"إن قضية الخلق , هي , في الحقيقة قضية الحرية الإنسانية "
هكذا قال بيجوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق و الغرب " ليثير في أذهاننا عدد من الإشكاليات الفلسفية القديمة و الكبرى , يمكنننا الدخول لهذه الإشكاليات من خلال هذا السؤال الذي طرحته مشاغبة لانجه في كتابه "تاريخ المادية "(1) , و هو سؤال أي طريقي التفلسف أقدر على تحرير الإنسان , هل الفلسفة المادية أم الفلسفة المثالية ؟ لاشك أن كل فريق سيستطيع أن يجد له أدلة على كون طريقه الفلسفي هو طريق التحرير الوحيد , فلن يعدم المادي أن يقول إن المستبد لا يريد أكثر من تغيبب العقول عن رؤية الأسباب المباشرة الواضحة لمشاكلها و نسبتها إلي إرادة خارجة عن العالم حتى لا تقوم بمحاولة تغييرها , و أكثر من إقناعهم بتأجيل حلمهم في العدل لعالم آخر , لذا فليس طريق التحرير سوى التخلص من محاولات التغييب , و الأقتصار على عالمنا الذي نرى , ففيه الداء و الدواء و ما بعده محض خرافة صيغت لتبرير القهر أو للجهل بقزانين العالم , و لن يعدم صاحبنا أيضا من تزيين أطروحته تلك بأسماء لفلاسفة كبار عظام من التيار المثالي مثل أفلاطون لم يرتاحوا لحكم الناس لأنفسهم و لا حتى لتعميم المعرفة بينهم , تلك الفضيلة التي تحسب للسوفسطائييين بإخراج المعرفة من غموض و سرية الفيثاغورثيين لفضاء الأجورا , لإكمال ذلك الطريق الذي اختطه الفلسفة لنفسها منذ البداية حيث نزعت الكلمة من ملك القصر المسيني و كاهنه و أعطتها للديموس "الشعب " ليعرف بنفسه كما يحكم بنفسه (2), ثم أعادها فلاسفة المثالية للسماء و اشترطوا للوصول لها الصعود بجدل افلاطوني عبر المحسوس تجاه المجرد يقدر عليه الحر اليوناني و لا يستطيعه العبد الغارق في المادة , لكن الفيلسوف المثالي سيرد الصاع صاعين , و يقول إن التحرير لا يمكن أن يتم إلا بالتأكيد على كون الواقع ليس هو الواقعية النهائية , فهناك دائما مثال يتجه له الإنسان هو ما يحرره من قبضة هذا الواقع و من أن يتم إستعيابه فيه , سيرفع عقيرته قائلا من أين نستمد الأخلاق و الجمال إذ لم يكن العالم غير مادة ؟ و لن يعدم هو أيضا تزيين أطروحته بأسماء لفلاسفة ماديين كانت فلسفتهم تثبيت للوضع القائم المليء بالقهر , ألم يكن إستعمار الغرب للعالم مدعوم بنظرة مادية ترى أن الطيبيعة فضلت هؤلاء على هرلاء و أوكلت لهم حمل العبء ,و حسبت مدخلات الحرب و مخراجتها دون مراعاة كون الإنسان غاية لا وسيلة , كيف علاج هذا إذ إن لم يكن بالعودة للروح للمثال ؟
في الحقيقة نستطيع تصور استمرار هذا الجدل طويلا ربما دون حسم , و كل تهمة يكيلها كل صاحب فلسفة للآخر تستطيع أن تجدها عنده هو أيضا , فتقسيم الناس تقسيم أزلي لطبقات و نفي حرية الإنسان و قدرته على الفعل و تعتيم المعرفة و إحاطة مناهجها بسرية تجعلها مملوكة لفئة واحدة ,و تثبيت الوضع القائم و تأبيده , هي أمور موجودة في كل من التيارين الفلسفيين الكبار , و تظل حجج كل تيار مقنعة في ربط التيار الآخر بنيويا بالقهر !! و تظل حجج كل تيار في ربط نفسه بنويا بالتحرير أيضا مقنعة !! , فبالفعل لا يمكن أبدا تخيل إمكان تحرير الإنسان من قبضة الأفكار أو الأوضاع إلا بإرخنتها أي قرائتها قراءة علمية تفسر قوانينها من داخل العالم , في حين قد يميل التصور المادي لتصور العالم ساكن و حتمي و بهذا يصبح التغيير مستحيل حيث تختفي الحرية ذاتها و القدرة على الفعل !! , و إذا كانت الرؤية المثالية تجعل العالم هو موضع التغير لا الثبات و الأزلية الذي تحفظه لماوراء العالم فإنها أيضا قد تميل لإعتبار العالم غير مهم بسبب هذه السمات نفسها التي تعد عندها سمات نقص و ترك العالم يفضي يصورة عكسية لتثبيت أوضاعه , أضف إلي هذا كون نسبة العالم المادي نسبة تبعية تامة لما ورائه تجعل حتى حوادثه المتغيرة محكومة بالماوراء أي أنها أيضا فوق قدرة الإنسان على تغييرها !!
لهذا فإن محاولة تجاوز هذه الثنائية مادة \ روح أو بلغة اخرى عالم \ ما وراء لتحقيق التحرير الحقيقي للإنسان هو ددين كثير من المحاولات الفلسفية و قبل هذا هو ديدن الأديان ذاتها بإعتبار من أهم أهدافها إن لم يكن الأهم هو تحقيق التوازن للإنسان و تحريره , و بالطبع فإن القول بإن الدين الإسلامي استطاع تحقيق هذا التوازن بين عالمي المادة و الروح و العالم و ما وراءه إلي ما يتبع هذا من ثنائيات مثل العقل و الوجدان و العلم و الدين و العمل و العبادة , نقول إن هذا القول مشهور لدرجة لا تحتاج منا لتكرار , لكن ما يبرر لنا الحديث عنها مرة أخرى هو ضرورة إعادة وضعه بين الأقواس , أشكلته , إخراجه من طور المسلمة إلي طور المشكلة التي تحتاج لبحث , هذه الضرورة تنبع من كون التوازن لا يزال مفقودا , و من كون تكرار مثل هذه المقولات عند عدد لا بأس منه المفكرين الكبار ليس سوى محاولة منا لإخفاء الشكل الحقيقي الذي تنظر به عقولنا لهذه الثنائيات ...
إفصاح زكي نجيب و إخفاء بيجوفيتش
_______________________
نستطيع أن نلمس و لو قدر من التقارب على الأقل في موضوع التوزان بين الثنائيات عند كل من زكي نجيب و علي عزت بيجوفيتش , فالقاريء لصاحب "عربي بين ثقافتين " و لصاحب "الإسلام بين الشرق و الغرب " يستطيع تلمس الرغبة الشديدة التي يملأها الحيرة أحيانا في الجمع و التوفيق بين العلم و الدين و الإنسان و الله و العالم و ماوراءه , بل إن كان عملاق التنوير يرى أنه أول من وضع إشكالية النهضة بإنها إشكالية التوفيق بين الأصالة و المعاصرة , فإن هذا الإشكال لم يغب عن ذهن بيجوفيتش و إن بصورة أقل مما هي عليه عند وكي نجيب , لكن زكي نجيب يفصح ببساطة عن المأزق الرئيسي في قضية التوفيق_ و هو ما لا يفعله بيجوفيتش _ ,و هي أن أطراف الثنائية ليست متساوية , فالروح أفضل من المادة , و الدنيا مهما اهتم الإسلام بها فهي جسر إلي الآخرة الخير و الأبقى , و الحياة حتى لو هامة فهي ليست الحيوان , بهذا تتجلى الهرمية التي تحكم كل الثنائيات , و التي تفعل فعلها في إفشال كل محاولات التوفيق التي يجهد نجيب نفسه في محاولة عقدها , فبعد أن وضع الدين و الأخلاق و الفن في جانب الأصالة "الوجدان" و العلم في المعاصرة "العقل" , فإنه لا يضعهم أبدا على قدم مساواة , فالعلم يظل خاضعا للدين كما نرى في موقفه من نظرية داروين , و يتجلى أكثر في قبول طريقة تعامل مع النص لا تستطيع أبدا الإتساق مع الطريقة العلمية في التفكير , فالتعامل مع النص وفقا لآلية التفكير بالأصل بما تنطوي عليه من نفي قوانين اللغة و الإجتماع و التاريخ لا يستطيع سوى تهديد الرؤية العلمية و ضربها في الصميم , أي أنه مؤذن في النهاية بتفجير تلك الوحدة الممتخيلة و إفقادنا هذا التوازن المنشود !!
غير أن من اكثر المجالات التي حللها العملاق بخصوبة و أصالة و قدرة أيضا على إظهار الحيرة هي محاولة توفيقه بين الفن و العلم الحديث (3) , فالرجل بعقل نابه يلمس كون الفن العربي القائم على مراعاة النماذج المعدة سلفا أكثر من مراعاة الواقع و تجربة الفنان يعد مهددا لتوجيه العقل إلي الواقع , و لكن وضعه للفن في جانب الأصالة يجعله يتردد في رفض هذه الطريقة في التعبير عن الوجدان لينتهي به الأمر لمحاولة التوفيق داخل الفن نفسه بين الفن القائم على الفردية و التجربة المعاشة و بين النظرة الكلية التي تمثل جوهر رؤية العربي للعالم , هذا يعني ببساطة أن محاولة التوفيق بين العلم و الفن انتهت لمحاولة توفيق بين الفن و الفن !! مما يعني أن محاولة الدكتور إحداث توازن لم تفعل سوى كشف اللاتوزان الحقيقي بين عقل العربي و وجدانه الذي يعمل على مفارقة العالم من جهة و بين العلم الحديث الذي يتجه له من جهة أخرى بسبب الهرمية التي تحكم علاقة العالم بما وراءه في أذهاننا , تلك الهرمية المخفية و التي أفصح عنها هو بذكاء !!
و تفصح أيضا هذه المحاولة عن إدراك عميق لعلاقة الفن الحديث بالرؤية العلمية الحديثة لإشتراكهم في الأصل الفلسفي و هو رفض النماذج السابقة التي تمثل وصاية على العقل و تحجب عنه الرؤية الواضحة لواقعه و التعبير الحر عن وجدانه, و هو الإدراك الغائب عن ذهن بيجوفيتش !! , لكن لتوضيح هذا علينا أولا التنبه لكون الأمر عند بيجوفيتش هو عكسه عند زكي نجيب , فإن كان زكي نجيب بحكم محاولته تكريس رؤية علمية يحاول التوصل لفن يستطيع التوافق مع هذه الرؤية , فإن بيجوفيتش يتعامل مع الفن بإعتباره طريق الخلاص من العالم المادي الذي سقط فيه الإنسان في العصر الحديث, و هو و إن كان لا يرفض العلم إلا إنه يفضل الفن عليه , فلا يمكن مساواة تأمل تولستوي في مصير البشر و إبداع بيتهوفن لسيمفونيته بإفناء جليليو عمره في التفكير في مسألة سقوط الأجسام أو بتفكير نيوتن في الجاذبية,
فالفن روح و إلهام و طريق إلي الله بإستعادة لحظة الخلق لحظة الحرية كما صدرنا كلامنا, في حين العلم مادة , و الروح أفضل من المادة و الإتجاه لما وراء العالم أولى من الإتجاه للعالم , هذه الرؤية الهرمية التي أفصح عنها نجيب و يخفيها بيجوفيتش وراء "الوحدة ثنائية القطب " تلك المقولة التي يرى فيتش أن الإسلام حققها في كل شيء و يحاول هو قراءة كل شيء من خلالها , فالثقافة روح و الحضارة مادة , و الفن روح و العلم مادة , و لإن بيجوفيتش يتجاهل العلاقة بين الفن الحديث بكل تطوراته حتى الفن العبثي يقدرته على سبر أعماق الإنسان و تحريره و تجسيد تجربته و فهمها من ناحية و بين العلم الحديث و منهجه من ناحية أخرى فإن محاولته تخرج من نطاق التوفيق إلي نطاق الإضافة و التجميع الغير واعي , فإن قبول هذه البينة الهرمية و محاولة إخفائها سيجعل العالم في تصورنا تابع تام لما ورائه و ما يتبع هذا من إفقار للعالم و التجربة المعاشة فيه لصالح نماذج أزلية تحدد طريقة نظرنا للعالم و طريقة تعبيرنا عن وجداننا نفسه !!
مما يعني أن الفن المعبر عن الإنسان و طموحاته و أحلامه و انكساراته لن يصبح له وجود في ظل هذه الرؤية , و لعل ممن تنبهوا لفكرة إخضاع الفن العربي للنماذج السابقة هو محمد قطب في كتابه عن الفن الإسلامي لكن لإن قطب يظهر بوضوح رؤيته الهرمية فإنه لا يقبل هكذا الفن الحديث بكل تطوراته بل هو يضع نموذج بديل للفن يظهر فيه الإنسان بالصورة التي رسمها القرآن و التي و إن جمعت الروح و المادة و الانتصار و الإنكسار إلا أنها لا يمكن أن تحتفل بلحظات الإنكسار و الخطيئة كما يفعل الفن العبثي الذي يدافع عنه بيجوفيتش بإعتباره رغبة في عالم أفضل تنطلق من إدراك لعبثية العالم المعاصر "الواقع " , فالفنان عند بيجوفيتش مرتبط بواقعه و معبر عنه في حين عند قطب هو معبر عن النموذج , و فكرة النموذج لا يمكن تجاوزها بالإشادة ببكيت بل فقط بتجاوز ما يؤسسها من هرمية تنفي عن العالم تقومه بذاته و خصوبة تجربته و حرية العقل في قرائته و التعبير عنه و عن وجدانها دون التقيد بنماذج معدة سلفا و هو تجاوز غير موجود عند بيجوفيتش بل يتم التعمية عليه بالوحدة ثنائية القطب ..
في قلب الثنائيات
___________" السر يوجد في الدنيا كما يوجد ورائها , و السماء و الارض و الاشياء تخاطبنا في كل حين , علينا أن نعي ما نقول , فأنا اعشق السر كما يتجلى في هذه الدنيا , كما سأعشق وجوده بعد الموت "
هكذا قال بيجوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق و الغرب " ليثير في أذهاننا عدد من الإشكاليات الفلسفية القديمة و الكبرى , يمكنننا الدخول لهذه الإشكاليات من خلال هذا السؤال الذي طرحته مشاغبة لانجه في كتابه "تاريخ المادية "(1) , و هو سؤال أي طريقي التفلسف أقدر على تحرير الإنسان , هل الفلسفة المادية أم الفلسفة المثالية ؟ لاشك أن كل فريق سيستطيع أن يجد له أدلة على كون طريقه الفلسفي هو طريق التحرير الوحيد , فلن يعدم المادي أن يقول إن المستبد لا يريد أكثر من تغيبب العقول عن رؤية الأسباب المباشرة الواضحة لمشاكلها و نسبتها إلي إرادة خارجة عن العالم حتى لا تقوم بمحاولة تغييرها , و أكثر من إقناعهم بتأجيل حلمهم في العدل لعالم آخر , لذا فليس طريق التحرير سوى التخلص من محاولات التغييب , و الأقتصار على عالمنا الذي نرى , ففيه الداء و الدواء و ما بعده محض خرافة صيغت لتبرير القهر أو للجهل بقزانين العالم , و لن يعدم صاحبنا أيضا من تزيين أطروحته تلك بأسماء لفلاسفة كبار عظام من التيار المثالي مثل أفلاطون لم يرتاحوا لحكم الناس لأنفسهم و لا حتى لتعميم المعرفة بينهم , تلك الفضيلة التي تحسب للسوفسطائييين بإخراج المعرفة من غموض و سرية الفيثاغورثيين لفضاء الأجورا , لإكمال ذلك الطريق الذي اختطه الفلسفة لنفسها منذ البداية حيث نزعت الكلمة من ملك القصر المسيني و كاهنه و أعطتها للديموس "الشعب " ليعرف بنفسه كما يحكم بنفسه (2), ثم أعادها فلاسفة المثالية للسماء و اشترطوا للوصول لها الصعود بجدل افلاطوني عبر المحسوس تجاه المجرد يقدر عليه الحر اليوناني و لا يستطيعه العبد الغارق في المادة , لكن الفيلسوف المثالي سيرد الصاع صاعين , و يقول إن التحرير لا يمكن أن يتم إلا بالتأكيد على كون الواقع ليس هو الواقعية النهائية , فهناك دائما مثال يتجه له الإنسان هو ما يحرره من قبضة هذا الواقع و من أن يتم إستعيابه فيه , سيرفع عقيرته قائلا من أين نستمد الأخلاق و الجمال إذ لم يكن العالم غير مادة ؟ و لن يعدم هو أيضا تزيين أطروحته بأسماء لفلاسفة ماديين كانت فلسفتهم تثبيت للوضع القائم المليء بالقهر , ألم يكن إستعمار الغرب للعالم مدعوم بنظرة مادية ترى أن الطيبيعة فضلت هؤلاء على هرلاء و أوكلت لهم حمل العبء ,و حسبت مدخلات الحرب و مخراجتها دون مراعاة كون الإنسان غاية لا وسيلة , كيف علاج هذا إذ إن لم يكن بالعودة للروح للمثال ؟
في الحقيقة نستطيع تصور استمرار هذا الجدل طويلا ربما دون حسم , و كل تهمة يكيلها كل صاحب فلسفة للآخر تستطيع أن تجدها عنده هو أيضا , فتقسيم الناس تقسيم أزلي لطبقات و نفي حرية الإنسان و قدرته على الفعل و تعتيم المعرفة و إحاطة مناهجها بسرية تجعلها مملوكة لفئة واحدة ,و تثبيت الوضع القائم و تأبيده , هي أمور موجودة في كل من التيارين الفلسفيين الكبار , و تظل حجج كل تيار مقنعة في ربط التيار الآخر بنيويا بالقهر !! و تظل حجج كل تيار في ربط نفسه بنويا بالتحرير أيضا مقنعة !! , فبالفعل لا يمكن أبدا تخيل إمكان تحرير الإنسان من قبضة الأفكار أو الأوضاع إلا بإرخنتها أي قرائتها قراءة علمية تفسر قوانينها من داخل العالم , في حين قد يميل التصور المادي لتصور العالم ساكن و حتمي و بهذا يصبح التغيير مستحيل حيث تختفي الحرية ذاتها و القدرة على الفعل !! , و إذا كانت الرؤية المثالية تجعل العالم هو موضع التغير لا الثبات و الأزلية الذي تحفظه لماوراء العالم فإنها أيضا قد تميل لإعتبار العالم غير مهم بسبب هذه السمات نفسها التي تعد عندها سمات نقص و ترك العالم يفضي يصورة عكسية لتثبيت أوضاعه , أضف إلي هذا كون نسبة العالم المادي نسبة تبعية تامة لما ورائه تجعل حتى حوادثه المتغيرة محكومة بالماوراء أي أنها أيضا فوق قدرة الإنسان على تغييرها !!
لهذا فإن محاولة تجاوز هذه الثنائية مادة \ روح أو بلغة اخرى عالم \ ما وراء لتحقيق التحرير الحقيقي للإنسان هو ددين كثير من المحاولات الفلسفية و قبل هذا هو ديدن الأديان ذاتها بإعتبار من أهم أهدافها إن لم يكن الأهم هو تحقيق التوازن للإنسان و تحريره , و بالطبع فإن القول بإن الدين الإسلامي استطاع تحقيق هذا التوازن بين عالمي المادة و الروح و العالم و ما وراءه إلي ما يتبع هذا من ثنائيات مثل العقل و الوجدان و العلم و الدين و العمل و العبادة , نقول إن هذا القول مشهور لدرجة لا تحتاج منا لتكرار , لكن ما يبرر لنا الحديث عنها مرة أخرى هو ضرورة إعادة وضعه بين الأقواس , أشكلته , إخراجه من طور المسلمة إلي طور المشكلة التي تحتاج لبحث , هذه الضرورة تنبع من كون التوازن لا يزال مفقودا , و من كون تكرار مثل هذه المقولات عند عدد لا بأس منه المفكرين الكبار ليس سوى محاولة منا لإخفاء الشكل الحقيقي الذي تنظر به عقولنا لهذه الثنائيات ...
إفصاح زكي نجيب و إخفاء بيجوفيتش
_______________________
نستطيع أن نلمس و لو قدر من التقارب على الأقل في موضوع التوزان بين الثنائيات عند كل من زكي نجيب و علي عزت بيجوفيتش , فالقاريء لصاحب "عربي بين ثقافتين " و لصاحب "الإسلام بين الشرق و الغرب " يستطيع تلمس الرغبة الشديدة التي يملأها الحيرة أحيانا في الجمع و التوفيق بين العلم و الدين و الإنسان و الله و العالم و ماوراءه , بل إن كان عملاق التنوير يرى أنه أول من وضع إشكالية النهضة بإنها إشكالية التوفيق بين الأصالة و المعاصرة , فإن هذا الإشكال لم يغب عن ذهن بيجوفيتش و إن بصورة أقل مما هي عليه عند وكي نجيب , لكن زكي نجيب يفصح ببساطة عن المأزق الرئيسي في قضية التوفيق_ و هو ما لا يفعله بيجوفيتش _ ,و هي أن أطراف الثنائية ليست متساوية , فالروح أفضل من المادة , و الدنيا مهما اهتم الإسلام بها فهي جسر إلي الآخرة الخير و الأبقى , و الحياة حتى لو هامة فهي ليست الحيوان , بهذا تتجلى الهرمية التي تحكم كل الثنائيات , و التي تفعل فعلها في إفشال كل محاولات التوفيق التي يجهد نجيب نفسه في محاولة عقدها , فبعد أن وضع الدين و الأخلاق و الفن في جانب الأصالة "الوجدان" و العلم في المعاصرة "العقل" , فإنه لا يضعهم أبدا على قدم مساواة , فالعلم يظل خاضعا للدين كما نرى في موقفه من نظرية داروين , و يتجلى أكثر في قبول طريقة تعامل مع النص لا تستطيع أبدا الإتساق مع الطريقة العلمية في التفكير , فالتعامل مع النص وفقا لآلية التفكير بالأصل بما تنطوي عليه من نفي قوانين اللغة و الإجتماع و التاريخ لا يستطيع سوى تهديد الرؤية العلمية و ضربها في الصميم , أي أنه مؤذن في النهاية بتفجير تلك الوحدة الممتخيلة و إفقادنا هذا التوازن المنشود !!
غير أن من اكثر المجالات التي حللها العملاق بخصوبة و أصالة و قدرة أيضا على إظهار الحيرة هي محاولة توفيقه بين الفن و العلم الحديث (3) , فالرجل بعقل نابه يلمس كون الفن العربي القائم على مراعاة النماذج المعدة سلفا أكثر من مراعاة الواقع و تجربة الفنان يعد مهددا لتوجيه العقل إلي الواقع , و لكن وضعه للفن في جانب الأصالة يجعله يتردد في رفض هذه الطريقة في التعبير عن الوجدان لينتهي به الأمر لمحاولة التوفيق داخل الفن نفسه بين الفن القائم على الفردية و التجربة المعاشة و بين النظرة الكلية التي تمثل جوهر رؤية العربي للعالم , هذا يعني ببساطة أن محاولة التوفيق بين العلم و الفن انتهت لمحاولة توفيق بين الفن و الفن !! مما يعني أن محاولة الدكتور إحداث توازن لم تفعل سوى كشف اللاتوزان الحقيقي بين عقل العربي و وجدانه الذي يعمل على مفارقة العالم من جهة و بين العلم الحديث الذي يتجه له من جهة أخرى بسبب الهرمية التي تحكم علاقة العالم بما وراءه في أذهاننا , تلك الهرمية المخفية و التي أفصح عنها هو بذكاء !!
و تفصح أيضا هذه المحاولة عن إدراك عميق لعلاقة الفن الحديث بالرؤية العلمية الحديثة لإشتراكهم في الأصل الفلسفي و هو رفض النماذج السابقة التي تمثل وصاية على العقل و تحجب عنه الرؤية الواضحة لواقعه و التعبير الحر عن وجدانه, و هو الإدراك الغائب عن ذهن بيجوفيتش !! , لكن لتوضيح هذا علينا أولا التنبه لكون الأمر عند بيجوفيتش هو عكسه عند زكي نجيب , فإن كان زكي نجيب بحكم محاولته تكريس رؤية علمية يحاول التوصل لفن يستطيع التوافق مع هذه الرؤية , فإن بيجوفيتش يتعامل مع الفن بإعتباره طريق الخلاص من العالم المادي الذي سقط فيه الإنسان في العصر الحديث, و هو و إن كان لا يرفض العلم إلا إنه يفضل الفن عليه , فلا يمكن مساواة تأمل تولستوي في مصير البشر و إبداع بيتهوفن لسيمفونيته بإفناء جليليو عمره في التفكير في مسألة سقوط الأجسام أو بتفكير نيوتن في الجاذبية,
فالفن روح و إلهام و طريق إلي الله بإستعادة لحظة الخلق لحظة الحرية كما صدرنا كلامنا, في حين العلم مادة , و الروح أفضل من المادة و الإتجاه لما وراء العالم أولى من الإتجاه للعالم , هذه الرؤية الهرمية التي أفصح عنها نجيب و يخفيها بيجوفيتش وراء "الوحدة ثنائية القطب " تلك المقولة التي يرى فيتش أن الإسلام حققها في كل شيء و يحاول هو قراءة كل شيء من خلالها , فالثقافة روح و الحضارة مادة , و الفن روح و العلم مادة , و لإن بيجوفيتش يتجاهل العلاقة بين الفن الحديث بكل تطوراته حتى الفن العبثي يقدرته على سبر أعماق الإنسان و تحريره و تجسيد تجربته و فهمها من ناحية و بين العلم الحديث و منهجه من ناحية أخرى فإن محاولته تخرج من نطاق التوفيق إلي نطاق الإضافة و التجميع الغير واعي , فإن قبول هذه البينة الهرمية و محاولة إخفائها سيجعل العالم في تصورنا تابع تام لما ورائه و ما يتبع هذا من إفقار للعالم و التجربة المعاشة فيه لصالح نماذج أزلية تحدد طريقة نظرنا للعالم و طريقة تعبيرنا عن وجداننا نفسه !!
مما يعني أن الفن المعبر عن الإنسان و طموحاته و أحلامه و انكساراته لن يصبح له وجود في ظل هذه الرؤية , و لعل ممن تنبهوا لفكرة إخضاع الفن العربي للنماذج السابقة هو محمد قطب في كتابه عن الفن الإسلامي لكن لإن قطب يظهر بوضوح رؤيته الهرمية فإنه لا يقبل هكذا الفن الحديث بكل تطوراته بل هو يضع نموذج بديل للفن يظهر فيه الإنسان بالصورة التي رسمها القرآن و التي و إن جمعت الروح و المادة و الانتصار و الإنكسار إلا أنها لا يمكن أن تحتفل بلحظات الإنكسار و الخطيئة كما يفعل الفن العبثي الذي يدافع عنه بيجوفيتش بإعتباره رغبة في عالم أفضل تنطلق من إدراك لعبثية العالم المعاصر "الواقع " , فالفنان عند بيجوفيتش مرتبط بواقعه و معبر عنه في حين عند قطب هو معبر عن النموذج , و فكرة النموذج لا يمكن تجاوزها بالإشادة ببكيت بل فقط بتجاوز ما يؤسسها من هرمية تنفي عن العالم تقومه بذاته و خصوبة تجربته و حرية العقل في قرائته و التعبير عنه و عن وجدانها دون التقيد بنماذج معدة سلفا و هو تجاوز غير موجود عند بيجوفيتش بل يتم التعمية عليه بالوحدة ثنائية القطب ..
في قلب الثنائيات
___________" السر يوجد في الدنيا كما يوجد ورائها , و السماء و الارض و الاشياء تخاطبنا في كل حين , علينا أن نعي ما نقول , فأنا اعشق السر كما يتجلى في هذه الدنيا , كما سأعشق وجوده بعد الموت "
اسماعيل قدري من "قشتمر " لنجيب محفوظ
في قلب كل هذه الثنائيات تتمركز الثنائية الرئيسية و الكبرى و هي ثنائية الله \ العالم , و تتجلى فيها بقوة تلك الهرمية التي تجعل العالم مجرد تابع خاضع للإرادة المطلقة الغير محددة , هذه الإرادة أنشأت العالم انشاءا لمحض لمشيئتها و بالتالي فالعالم زائد عن الحاجة , كان و كان من الممكن ألا يكون إلا أن الإرادة شاءت هذا , و هذه الرؤية التي تجعل العالم لا قوام له وقفت كحاجز أمام كل محاولة من العقل لجعل العالم مفهوما , فتحرير العلم من قبضة اللاهوت معناه تحرير العالم من الإرادة المطلقة و إثبات تقومه بقانون داخله يستطيع العقل قرائته , و أهم المحاولات في العصر الحديث في هذا الصدد هي محاولة أبي الفلسفة الحديثة ديكارت , لكن ديكارت لم يضع موضوع الإرادة المطلقة موضع سؤال بل إنه اكتفى بتعديل متعلق هذه الإرادة معتمدا على عناصر أخرى داخل اللاهوت الكاثوليكي , فمتعلق الإرادة لم يصبح اللاقانون بل أصبح القانون , فالإرادة المطلقة ارتأت أن تحد نفسها بقوانين لإن هذه الإرادة هي إرادة إله رحيم غير ماكر يريد أن يهيديني و يجبني مزالق الشيطان الماكر , فخلق العالم واضحا مفهوما بقوانين حتى استطيع قرائتها , لا شك هناك محاولات تشبه محاولة ديكارت هذه تحاول البحث عن إثبات لتقوم العالم عن طريق الإعتماد على الله , و إن كانت أصالتها و إحتفائها بالعقل أقل كثيرا من ديكارت كما يظهر من أنها لا تقيم هذا على أساس قراءة عقلية لله بل عن طريق اللجوء فورا للنص , المهم أن هذه الرؤى تبحث عن إثبات تقوم العالم بقانون عن طريق اللجوء لما وراء العالم , وبصورة أوضح في حالة من يلجأ للنص لإن فيها يتم القيام بإثبات القانون يتم برفع القرآن فوق الواقع أي نفي قوانين الواقع , معنى هذا إن كل هذه المحاولات و إن بدرجات مختلفة تنفي تقوم العالم بقانون حال إثبات تقومه بقانون!! هذه المفارقة وحدها دليل على الحاجة الماسة لإخضاع هذه الثنائية لقراءة جديدة تخلصها من تلك الهرمية التي تسكنها ..
و الغريب أن قراءة هذه الثنائية وفقا لعلاقة أخرى تختلف عن العلاقة الأحادية موجود له بدايات بالفعل داخل التراث التوحيدي نفسه , فقراءة بعض المتصوفة على رأسهم الشيخ الأكبر ابن عربي (4 ) تجعل العالم قد خلق بصورة "ضرورية " حتى يرى الله كمالاته في العالم , أي أن العالم هو تعين إمكانات الخالق نفسه و بالتالي فوجودها ليس وجود شيء زائد كان ممكنا ألا يوجد بل هو وجود تفقد الألوهية ذاتها معناها إن لم يكن موجودا , و وضعنا كلمة ضروري بين معقوفتين هو لإزالة سوء الفهم المتوقع تجاه تلك اللفظة بإعتبارها توحي أن هناك شيء آخر أجبر الله على خلق العالم , فليس هكذا الأمر فالخروج من العلاقة الأحادية يخرج بنا أًصلا من ثنائية اختبار مطلق \ جبر , فالخلق هنا إبداع تتجلى فيه الممكنات فهو اختيار و ضرورة في آن , و إذا كانت الحرية عند بيجوفيتش لا تتعارض مع وجود قوانين للعالم و في رأيه هذا أيضا تصور الإسلام , فإن هذا الطابع الثنائي للحرية متجذر في الخلق نفسه , أليست قضية الخلق هي قضية الحرية كما يقول في المقطع الذي صدرنا به هذه السطور ؟!!
العلم و الفن مرة أخرى
______________
القراءة التي يقرأ بها بيجوفيتش كانط هي قراءة محكومة بالهرمية المتعمد إخفائها في خطاب بيجوفيتش !! , فالنظر لفلسفة كانط بإعتبار أنها لإنها فلسفة تثبت عدم قدرة العقل النظري على إثبات وجود الله و الخلود و الحرية في حين يستطيع هذا العقل العملي فإنها فلسفة تكشف عن تناقض الذات البشرية هي في الحقيقة نظرة ملئية بالمشكلات , فأولا هذه القراءة لا تكشف عن تناقض الذات البشرية و لا شيء بل هي بالأحرى تكشف عن التناقض الذي سببه الفصل الحاد بين العقل و الروح في الفلسفة الحديثة و الذي يسبتطنه بيجوفيتش بحيث لا يعيد التفكير في الرؤية الحاكمة للعلاقة بين العالم و ماوراءه المسؤولة بقدر كبير عن هذا الفصل بل فقط يكتفي بنقل مركز الثقل للروح ظنا منه أن هذا سيحل الأمر, و فلسفة كانط تنبع من إحساس بإنسحاق الأخلاق و الجمال و الحرية تحت قطار العلم الحديث ,. لكنها حين تأسس هذه الأخلاق و الجمال فإنها تأسسها على العقل أيضا !! فأخلاق كانط و رؤيته الجمالية هم رؤيتان عقليتان , فالجمال عند كانط مثلا ليس محض شيء شعوري كما نظن بسبب وقع المصطلح على أذهاننا بل إن الجمال عند كانط له شروظ على رأسها الكلية و الضرورة و هي نفس شروط القضايا العقلية في العقل النظري عنده , فالوجود عند كانط خاضع للعقل , النظري في العالم المحسوس و العملي و الجمالي فيما وراءه , فليست الأخلاق و الجماليات عند كانط شيء مفارق للعقل أو معجز له بل هي فقط تختلف عن العقل النظري المتعلق بالمادة بحكم تركيبته , هذا أولا , ثانيا : هذه الرؤية التي تجعل كانط يحاول تحديد حدود العلم ليفسح مكانا للإيمان و ليس البحث عن الإيمان داخل العلم نفسه محددة بالسقف المعرفي الذي يتحرك فيه كانط و المعتمد على يقين و صدق فيزياء نيوتن و هندسة إقليدس الذين جعلوه يعتبرهم جزء من قوانين العقل النظري نفسه و هذا كله انهار مع الفيزياء الحديثة و الهندسات الاقليدية , و معه انهارت فكرة عدم قدرة العقل النظري على الوصول لله و الحرية و خلود الروح و التي تطلبت البحث عنهم في العقل العملي و الجمالي , فهذه الفكرة كانت مرتبطة كما قلنا بكون قواعد الفيزياء و الهندسة جزء من بنية العقل الفطرية و ليست مجرد إبداع من إبداعاته كما تبين لنا الآن _ و أهم أسباب هذا هو ما فعله ديكارت من إضفاء القداسة على هذه القواعد بإعتبارها متعلق إرادة الله _, و كون العقل النظري نفسه موطن إبداع يؤهله هو أيضا لإعادة لحظة الخلق في قرائته للعالم , مما يجعل العلم و الفن كليهما موضع إبداع و يساوي بين تأمل تولستوي في مصر البشر و تفكير جاليلو في مشكلة سقوط الأجسام , فكليهما تجلي للروح , فروح الإنسان سارية في كل نشاطاته , هذا يجعل الوصول لما وراء العالم لا يتطلب ترك العلم بالعالم أو تأجيله أو وضعه في مرتبة أقل من هيمان الروح بالفن الذي ينظر له بإعتباره مفارقة للعالم , بمعنى أن الوصول لما وراء العالم لا يتطلب الخروج من العالم , فإن كان العالم هو تجلي ممكنات الألوهة , فإن قراءته و الإنشغال به هو طريق معاينتها !! و عدم تبين بيجوفيتش لهذه الجوانب في فلسفة كانط نابع من كونه يقرأها برؤية تفصل بين الروح و العقل , الثقافة و الحضارة إلي آخر الثنائيات المبثوثة في خطابه و التي يظنها تمثل وحدة ثنائية القطب في حين خضوع أحد قطبيها للآخر مؤذن بإنفجارها في أي وقت !!
و النظر لللعالم كموضع لتجلي الروح الإنسانية يحافظ عليه من النزعة الإستعمالية التي يشتكي منها عدد من الكتاب منهم بيجوفيتش و يرونها إمتداد للرغبة في السيطرة على الطبيعة التي بدأت مع العلم الحديث و يرون حلها في موازنة الأمور بالإتجاه لتأكيد أهمية الروح و أولويتها و هو ما قلنا إنه إن لم يتخلص من البنية التي تحكم الثنائيات و الثنائية المركزية فيها فهي مهددة بعدم وجود علم أصلا و بسقوط الفن في النماذج المسبقة أي بقتل الروح نفسها !!
عود على بدء
_________
" إن المجتمع العاجز عن التدين هو أيضا عاجز عن الثورة "سبب هذا عند بيجوفيتش هو كون شرط الثورة مشاعر النضال و التضحية و العدالة و التضامن , بهذا تحول الثورة عند بيجوفيتش إلي محض مشاعر و تفقد شروطها العقلية التي أهمها كون الواقع ممكن تغييره , أي كونه نتاج فعل بشري , و حين نقرأ آخر فصل في كتاب بيجوفيتش ذاك الفصل الذي يتحدث فيه سريعا عن مشكلة الشر و المواقف الحدية التي تحيط بوجود الإنسان و تحعله عاجز عن السيادة على مصيره مما يبرر اللجوء لله و الإستسلام له وحده و طلب عنايته يثار في ذهننا سؤال هام و هو هل الإستسلام لله بإعتباره صانع المقادير و طلب عنايته هو طريق الثورة لتغيير الواقع التي يربطها بيجوفيتش ربطا حاسما بالدين و ينفي عن الدين أي وقوف ضد الثورات بل ينسب هذا للدين الرسمي دين المؤسسات ؟! أم أن الإيمان بكون الواقع قابل للتغير لإنه صنعة بشرية_ و هذا يتوافق بشدة مع التوحيد الذي يجعل المقدس واحد مما يعني أن الواقع قابل لتغير و اللتجاوز _ هو الطريق إلى جعلها ممكنة , لكن الإجابة ليست مستعصية حيث تفصح البنية الهرمية عن ذاتها بقوة في فصل بيجوفيتش بين العمل و نتيجته , ليجعل النتيجة بين يدي الله ليعود العمل في العالم فعل غير متقوم بذاته , يكتسب وجوده من خارجه , خاضع للإرادة المطلقة !!
في قلب كل هذه الثنائيات تتمركز الثنائية الرئيسية و الكبرى و هي ثنائية الله \ العالم , و تتجلى فيها بقوة تلك الهرمية التي تجعل العالم مجرد تابع خاضع للإرادة المطلقة الغير محددة , هذه الإرادة أنشأت العالم انشاءا لمحض لمشيئتها و بالتالي فالعالم زائد عن الحاجة , كان و كان من الممكن ألا يكون إلا أن الإرادة شاءت هذا , و هذه الرؤية التي تجعل العالم لا قوام له وقفت كحاجز أمام كل محاولة من العقل لجعل العالم مفهوما , فتحرير العلم من قبضة اللاهوت معناه تحرير العالم من الإرادة المطلقة و إثبات تقومه بقانون داخله يستطيع العقل قرائته , و أهم المحاولات في العصر الحديث في هذا الصدد هي محاولة أبي الفلسفة الحديثة ديكارت , لكن ديكارت لم يضع موضوع الإرادة المطلقة موضع سؤال بل إنه اكتفى بتعديل متعلق هذه الإرادة معتمدا على عناصر أخرى داخل اللاهوت الكاثوليكي , فمتعلق الإرادة لم يصبح اللاقانون بل أصبح القانون , فالإرادة المطلقة ارتأت أن تحد نفسها بقوانين لإن هذه الإرادة هي إرادة إله رحيم غير ماكر يريد أن يهيديني و يجبني مزالق الشيطان الماكر , فخلق العالم واضحا مفهوما بقوانين حتى استطيع قرائتها , لا شك هناك محاولات تشبه محاولة ديكارت هذه تحاول البحث عن إثبات لتقوم العالم عن طريق الإعتماد على الله , و إن كانت أصالتها و إحتفائها بالعقل أقل كثيرا من ديكارت كما يظهر من أنها لا تقيم هذا على أساس قراءة عقلية لله بل عن طريق اللجوء فورا للنص , المهم أن هذه الرؤى تبحث عن إثبات تقوم العالم بقانون عن طريق اللجوء لما وراء العالم , وبصورة أوضح في حالة من يلجأ للنص لإن فيها يتم القيام بإثبات القانون يتم برفع القرآن فوق الواقع أي نفي قوانين الواقع , معنى هذا إن كل هذه المحاولات و إن بدرجات مختلفة تنفي تقوم العالم بقانون حال إثبات تقومه بقانون!! هذه المفارقة وحدها دليل على الحاجة الماسة لإخضاع هذه الثنائية لقراءة جديدة تخلصها من تلك الهرمية التي تسكنها ..
و الغريب أن قراءة هذه الثنائية وفقا لعلاقة أخرى تختلف عن العلاقة الأحادية موجود له بدايات بالفعل داخل التراث التوحيدي نفسه , فقراءة بعض المتصوفة على رأسهم الشيخ الأكبر ابن عربي (4 ) تجعل العالم قد خلق بصورة "ضرورية " حتى يرى الله كمالاته في العالم , أي أن العالم هو تعين إمكانات الخالق نفسه و بالتالي فوجودها ليس وجود شيء زائد كان ممكنا ألا يوجد بل هو وجود تفقد الألوهية ذاتها معناها إن لم يكن موجودا , و وضعنا كلمة ضروري بين معقوفتين هو لإزالة سوء الفهم المتوقع تجاه تلك اللفظة بإعتبارها توحي أن هناك شيء آخر أجبر الله على خلق العالم , فليس هكذا الأمر فالخروج من العلاقة الأحادية يخرج بنا أًصلا من ثنائية اختبار مطلق \ جبر , فالخلق هنا إبداع تتجلى فيه الممكنات فهو اختيار و ضرورة في آن , و إذا كانت الحرية عند بيجوفيتش لا تتعارض مع وجود قوانين للعالم و في رأيه هذا أيضا تصور الإسلام , فإن هذا الطابع الثنائي للحرية متجذر في الخلق نفسه , أليست قضية الخلق هي قضية الحرية كما يقول في المقطع الذي صدرنا به هذه السطور ؟!!
العلم و الفن مرة أخرى
______________
القراءة التي يقرأ بها بيجوفيتش كانط هي قراءة محكومة بالهرمية المتعمد إخفائها في خطاب بيجوفيتش !! , فالنظر لفلسفة كانط بإعتبار أنها لإنها فلسفة تثبت عدم قدرة العقل النظري على إثبات وجود الله و الخلود و الحرية في حين يستطيع هذا العقل العملي فإنها فلسفة تكشف عن تناقض الذات البشرية هي في الحقيقة نظرة ملئية بالمشكلات , فأولا هذه القراءة لا تكشف عن تناقض الذات البشرية و لا شيء بل هي بالأحرى تكشف عن التناقض الذي سببه الفصل الحاد بين العقل و الروح في الفلسفة الحديثة و الذي يسبتطنه بيجوفيتش بحيث لا يعيد التفكير في الرؤية الحاكمة للعلاقة بين العالم و ماوراءه المسؤولة بقدر كبير عن هذا الفصل بل فقط يكتفي بنقل مركز الثقل للروح ظنا منه أن هذا سيحل الأمر, و فلسفة كانط تنبع من إحساس بإنسحاق الأخلاق و الجمال و الحرية تحت قطار العلم الحديث ,. لكنها حين تأسس هذه الأخلاق و الجمال فإنها تأسسها على العقل أيضا !! فأخلاق كانط و رؤيته الجمالية هم رؤيتان عقليتان , فالجمال عند كانط مثلا ليس محض شيء شعوري كما نظن بسبب وقع المصطلح على أذهاننا بل إن الجمال عند كانط له شروظ على رأسها الكلية و الضرورة و هي نفس شروط القضايا العقلية في العقل النظري عنده , فالوجود عند كانط خاضع للعقل , النظري في العالم المحسوس و العملي و الجمالي فيما وراءه , فليست الأخلاق و الجماليات عند كانط شيء مفارق للعقل أو معجز له بل هي فقط تختلف عن العقل النظري المتعلق بالمادة بحكم تركيبته , هذا أولا , ثانيا : هذه الرؤية التي تجعل كانط يحاول تحديد حدود العلم ليفسح مكانا للإيمان و ليس البحث عن الإيمان داخل العلم نفسه محددة بالسقف المعرفي الذي يتحرك فيه كانط و المعتمد على يقين و صدق فيزياء نيوتن و هندسة إقليدس الذين جعلوه يعتبرهم جزء من قوانين العقل النظري نفسه و هذا كله انهار مع الفيزياء الحديثة و الهندسات الاقليدية , و معه انهارت فكرة عدم قدرة العقل النظري على الوصول لله و الحرية و خلود الروح و التي تطلبت البحث عنهم في العقل العملي و الجمالي , فهذه الفكرة كانت مرتبطة كما قلنا بكون قواعد الفيزياء و الهندسة جزء من بنية العقل الفطرية و ليست مجرد إبداع من إبداعاته كما تبين لنا الآن _ و أهم أسباب هذا هو ما فعله ديكارت من إضفاء القداسة على هذه القواعد بإعتبارها متعلق إرادة الله _, و كون العقل النظري نفسه موطن إبداع يؤهله هو أيضا لإعادة لحظة الخلق في قرائته للعالم , مما يجعل العلم و الفن كليهما موضع إبداع و يساوي بين تأمل تولستوي في مصر البشر و تفكير جاليلو في مشكلة سقوط الأجسام , فكليهما تجلي للروح , فروح الإنسان سارية في كل نشاطاته , هذا يجعل الوصول لما وراء العالم لا يتطلب ترك العلم بالعالم أو تأجيله أو وضعه في مرتبة أقل من هيمان الروح بالفن الذي ينظر له بإعتباره مفارقة للعالم , بمعنى أن الوصول لما وراء العالم لا يتطلب الخروج من العالم , فإن كان العالم هو تجلي ممكنات الألوهة , فإن قراءته و الإنشغال به هو طريق معاينتها !! و عدم تبين بيجوفيتش لهذه الجوانب في فلسفة كانط نابع من كونه يقرأها برؤية تفصل بين الروح و العقل , الثقافة و الحضارة إلي آخر الثنائيات المبثوثة في خطابه و التي يظنها تمثل وحدة ثنائية القطب في حين خضوع أحد قطبيها للآخر مؤذن بإنفجارها في أي وقت !!
و النظر لللعالم كموضع لتجلي الروح الإنسانية يحافظ عليه من النزعة الإستعمالية التي يشتكي منها عدد من الكتاب منهم بيجوفيتش و يرونها إمتداد للرغبة في السيطرة على الطبيعة التي بدأت مع العلم الحديث و يرون حلها في موازنة الأمور بالإتجاه لتأكيد أهمية الروح و أولويتها و هو ما قلنا إنه إن لم يتخلص من البنية التي تحكم الثنائيات و الثنائية المركزية فيها فهي مهددة بعدم وجود علم أصلا و بسقوط الفن في النماذج المسبقة أي بقتل الروح نفسها !!
عود على بدء
_________
" إن المجتمع العاجز عن التدين هو أيضا عاجز عن الثورة "سبب هذا عند بيجوفيتش هو كون شرط الثورة مشاعر النضال و التضحية و العدالة و التضامن , بهذا تحول الثورة عند بيجوفيتش إلي محض مشاعر و تفقد شروطها العقلية التي أهمها كون الواقع ممكن تغييره , أي كونه نتاج فعل بشري , و حين نقرأ آخر فصل في كتاب بيجوفيتش ذاك الفصل الذي يتحدث فيه سريعا عن مشكلة الشر و المواقف الحدية التي تحيط بوجود الإنسان و تحعله عاجز عن السيادة على مصيره مما يبرر اللجوء لله و الإستسلام له وحده و طلب عنايته يثار في ذهننا سؤال هام و هو هل الإستسلام لله بإعتباره صانع المقادير و طلب عنايته هو طريق الثورة لتغيير الواقع التي يربطها بيجوفيتش ربطا حاسما بالدين و ينفي عن الدين أي وقوف ضد الثورات بل ينسب هذا للدين الرسمي دين المؤسسات ؟! أم أن الإيمان بكون الواقع قابل للتغير لإنه صنعة بشرية_ و هذا يتوافق بشدة مع التوحيد الذي يجعل المقدس واحد مما يعني أن الواقع قابل لتغير و اللتجاوز _ هو الطريق إلى جعلها ممكنة , لكن الإجابة ليست مستعصية حيث تفصح البنية الهرمية عن ذاتها بقوة في فصل بيجوفيتش بين العمل و نتيجته , ليجعل النتيجة بين يدي الله ليعود العمل في العالم فعل غير متقوم بذاته , يكتسب وجوده من خارجه , خاضع للإرادة المطلقة !!
إن وجود الله لا يمكن أن يكون محررا لوعي الإنسان هكذا بإطلاق بل يتعلق الأمر بكيفية نظرنا لعلاقته بالعالم و كونها علاقة إبداع و تجلي تجعل العالم متقوم و ليس زائد عن الحاجة كمجرد نتاج للإرادة المطلقة ..
________________________________________________________
(1 ) آفاق الفلسفة ...فؤاد زكريا
(2 ) راجع دراسة جان بيار فرنان لنشأة الفلسفة في كتابه الرائع "أصول الفكر اليوناني "
(3) تناول زكي نجيب محمود للفن في مشروعه لتجديد الفكر العربي لمحاولة رائدة لتبين العلاقة بين الأدب العربي و بين الفكر العربي و لربط تغيير النظرة إلي العالم بتغيير النظرة للتعبير عن وجداننا , فنحن لا نحتاج فقط لإعادة التفكير في عقلنا للعالم بل حتى في طريقة صياغتنا لمشاعرنا , و أعقب هذا محاولات أدونيس و كليطو و غيرهم من المتخصصين في الأدب , و لا شك أن الأدب العربي نفسه منذ بداية تنبه لهذا بشدة كما يتضح في محاولات تغيير الأسلوب و نشدان الوضوح و التعبير عن الذات و نبذ النماذج و الأساليبالمعطاة سلفا ..
(4 )قطعا لا يمكن الحديث أو حتى الإشارة للشيخ الأكبر في هامش !! لكن نود فط الإشارة لكون فكر ابن عربي ينتهي لجعل العالم كله مرآة لله و أنه كما يرى نصر أبو زيد امتداد للرؤية الأشعرية للعالم التي تحاول أن تجعل كل العالم في قبضة الإرادة فنتهي لرمي العالم في لجة العدم لكن ما قصدناه هنا في ذكر تلك العلاقة بين العالم و بين الأسماء الآلهية و التي هي علاقة حدلية و ليست علاقة أحادية هو فقط الإسيتئناس بتلك المحاولة لتحفيز عقولنا على التفكير في ثنائية الله \ العالم بصورة جديدة
________________________________________________________
(1 ) آفاق الفلسفة ...فؤاد زكريا
(2 ) راجع دراسة جان بيار فرنان لنشأة الفلسفة في كتابه الرائع "أصول الفكر اليوناني "
(3) تناول زكي نجيب محمود للفن في مشروعه لتجديد الفكر العربي لمحاولة رائدة لتبين العلاقة بين الأدب العربي و بين الفكر العربي و لربط تغيير النظرة إلي العالم بتغيير النظرة للتعبير عن وجداننا , فنحن لا نحتاج فقط لإعادة التفكير في عقلنا للعالم بل حتى في طريقة صياغتنا لمشاعرنا , و أعقب هذا محاولات أدونيس و كليطو و غيرهم من المتخصصين في الأدب , و لا شك أن الأدب العربي نفسه منذ بداية تنبه لهذا بشدة كما يتضح في محاولات تغيير الأسلوب و نشدان الوضوح و التعبير عن الذات و نبذ النماذج و الأساليبالمعطاة سلفا ..
(4 )قطعا لا يمكن الحديث أو حتى الإشارة للشيخ الأكبر في هامش !! لكن نود فط الإشارة لكون فكر ابن عربي ينتهي لجعل العالم كله مرآة لله و أنه كما يرى نصر أبو زيد امتداد للرؤية الأشعرية للعالم التي تحاول أن تجعل كل العالم في قبضة الإرادة فنتهي لرمي العالم في لجة العدم لكن ما قصدناه هنا في ذكر تلك العلاقة بين العالم و بين الأسماء الآلهية و التي هي علاقة حدلية و ليست علاقة أحادية هو فقط الإسيتئناس بتلك المحاولة لتحفيز عقولنا على التفكير في ثنائية الله \ العالم بصورة جديدة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق