و لا في دولها و هو ايضا لا يسلاها بل يرعاها و يحفظها كما عبر المصطلح الرائع للمسيري (علاقة اتصال و انفصال) _...هذا الاله لا يُبحث عنه في الدولة بل في في الحب و تأمل الجمال و الثورة من اجل العدل , في الانسان الذي يعمر الارض و يبني الدولة و يراقبها لا في الدولة التي تقتله  ...
.......و في النهاية كالعادة نرفع القبعة لنجيب محفوظ متمتمين شكرا عم نجيب :) 

  • طارق حجي 
__________________________________________________________________
  • (1) ليست اليهودية هي سبب ظهور العلمانية لكنها قدمت عقائد حلولية عن طريق تراثها القبالي الحلولي ساهم في زيادة معدلات الذوبان في الطبيعة و ظهر اثره في في معسكري الرأسمالية و الاشتراكية في تصور كل منهما لغائية تاريخية تنتهي بتبشير بنهاية للتاريخ تشبه توحد الاله مع الشعب و الارض و تكوين فردوس ارضي...  
  • (2) _(و هنا يكرر نجيب ما يفعله في اكثر من عمل حيث يتم عقاب البطل لانه سار في طريق خاطيء بعدم تحقق هدفه بل بسخريةقدرية منه ,رأينا هذا في الشحاذ حيث يتررد بعد موت عمر الحمزاوي صوتا في ذاكرته كأنه صوت الابدية "ان كنت تريدني فلما هجرتني " حيث بحث البطل عن الله في طريق الرعونة بدلا من طريق العمل الاجتماعي و نشر العدل الذي بدأ به حياته ثم تركه خوفا من البوليس الذي يقتله في النهاية !!)_
 

الأحد، 1 أبريل 2012

عن " الكرنك "


الكرنك .......1974


ينقلنا نجيب سريعا الي داخل مقهى الكرنك حيث نجد "ثلاثة شيوخ و كهل و مجموعة من الشبان بينهم فتاة حسناء...." و الرواي الذي ننتقل معه الي الكرنك يجده مصادفة بعد ان تتعطل ساعته و يتطلب اصلاحها بعض ساعات و هو يعرف اذ يدخل صاحبة المقهى انها نجمة قديمة من عماد الدين "قرنفلة" كان يعرفها و ان لم تقم بينهما علاقة و اذ يستقر على كرسيه فاذا بها تخطر اليه تجامله كزبون جديد و تتذكره بها و يالف المكان فيصبح من رواده
....................


  • طريقة السرد
______
السرد في روايات محفوظ يكون اما عن طريق صوت المؤلف كما في زقاق المدق و خان الخليلي او عن طريق احد الشخصيات او شخصية البطل كما في اللص و الكلاب او اكثر من شخصية كما في افراح القبة او راوي ينتمي للحدث و يرويه دون ان نتعرف اليه او ندري ملامحه كما في قشتمر
و هنا في الكرنك نفس الامر فالراوي هو شخصية لا نعرفها جيدا و لا نعرف عنها سوى انها اهتدت الي المقهى صدفة و هو معجب قديم بصاحبة المقهى لكن الاهم و الذي يجعل هذا السارد مختلف هو ان السارد ليس عليما بالاحداث كما تعودنا في "زقاق المدق حيث صوت المؤلف " او قشتمر حيث صوت الراوي
ليس هو الراوي الذي يخبرنا عن الاشخاص و يعلل افعالهم و يربطها و يقيمها و يدينها او يستحسنها او حتى يتركها ؟
انه  يقول اظن و لا ادري !!
و لعل نجيب اراد بهذه الطريقة ان يرسم صورة حية لتلك الحقبة التي تمثل حاضر الكرنك ,حقبة ما بعد ثورة يوليو , الاعتقالات و ماشابه فهي فترة غموض و عدم ظهور للحقيقة ,مليئة بالامال و السذاجة التي تنكر امورا حتى تظهر امامها غير راثية لبرائتها الساذجة
الراوي يرى امور و لايفهمها كما يعيش الابطال امورا و لا يفهموها , انه العبث و غياب العقل يطيح بالمؤلف من منصة العارف ببواطن الامور
ففي الحقيقة لا احد يعرف و هذا ليس بسبب صعوبة الحقيقة او تعد الحياة بل بسبب تشويه متقن و ارهاب يمارس بنظام
و هذه الطريقة في السرد يخبرنا نجيب من خلالها مدى تعقد لعلاقة بين الشكل و المضمون و انه لا اشكال ثابتة و ان المضمون يساعد في اختيار الشكل و فرضه و يصبح الاديب الاكثر عبقرية هو هذا الذي يمتلك حساسية قادرة على النفاذ الي باطن الامر و اختيار القالب المناسب لعرضه , و لعل بعض النقاد حين يقول ان النوع الادبي مثل القصة ليس رواية قصيرة بل يختلف عنها من حيث الموضوع المطروح و طريقة معالجته يكشف عن اهمية الحس الفني و القدرة على اختيار القالب المناسب فالوسيط الفني ليس مجرد وعاء نصب فيه الافكار بل هو طريقة مرتبطة جدا بما سيتم التعبير عنه من خلالها و ليس هذا فارق بين نوعين ادبيين مثل القصة و الرواية فقط بل داخل الرواية تختلف طريقة السرد و موقع الراوي الي اخره تبعا ايضا للمضمون


  • الاحداث
____
و يحكي الراوي عن اربعة اشخاص رئيسية و طبعا يعرج على بقية الاشخاص
و نلاحظ كما قلنا تخبطه في فهم بعض التغيرات حتى يستطيع عن طريق الاسئلة معهم بحكم صداقتهم ان يصل الي فهم اكبر

لا شك تهدي الثورة الي اشخاص مثل اسماعيل الشيخ و زنب دياب فرصة كبيرة هي التعليم الذي لم يكن متاحا لاهل حارة دعبس قبل هذا و هي حارة فقيرة يتكلم اسماعيل عن بيئته فيقول " مسكننا مكون من حجرة واحدة في فناء ربع , كأنه اسرة كبيرة يجاوز افرادها الخمسين عدا , و ليس به حمام و لا ماء , و به مرحاض واحد في الفناء تحمل اليه المياه في صفائح , و في الفناء يجتمع النساء و الرجال احيانا يتبادلون الاحاديث و النكات و ربما الشتائم و اللكمات و بأكلون و يصلون "
و يردف "لم يتغير شيء في حارة دعبس الي الان"
و لا شك ان في حالة مثل هذه فان الاب يتمنى لو يترك لابن التعليم ليساعده و هذا ما حدث غير ان نجاح اسماعيل و دخوله الحقوق يفتح عند الاسرة امال ان يصبح وكيلا للنيابة و تقول الام " ولو بعت عيني "

و نفس الامر مع زينب فاسرتها تحلم بتزويجها و اذا بتاجر دواجن يطلب يدها في الثانوية لكنها ترفض و الكل يعلم حبها لاسماعيل من الطفولة
و حين يدخلان الي الجامعة يجدان فيها حجة مناسبة للتلاقي بعيدا عن تزمت الربع و حارة دعبس
و تتعرف الي اصدقائه و تصبح صديقة حميمة لحلمي حمادة الشاب الاشتراكي

و في يوم يلاحظ اهل الكرنك غياب الشباب و يكفهر وجه قرنقلة صاحبة المقهى و التي تحب حلمي و يبدالها هو الحب
قبض عليهم بتهمة الاخوانية و ينقل اسماعيل معصوب العينين بجلباب و قدم حافية عبر سيارة الي مكان لا يدريه " و لم يند عن المكان صوت ,ترى اي نوع من المكان هو ؟ مددت ذراعي اتحسس المجال , تحركت تحركت بحذر شديد ,سرت برودة الارض في قدمي ,لم اعثر بشيء الا الجدران .....الظلام و الفراغ و الحيرة و الرعب ....و في اعماق العذاب يتوثب لطرح همه باستهتار يستوي ان تعده قوة او ياسا فاستسلمت للمقادير و قلت ليات الشيطان ان كان مقدورا له ان يأتي , و ليأت الموت ايضا ....."

و يستمر وصف المعاملة القاسية لاسماعيل حى يلبث امام خالد صفوان المحقق راميا في وجهه تهمة الاخوانية و ينكرها فلا يستجيب صفوان و بلطمة من مخبر يسقط مغشيا عليه و بعدها الي المكتب مرة اخرى لقال له انه بريء و انه حدث اعتقاله خطأ
و اثر التجرة ان كفر بجهاز من اجهزة الثورة ...
على حين كفر بها كلها حلمي

و يتم الاعتقال مرة اخرى بتهمة الشيوعية و اجبار له على الاعتراف يتم تهديده باغتصاب زينب و يعترف و بعد الاعتراف
"اعيد الي زنزانته فلم يلق تعذيبا اضافيا كما توقع و لكنه ايقن من الضياع "
و بعبثية تعلن برائته و قهر تطلب صداقته فعليه ان يصبح جنديا في الدولة البوليسية
"و هكذا رجع من معتقله مرشدا ذا مرتب ثابت و ضمير معذب ......"

و ظن انه انقذ المحبوبة و شرفها لكن صفوان تلذذ برؤيتها تغتصب على يد مخبر على مرأى منه و بعد ان كسرها طلب الصداقة او فرضها و هكذا اضحت مرشدة

و ملأها شعور بالضياع و السقوط تصفه هي "...........................هيهات , انتظر حتى اكمل قصتي , ربما اكون قد اخطات و لكني اندفعت في الطريق الوحيد المتاحة و هي اذلال النفس و انزال اقصى العقوبة بها ...انا ابنة للثورة و رغم كل ما حدث لم اكفر بجوهرها و اذن فانا مسؤلة عنها و متحملة لمسؤليتها بالكامل ...لذلك رفضت التظاهر بحياة الشرفاء و قررت ان اعيش كما ينبغي لامرأة بلا كرامة .."
و هنا يفهم الراوي سر تغير علاقتهما الذي لاحظه هو قبل ان يسألهما و ارجعه خطا الي علاقة بين زينب و حلمي و لعل المفارقة واضحة بين ترف تفسيره و عبث الحقيقة, فالان لكل عالم لا يستطيع ان يحدث عنه احد, انه الاغتراب في اكبر صوره اذ يفسد اجمل علاقة و هي علاقة الحب

  • الصور
_____
 نجيب هنا يعرض امامنا كيف تجلت شمولية الدولة في عذابات الافراد , كيف تحولوا الي كائنات حائرة تهوى الموت , كيف تحول المقهى الي اذن كبيرة و كيف تحول العاشق الي جاسوس رغم انفه و كيف تحول ماسح الاحذية لقواد , انها اللامبالاة تفرض نفسها على الجميع فبين ضائع و بين ملتف على ذاته تمضي حياة المغتربين الممزقين
هذه الدولة الشمولية هل يغفر تأميمها القناة تكميمها الشفاة , هل يعفر انها تقدم تعليما مجانيا  ممارستها هي للامعقول !!
ان اخر اعتقالات ابطال الراوية بخرجون منها بعد الهزيمة هزيمة ناصر و هزميتهم خرجوا اشباحا لا ارواح مكسور حبهم و مفتقدون حلمهم مجسدا في صديقهم  "حلمي " الذي مات لانه مثل كل حلم "عصبي و به جرأة " و تبكيه قرنفلة بحرارة و يشعر الخبيبان انهما القاتلان ....
و يعرض نجيب هذا بتطوير صور المجاز ففي البداية نجد احتفال بالشباب واضح و ذكر للحب في حضرة قرنفلة و حلمي و اسماعيل و زينب وحتى الاعتقاد الخطا بعلاقة حلمي و زينب , ثم نجد الصور هذه و الالوان و المرايا التي يصفها الراوي حين يصف الكرنك تحل محلها صور الظلام و العبث و الهرب و الخوف و الوباء
و يتم ذكر الوباء على لسان اسماعيل و زينب كوصف لما يحدث و لعل وصف الوباء وصف هاديء لانه يحتمل الدواء و لا يصل للكفر التام لكن لعل خالد صفوان الذي ينزل الكرنك بعد اقالته و مصادرة امواته و يحادث اهل الكرنك قائلا ....
يعمق الامر حين يقول لشاب اوصاه باحضار دواء لمرضه و يعود الشاب دونه " الداء موجود لكن الدواء غير موجود "

و يحاورهم قائلا : لعلكم تتسائلون ما قصة هذا الرجل تجدونها في الكلمات المنثورة :
براءة في القرية, و طنية في المدينة , ثورة في الظلام ,كرسي يشع قوة لا محدودة , عين سحرية تعري الحقائق ,عضو حي يموت , جرثومة كامنة تدب فيها الحياة

و كما ان الشباب هم جيل ضاع حلمه و انهار الحب في وطنه تحت وطأة الارهاب فان خالد صفوان هو الدولة بعد ان تفقد عملقتها منهزمة بمرض يعزّ دوائه

  • ختام الرواية
__________
و لكن نجيب لا يترك الرواية تنتهي يائسة فهو دوما متفائل و يبحث عن حل و لو كان الامل !
و يصل الي فكرة ربما وافقها الجميع الي "حلمي" و هي ان علينا التمسك بميراث الثورة مع تغيير الكثير
ففي النهاية يقول خالد صفوان:
ساعترف لكم في الدقائق الباقية لي هنا بخلاصة تجربتي ,لقد خرجت من الزيمة او قل من حياتي الماضية مؤمنا بمباديء لن احيد عنها ما حييت , ما هي هذه المباديء ؟
اولا: الكفر بالاستبداد و الدكتاتورية
ثانيا :الكفر بالعنف الدموي
ثالثا : يجب ان يطرد التقدم معتمدا على قيم الحرية و الرأي و احترام الانسان و هي كفيلة بتحقيقه
رابعا: العلم و المنهج العلمي هو ما يجب ان نتقبله من الحضارة الغربية دون مناقشة أما ما عداه فلا نسلم به الا من خلال مناقشة الواقع متحررين من اي قيد قديم او حديث
ثم تثائب و هو يقول: هذه هي فلسفة خالد صفوان التي تعلمها في اعماق الجحيم و التي اعلنها في الكرنك حيث يجمعنا النفى و الجريمة.


و نطالع في الختام شخصية منير احمد الشاب الغير منتمي لتيار معين و الذي حين يسأله الراوي عن الاصالة يشير الي صدره قائلا هنا و هو يحترم الدين و الاشتراكية معا و تميل اليه قرنفلة كما مالت من قبل الا "حلمي" و ان كان الحلم مات فربما يحيه منير و ينير الطريق
"و وجدتني اتمنى ان يمضي على الصراط متوازن بلا انانية من جهة و لا استغلال من جهة اخرى ليتحقق للحب النقاء و البراءة .."

هكذا استطاع نجيب برواية ذات طريقة  سرد رائعة و صور مجازية منتقاة و شخصيات تمثل الشعب بأجيال الشباب و الكهولة و الشيخوخة  و تمثل الدولة  ان يعرض كيف كان الوضع في مصر في احد اهم حقبها الطويلة .....


شكرا عم نجيب :)