
لم يشق ظلام الليل سوى ضوء مصباح صغير فوق المكتب ينير الطريق لقلم يخط ورقة بيضاء استقرت بين يديّ و لأن اذني كانت قد الفت دقات الساعة التي تزين الحائط فوق السرير الهاديء بدا الكون ساكناُ قبل ان يشق الصمت وقع اقدام حازمة تتحرك اليّ جلس الي كرسي بجانبي و حياني بصوته الخفيض و قال: حتى الان لازلت استغرب كيف نشأت أنا ؟ و كيف صرت هكذا؟قلت: الم اخبرك مرار أنك و ليد العزلة و الظلمة و الصوم _نعم نعم لكن ايضا لا زالت مستغربا و لا افهم ما معنى ما اخبرتني به من انك وجدتني و انت تبحث داخلك و اني نموت من الصوم في حين ينمو الناس بالطعام !!! لكن دعك من هذا الان فأنا لم اجيء لاجل هذا
- _لماذا جئت اذن ؟
- _جئت اراجعك في بعض امور لاحظتها عند قراءة ما تكتب في الفترة الاخيرة فلقد شعرت بأن ما تكتب هذا ليس من الفلسفة في شيء ان كانت الفلسفة هي البحث عن الحقيقة و محاولة الوصول لها في ابسط تعريفاتها فلماذا انت تترك هذا و تشغل نفسك بالبحث في العقل و علاقته بالدين و تبحث في العلم و الفن و الفلسفة و علاقتهم ببعض و بالدين الست هكذا تشبه من يقف خلف النوافذ ينظفها ليرى افضل بدلا من ان يؤتى الجرأة ان يكسرها ليرى بهاء الحقيقة دون وسائط؟
- _معك ان الرؤية دون نوافذ و مباشرة افضل لكن دعنا نسأل هل هذا ممكن؟ لو نظرت قليلا لوجدت ان الانسان يوجد في المنتصف انه ابحرت به السفينة و ليس في وسعه سوى ان يمضي بين لحظتين لا يستطيع ادراكهما
- -تقصد الولادة و الموت؟
- _ لا دعك من باسكال اقصد بين لحظة لطبيعة البريئة الطين المحض و بين المطلق او الله فمن الطبيعة خلق بيد الله فلاجل جسده لا يستطيع ادراك الله او الحقيقة المطلقة كاملة و من اجل روحه و ما يتبعها من احلام و اوهام لا يستطيع ادراك الطبيعة كاملة و في برائتها الاولى قبل ان يأتي هو
الا تلاحظ تلك الاية "ليس كمثله شيء" انها تحذير لنا ينطوي على مسلمة امكان وقوع الانسان في تشبيه الله بالمادة نتيجة قيود الجسد و عدم امكان التجريد المطلق , و ايضا الا ترى الي من ظن الطبيعة تشبه قوانين اقليدس التي انشأها الانسان نفسه و هذا دليل انه لا يستطيع ان يرى الطبيعة بحياد مطلق بسبب روحه القادرة على التنظيم و الترتيب و الابداع في استقلال و لو قليل عن المادة ...ارسطو ظن الاله ساكنا يتأمل ذاته لان فضيلة اليوناني التأمل و هيجل ظنه متحركا الي الامام لان فضيلة الحداثة التقدم و الحركة و غداً تأتي اجيال تضحك على انحصارنا بين الحركة و السكون و ترى شيئا اخ هو احرى بالبحث و اعز عليهم ليلصقوه بالاههمفالانسان لم ير الاها و لم ير طبيعة لم ير مثالا و لا واقعا انه يرى منظومات حضارية انتجها سابقوه مثل الفن و الفلسفة و العلم و اللاهوت فيها من روح الزمان و المكان و تأثيرهم على العقل ما فيها و لو اننا اخذنا نرجع في الزمان الى ادم لم نستطع ايجاده الا متكلما اي اننا بعد كل هذه العودة سنرجع ايضا لمادة و مثال مقترنين فالكلمة دال على فكرة تشير الي الواقع ..ارأيت حتى هنا لا يوجد واقع بريء و لا مثال خالص انه قدر الانسان انها ماهيته فهو روح و جسد لن يستطع ملاحمة السماء و معرفة سرها و لن يستطع الانبطاح ارضا و العودة طينا طالما لم يزل متكلما مبدعا و لعل هذا اجابة عن تساؤلك فأنا لم احطم النوافذ لانها لا تحطم ,ان كل ما في الامر محاولة لتغيير الطريق فمن قبلنا كانوا يريدون الالتصاق اما بالسماء او بالارض و لعل المحاولات فشلت فالذين ارادوا الصعود الي السماء صوروها كأحلامهم عنها مرة ساكنة و اخرى متحركة مرة مغتربة ارستقراطية و مرة حنونة تجوب الحقول مما يدل على عدم قدرتنا على التجريد المطلق , و اما عن الذي ارادوا الالتصاق بالارض فلعلك ترى بيكون و الوضعيين و العلمويين و دعوتهم لان يدقق الانسان الفاظه او يستغنى عنها ليدع الطبيعة تتكلم هي و تظهر محايدة تماما تلك المحاولات التي فشلت فشل كبير بعد ان كشف الابستمولوجي "نظرية المعرفة" الحديث عن وجود الذات و تدخلها في العلم و سخافة الموضوعية المطلقة
- _اذن انت تعترف بعدم امكانية الوصول للمطلق فلماذا اذن تبقي عليه لماذا لم تنكره كالوضعيين و كيف تجمع بين كلامك هنا عن عدم القدرة على الوصول للمطلق و اننا في المنتصف و كلامك قبل هذا عن ان العقل متجاوز و يستطيع معرفة المطلق الا تجد في كلامك اما تناقضا او تلاعبا بالالفاظ؟
لماذا لا تحول حتى الوصول للمطلق عن طريق اللاعقل كما عند فلاسفة ما بعد كانط اليس في هذا تناسق مع رؤيا من تعتبره فيلسوفك الاثير " كانط" و الذي قرر ان العقل لا يصل للمطلق؟ في الحقيقة اعتراضك مقبول لذا فعلينا تدقيق الامر قليلا اولا لو فرضنا ان كانط قد قرر ان المنطق لا يوصل ابدا الي المطلق
- _هذا ليس افتراض هذا واضح من نقد كانط لكل ادلة وجود الله
- _نعم نعم لا اخالفك لكن دعنى اوضح لك ما اقصد قلت انه و ان كان حدث هذا فهو قد بحث و تأمل الاخلاق و الجمال او العقل الجمالي و الاخلاقي "العملي" و استطاع فيهما ان يجد قدرة الانسان على التعالي كما ذكرنا سابقا مما يجعل الانسان غير منتمي بتمامه للطبيعة و لكن يمدد بسبب الي ما ورائها و كانط بادخاله التأمل الجمالي و العمل الاخلاقي داخل العقل و بحثه فيهما عن الضرورة و الكلية ليؤكد اعتراضه على القوى اللاعقلانية مثل الجسد او الجنس و دورها في الحقيقة او في الوصول للشيء في ذاته
- _ و بم تفسر اذن ظهور تلك النزعات بعده؟
- _ المشكلة في رأيي هو عدم قدرة كانط على تبين نسبية العلم فلو استطاع معرفتها لتبين له ان الذات الانسانية مبدعة متعالية داخل نشاط العلم ذاته لكن لانه باعتباره ابن عصره كان يرى العلم يقيني و انه وليد مقولات قبلية " سابقين على التجربة" يقينية في العقل بحث عن امكانات الوصول الي المطلق في مجال اخر و حاول فقط ان يحفظ له العقلية
و كانط حين جزم بان المنطق و العلم لا يصلون للشيء في ذاته سواء ما وراء الطبيعة او حقيقة الطبيعة نفسها "الطبيعة البريئة" فهو كان يحفزنا لتغيير المنطق و تعديله و لعل هذا ما فعل هيجل و لكن هذه المحاولة لابد الا تنتهي و في تعديل المنطق و تعديل المنهج المستخدم في الفيزياء من بعده لكي يستطيع الامساك اكثر بخيوط الطبيعة " الانتقال من التصور الميكانيك الي اللاحتمية" تظهر هنا امكانية الانسان على الابداع داخل منظومة العلم و هذا يتكامل مع الابداع في الاخلاق و الجمال فيشير هو ايضا الي المطلق وراء العالم و هنا نعود لما قلناه ان تحليل النوافذ او فهمها " اللغة_ المنطق_ العلم _ الفلسفة" هو السبيل الجديد الي معرفة المطلق و هنا نقول ان الانسان قادر على معرفة المطلق بالطبع بتحليل هذه الانشطة لكنه غير قادر على ادراكه بالكلية و من كل الوجوه كما قلنا نتيجة لان له جسد اي اننا لا نرى من المفترض ان نخاصم المنطق و العلم و نبحث عن المطلق في الجسد مثلا كما عند شوبنهاور بل علينا تعديل المنطق و تطوير العلم فتكون قدرتنا تلك على التطوير و ابداع العلم و المنطق و الفلسفة اكبر دليل على انننا اعلى من الطبيعة و لا نتتمي لها بالتمام مما يشير الي ما ورائها الي المطلق و اما عن الوضعيين فجيد انك ذكرتهم الوضعيين هم ايضا يحللون يحللون القضايا و لكنهم يحلولنها لمصلحة الطبيعة لكي تصبح خالية من اي تحيز لتصبح موضوعية مطلقة و هذا كما ذكرنا ينكره الابستمولوجي الحديث بشدة فالذات حية بأحلامها و الامها حتى داخل النظريات العلمية نفسها و نحن اذ نطالب بتحليل الانشطة الانسانية نطالب بهذا لاظهار الانسان داخلها و اظهار قدراته و ليس نفيها لمصلحة شيء مستحيل اسمه الموضوعية المطلقة و هذا التأمل لملكات الانسان كما قلنا هي ما تحيلنا الي المطلق لذا انا متمسك به و لعلي عكس هيدجر فهو يريدنا ان ننسى الانسان لينكشف الوجود او الحقيقة و انا اى الطريق الي الحقيقة هو تذكر الانسان باعتباره الجسر بين الارض و السماء , بين الواقع و المثال
- _اتمنى ان ارى تحليل اوسع من هذا لهذه المشكلة مشكلة كيف يثبت العلم تعالي الانسان و علاقة هذا بالابستمولوجي الحديث في مقال قادم كنت انت اشرت له في خطة المقالات التى تزمع كتابتها
- _ان شاء الله اسمح لي فقط ان اقطع الحديث اريد صنع كوب من القهوة دقائق و اعود
خرجت من الغرفة كي اعد فنجان قهوة علّه يعيد للعقل توازنه بعد هذا النقاش و جائني خاطر غريب و مضحك و انا انظر الي البن الغامق داخل "الكنكة" خطر لي ان الاسان مثل القهوة تمام فهي ليست بنا خاما و لكن اذا وضعت على النار لابد الا تترك لتفور و الا فسد طعمها كذلك الانسان ليس طينا خاما و لكن لابد الا يفور فيظن نفسه الاها يعلم الحقيقة المطلقة او هو الحقيقة المطلقة....ثم ضحكت و قلت في نفسي ربما لوتأمل توفيق الحكيم في صنع القهوة لما كتب سليمان الحكيم ليثبت فيها ان الانسان عقل و جسد و انه يقتله الكسل "عدم استخدام العقل" و يقتله ايضا الطموح المطلق " ان يحاول كسر النوافذ و ادراك المطلق بتمامه ما هذه الخواطر العجيبة تباَحين عدت الي الحجرة و كان فتح الباب قد القى ضوء خافتا على المكتب في اخر الحجرة حيث وقف هو يقلب الكتب .. فقال حين رآني قادما لاحطت شيئا غريبا ان كنت قد اقتعنت بموضوع النوافذ الذي ذكرته لي و تحليلك له فأرى انه لابد عليك من الاعتراف بأن عليك مواجهة نصوص الفلاسفة نفسها دون نوافذ فهنا الاحظ كثرة كتب عرض المذاهب على كتب الفلاسفة نفسها
- _ في هذا عندك حق صدقت و بالفعل الفترة القادمة سأحاول الاقتراب اكثر من نصوص الفلاسفة و ان كنت بالطبع لن اهمل الكتب الاخرى فهي مفيدة على كل حال لكن عندك حق احتاج هنا الي تحطيم النوافذ :)
- _ و _____________رأيت هنا شيئا اخر
قلت و قد ارتشفت اول رشفة من القهوة ماذا وجدت
- _اسم امرأة منقوش على احدى الوريقات هل هي حبيبة
- _انا لا حبيبة لدي ثم و انا امسك بيده
دع الورق
- _ و هو يبتعد و يضع الورق على المكتب اهدأ اهدأ ما المشكلة ان يكون لك حبيبة اظن انك لست شديد السوء لتُكره
- _اشكرك
- _لكن خوفي ان لا تكون شديد النبل لتحبك امرأة
- _لا اسمح لك
- _انا لم استئذن
- _يالك من جحود
- _بل ناقد
- _للنقد حدود
- _تدعي الفلسفة و الحرية و تريد ان تقيدني
- _كافر
- _بل حر
- _طوبى للالهة اخلقتك انا كي تتهجم عليُ
- _بل طوبى لي خلقتني كي اخبرك من انت
- _لنفس البشر سر لا يعلمه احد
- _هههههه سرك هذا هو انا
- _تباُ لك ......ماذا ترى؟
- _ارى عاشق يخفي عشقه يتخفى وراء النوافذ كي لا تراه محبوبته يحتمى بالنوافذ لا يملك الثقة كي يصرح بحبه و لا حل لهذا سوى تحطيم نوافذك التي صنعتها انت بلا مبرر هاهنا امكانية الوصول للحبيب موجودة لا ينقصها سوى قرار ان لم تفعل فأنت مثل البن الخام مصياد مسرحية سليمان الحكيم ينقصك الطموح
- _تباُ كيف عرفت بما كنت افكر فيه ؟...ااه
- _هههه انسيت ....انا انت
ثم نظر عبر النافذة الي السماء الذي بدأت تستبقل صباحا جديدا و قال عليّ الذهاب الان فأنا ابن الظلام و لا استطيع التواجد في النور فكر في كلامي و ان ابقيت النوافذ " اللغة و الفن و العلم .."توصلك للحقيقة فحاول تحطيم النوافذ الزائفة بيك و بين محبوبتك حاول الخروج من ظلامك الي النور
- _الم اقل جاحد تلعن الظلام و هو سر وجودك الا تعلم ان خروجي للنور موتك
- _ خروجك للنور سيقتلني فعلا و انغماسك في الاخر سيذيبني حقا لكن ان كان الاخر هو المحبوب فستجدني فيه
و على كل حال ستعود للعزلة حتما لكن حينها سأعود للحياة اقوى من الان فان كانت العزلة للعودة الي المنبع و الروح و الطاقة فلا فائدة لهذه الاشياء ان لم تعمل في الخارج لتظهر امكانتها ثم تعود مرة اخرى للعزلة و منها الي الخارج ...انا لا اموت طالما انت لا تموت لعل ما تفعله انت في نور العالم يكشف عني "عن سرك" تماما كما يكشف المنطق و العلم و الفن عن سر العالم فكر في كلامي الي اللقاء القادم الذي اتمنى ان نتحدث فيه عن الحب و عن الفرد و عن الشعر و الادب عن الحياة فلانسان يحيا ثم يفكر و ليس يفكر فينسى الحياة و الا لانقلب الفكر نافذة تحجب الحياة فكر الي المرة القادمة كيف نفكر دون ان نجعل فكرنا ينسينا اننا احياء ______________________________________________طارق حجي