الأربعاء، 25 أبريل 2012

من "حضرة المحترم" الي حضرة الثائر ...


  • الدولة
_____
  • بعد تهميش المطلق في بناء الدولة الحديثة طبع الانسان اشواقه الي الابدية على الدولة و اصبحت مطلقا جديدا
و تتحول الدولة من كونها مجرد اداة لخدمة الافراد الي غاية في ذاتها ,بل ان الافراد في خدمنها يفعلون فعلا مقدسا كالصلاة تماما لا فرق و تتولى الدولة المهمة القديمة للاله فهي التي تحدد معيار الاخلاق وفقا لمصلحتها العليا , او يحددها الانسان الطبيعي الذي ينص عليه عقد هوبز الاجتماعي بعد ان يتعملق ليصبح وحش اشقر يأكل كل من يقف في طريقه و لا يرثى للضعفاء تماما كالدولة حين تقتل الاطفال لتطهير المداخن او تقتل افكارهم و تحصرهم في خدمة الحزب الواحد , و حين تجيش الجيوش لسرقة الاخر تحت مسمى الكشف و التعليم !!


هذا في اوروبا لكن ماذا عن حارة الحسيني؟في حارة الحسيني قُتل الانسان و لم ير سوى ضوءا صغيرا يطل على مكتب المدير العام اخر ما ترك المحتل لابناء الفقراء في سلسة الوظائف و لم يجد "عثمان بيومي"  سوى ان يغدق اشواقه الي اللانهائية على هذا الكرسي فاحتلت الدولة عنده مكانة المطلق او على الاقل معبده الوحيد فالامر متشابه اذن لكن في اوروبا تم تهميش المطلق باخراجه من اللعبة و تحديد اقامته في السماء كما يقولون لكن بعد ان تحول الانسان لقطعة من الطبيعة آن الوقت لان يعلن لنا نيتشة خبر وفاة الاله دون رثاء اما في حارة الحسيني فلم يتعرضوا للاله لكنهم بنوا المتاريث في الطريق اليه فلا عمل و لا نظافة و لا شبع فظهر من وراء الاشياء الها قاسيا يعذب العباد و يتفنن بايلامهم و حين يضع بيومي مطلقه في الدولة فسيعاملها على انها كلمة هذا الاله القاسي ,فلن يعبأ للانسانية التي بقي منها شيئا ضئيلا داخله يتمنى لو مات و لن يرى جمالا حتى و ان عرض امامه ,لن يرى سوى الشقاء في طريق تحقيق هدف وحيد هو الله المتجلي في الدولة 


  • تماهي الاله مع الدولة في ذهن عثمان بيومي
 __________________________
  • ان الاله ينزل من عليائه حتى تصبح نصوصه في خدمة مصلحة الدولة العليا فنجد عثمان يقول "ليس بالتعليمات المالية وحدها يحيا الانسان"و يقول حين يحوذ درجة في طريقه المقدس الي منصب المدير العام "ورضي الله عنه اخيرا ففتح له الباب العالي الموصل الي الحضرة الالهية العليا "فهنا يتحول الانسان الي الموظف , و يتحول جدل الخبز و الروح الي جدل التعليمات المالية و الثقافة التي ينبغي للموظف حوزها !!و تصبح الحضرة الالهية حضرة ادارية عليا !!و هذا الهبوط الحاد للاله من عليائه يصاحبه كما ذكرنا هبوطا في الانسانية و الضحايا في هذا الهبوط كثيرة و لننظر الي الاخلاق مثلا فعثمان يتمنى لو مات احد من يسبقوه في الدرجة "حمزة السويفي " علّه ينتقل لها ليقترب من هدفه المقدس و فردوسه و لكنه و لا شك يلوم ذاته على هذا التمني قائلا: اللهم العفو و السماح !!لكن نجده بعد هذا الابتهال يقول "ويؤمن بان طريقه المقدس تتتلاطم على جانبيه امواج الخير و الشر , و ان شيئا لا يمكن ان ينال قدسيته سوى الضعف و الخور و الاستسلام للمسرات و احلام اليقظة "....هذه هي الخطايا التي تنال من قدسية عثمان كل ما يقف في طريقه المقدس , اما استخدام البشر وسيلة فلا تنال من قدسيته لان القدسية بعد ان نزلت من الاله للدولة نزلت من الانسان للطموح المتقد و لهذا فحين يقول  عثمان عن نفسه  انه رجل يفعل الواجب فايا ان نظن ببطلنا مثالية كانطية ,فليس الواجب هنا هو واجب كانط و اخلاقه التي تزين صدره كما تزين النجوم السماء !!فتمني الموت ان تم لاشخاصا على مستوى الخيال معقوبا بندم سرعان ما يذوب في شعور بقدسية الخطأ لانه من اجل الله ,فان هذا الموت يحدث على مستوى حقيقي بعرض الزنا على كل امرأة تتقدم بها الخاطبة ام حسني غير معقوب بتأثر اكبر !!فالزواج من امرأة ليس عند صاحبنا بداية لحياة جديدة و خروج من الذات و تنسم لرحيق الحب بل هو وسيلة للهدف المقدس و ان لم تكن المرأة قادرة على هذا تتحول من كونها وسيلة للمنفعة الي وسيلة للذة الحرام فبين النفعة و اللذة تدور المرأة في فلك عثمان و يترك في الطريق فتاتين يحبانه و يحبهما لكن الهدف المقدس يجعله يرفضهما بحثا عن من توفر له درجة اعلى !!و لنرى ماذا يقول بعد اغتصاب اصيلة " وقال لنفسه ان احدا لا يعلم الغيب , و لذلك يتعذر الحكم الشامل على فعالنا ,بيد ان تحديد الهدف للانسان يعتبر هاديا في الظلام و عذرا فيتضارب الحظوظ  و الاحداث ,و هو مثال على ما يبدوا ان الطبيعة ترسمه في خطواتها اللانهائية )هاهو الذنب الجليل يتوارى في كونه اداة للانهائية!! و يقول " يتمنى في لحظات يائسة لو يموت قلبه و تخمد شهوته لتطهر نفسه في سيرتها المضنية"و خمد الشهوة ايضا للخوف من ان يرقبه احد اثناء تردده على غانية نصف زنجية تحمل تاريخ نصف قرن من الفحش و الابتذال و التي يتزوجها في لحظة يأس من تحقيق هذفه او لحظة جنون و لا يستطيع ان يرثى لحالها كما يجب فهو لا يعتبرها ضحية فطريق الاله شاق و لا عزاء لاحد !!


و مع زميله سعفان بسيوني الذي يجيئه بعد مرض طويل لم يعده عثمان فيه طالبا ثلاث جنيهات فيرفض مختلقا الاكاذيب مدخرا ماله لينفعه اذا تزوج يوما من رافعته الي الدرجة الاعلى و يقول لنفسه" كان يجب ان نقد من صخر او حديد لنستطيع تحمل الحياة""الطريق طويل جدا , عزائي انني اقدس الحياة _نعمة الله _و لا استهين بها "و نرانه يتعجب من احد المستخدمين حين يصفه انه كوالده او اخيه الاكبر !!فهو لم يعهد هذا في محرابه " الحكومة "


  • الاله الجبار و الفردية
 ________________
ان هذه القسوة المفعم بها بيومي لا يمكن  ارجاعها الا لتصوره عن الله بأنه متحكم جبار لا غير خلق النجوم لا للتأمل في جمالها وصولا اليه و لكن ليعذبنا (ان الله خلق النجوم الجميلة ليحرضنا ان ننظر الي اعلى , و ان المأساة انها ستطل علينا يوما ما عليائها فلا تجد لنا اثر , و لا يتحقق معنى لوجودنا الا بالعرق و الدم ) و انه يتدخل في كل كبيرة و صغيرة و يتدخل باصابع خشنة في مجرى التاريخ "فهو الذي يعين فرعون " او يجعل الامر بالمعروف من فوق كرسي مدير الادارة حيث يصبح كلام المدير مقدسا ككلام الاله !!........و عثمان منعزل متفرد لا يهتم بالسياسة ابدا و علاقته بها تتلخص في اخ شرطي استشهد في مظاهرة لا يدري اصلا لمِاذا قامت !!...."و طالما شعر بانه بلا صديق حقيقي في هذه الدنيا , و بأنه وحيد متعال عن الضغف البشري" .....هذا الشعور بالفردية المقدسة مع تصور الاله جبارا متدخلا في دقائق التاريخ من اجل من يختارهم محققين لارادته يجعل عثمان جاهزا لاذلال نفسه و قتل ذاته و الاخر من اجل تحقيق طريق الله المتجلي في الطريق الي الدولة .....
  • و لعل هذا يذكرنا بنظرة المسيري و غيره الي علاقة اليهودية بنشأة العلمانية المطلقة (1)التي تلغي المطلق تماما حيث تذيبه في الدولة الشوفونية القاسية (استمرار لاله اليهودية القاسي ) التي تقيم المصانع و تستغل العمال ثم تجيش الجيوش لقتل الاخر بلا حياء او حتى في السوق في النظام العالمي الجديد الذي يستهلك الجميع و يتقيئهم سلعا على حد تعبير بودريارد (كما يفعل عثمان في اذدراده اصيلة و ان كان هو يملك بعد بعض الحنين) ,و ايضا التراث الحلولي في اليهودية و خاصة تراث القبالاة يجعل الله صانع التاريخ بنفسه و هو يبارك شعبه المختار و يضفي على اخطائهم حتى قداسة كما تتقدس اخطاء عثمان بيومي لانه مختار !!فهنا اله جبار يتدخل في التاريخ لنصرة شعبه المختار ضد الاغيار و بالنسبة لعثمان بيومي " فثقته بالله كبيرة لكن دور الشيطان معروف في الادارة منذ القدم !!"......


  • و ايضا يذكرنا بالعقائد التي تباناها البيوريتان و التي تجعل الاله غير مفهوم و يختار من ينالون الخلاص بلا منطق  و لا حكمة ربما و هذه العقائد المفرطة في الجبرية و التي تتضافر مع الغاء طقس الاعتراف في تدعيم قلق البيوريتاني و انكبابه على العمل و البحث فيه عن ارضاء لذاته و يصبح العمل غاية و تضخم الثورة دليل على رضا الاله ,  و لا شك فالدول الحديثة استفادت من اخلاق العمل البروستانيتية تماما في تضخيم اقتصادها و في هذا كتب فيبر "اخلاق العمل البروتستانية ليبحث فيها هذه العلاقة بين نشأة الرأسمالية و الاصلاح الديني "

  • الانسان المتعالي 
_____________
اننا نواجه هنا عملا روائيا ضخما في الحقيقة رغم ان صفحاته لا تزيد على 200 بل تقل يشحذ فيها العقل للتساؤل عن كثير من الامور هل الدولة قادرة احيانا على سد المنافذ حتى يتحول اقصى الطموح الي معانقة كرسيها بعد طريق مليء بالشوك المقدس ؟!نتذكر هنا جملة لنجيب في رائعته "ثرثرة فوق النيل" و هي "لابد على الانسان ان يثور ولو مرة واحدة في العام "ان الثورة معناها اننا احياء و لم نمت بعد ,فقد مات عثمان بيومي و رفض ان يتكلم في السياسة او ان يشغل نفسه بهموم الثورات و الحركات الاجتماعية و صراع الطبقات فانتهي به الامر بأن يموت برتبة مدير عام لم يشغلها بل اعطيت له شرفيا و هو على سرير الموت فقد اعطى مجهوده للدولة التي قتلته من قبل و سدت المنافذ عنه , ودعم بنائها قربما ترك خلفه الف عثمان بيومي ومنهم زوجته الشابة التي تزجها قبيل الوفاة "راضية "فلم تتزوجه الا لهدف العلو الوظيفي ايضا فربما تتزوج اخر بعد موته لنفس الهدف !!(2).......
و هذا يحدث حولنا كل يوم و لعل رغبة البعض في ترشيح عمر سليمان دليلا فلم يعد البعض قادر على الخروج من بين يدي جلاده !!!فهم معزولون في حارة كحارة الحسيني و لم يروا الا القسوة فألفوها و لا يدرون غيرها بعد ان قتلت الدولة انسانيتهم ....


و لو تأملنا عالمنا سنجد اننا نستهلك بضائع لا فائدة لها لندعم نظاما عالميا جديدا هو نظام السوق الذي يقتلنا كل يوم بتحويلنا لسلع تستهلك سلع !!ان قتل الثورة داخل الانسان و تحويله لكائن ذي بعد واحد كما يحلو لماركوز ان يقول "وهو البعد الاقتصادي" يصنع منا الاف "عثمان بيومي ".....ان حمى الاستهلاك تتعب حواسنا الخمس فلا نجد وقتا للتفكير في قضايا الانسان الكبرى فلا قتل الفلسطينين يهم و لا اعاصير تسونامي  تقلق مضجعنا "تماما مثل عثمان حين شغله  طريقه الي الدرجة الاولى و كرسى المدير عن مشاكل الطبقات و الثورات و مشكل الدنيا حوله " ....و لا التفكير في ذواتنا باعتبارنا كائنات حرة متعالية و ليس كائنات وظيفية علاقتها بالبشر تشبه اكلات التيك واي " مثل عثمان الذي كان يجلس وحيدا فقط ليخطط للوصول للدرجة الاعلى و ليس للتعرف على ذاته باعتبارها اكبر من موظف ,و يعامل البشر كأدوات و وسائللا باعتبارهم غايات  "......
  • الحلم هو ان نصبح كائنات متعالية تبحث عن الله _الودود الذي يجبر الكسر و المتعالي عن الطبيعة فلا يذوب فيها و لا يتماهي في تاريخها و لا في دولها و هو ايضا لا يسلاها بل يرعاها و يحفظها كما عبر المصطلح الرائع للمسيري (علاقة اتصال و انفصال) _...هذا الاله لا يُبحث عنه في الدولة بل في في الحب و تأمل الجمال و الثورة من اجل العدل , في الانسان الذي يعمر الارض و يبني الدولة و يراقبها لا في الدولة التي تقتله  ...
.......و في النهاية كالعادة نرفع القبعة لنجيب محفوظ متمتمين شكرا عم نجيب :) 

  • طارق حجي 
__________________________________________________________________
  • (1) ليست اليهودية هي سبب ظهور العلمانية لكنها قدمت عقائد حلولية عن طريق تراثها القبالي الحلولي ساهم في زيادة معدلات الذوبان في الطبيعة و ظهر اثره في في معسكري الرأسمالية و الاشتراكية في تصور كل منهما لغائية تاريخية تنتهي بتبشير بنهاية للتاريخ تشبه توحد الاله مع الشعب و الارض و تكوين فردوس ارضي...  
  • (2) _(و هنا يكرر نجيب ما يفعله في اكثر من عمل حيث يتم عقاب البطل لانه سار في طريق خاطيء بعدم تحقق هدفه بل بسخريةقدرية منه ,رأينا هذا في الشحاذ حيث يتررد بعد موت عمر الحمزاوي صوتا في ذاكرته كأنه صوت الابدية "ان كنت تريدني فلما هجرتني " حيث بحث البطل عن الله في طريق الرعونة بدلا من طريق العمل الاجتماعي و نشر العدل الذي بدأ به حياته ثم تركه خوفا من البوليس الذي يقتله في النهاية !!)_
 

الأحد، 1 أبريل 2012

عن " الكرنك "


الكرنك .......1974


ينقلنا نجيب سريعا الي داخل مقهى الكرنك حيث نجد "ثلاثة شيوخ و كهل و مجموعة من الشبان بينهم فتاة حسناء...." و الرواي الذي ننتقل معه الي الكرنك يجده مصادفة بعد ان تتعطل ساعته و يتطلب اصلاحها بعض ساعات و هو يعرف اذ يدخل صاحبة المقهى انها نجمة قديمة من عماد الدين "قرنفلة" كان يعرفها و ان لم تقم بينهما علاقة و اذ يستقر على كرسيه فاذا بها تخطر اليه تجامله كزبون جديد و تتذكره بها و يالف المكان فيصبح من رواده
....................


  • طريقة السرد
______
السرد في روايات محفوظ يكون اما عن طريق صوت المؤلف كما في زقاق المدق و خان الخليلي او عن طريق احد الشخصيات او شخصية البطل كما في اللص و الكلاب او اكثر من شخصية كما في افراح القبة او راوي ينتمي للحدث و يرويه دون ان نتعرف اليه او ندري ملامحه كما في قشتمر
و هنا في الكرنك نفس الامر فالراوي هو شخصية لا نعرفها جيدا و لا نعرف عنها سوى انها اهتدت الي المقهى صدفة و هو معجب قديم بصاحبة المقهى لكن الاهم و الذي يجعل هذا السارد مختلف هو ان السارد ليس عليما بالاحداث كما تعودنا في "زقاق المدق حيث صوت المؤلف " او قشتمر حيث صوت الراوي
ليس هو الراوي الذي يخبرنا عن الاشخاص و يعلل افعالهم و يربطها و يقيمها و يدينها او يستحسنها او حتى يتركها ؟
انه  يقول اظن و لا ادري !!
و لعل نجيب اراد بهذه الطريقة ان يرسم صورة حية لتلك الحقبة التي تمثل حاضر الكرنك ,حقبة ما بعد ثورة يوليو , الاعتقالات و ماشابه فهي فترة غموض و عدم ظهور للحقيقة ,مليئة بالامال و السذاجة التي تنكر امورا حتى تظهر امامها غير راثية لبرائتها الساذجة
الراوي يرى امور و لايفهمها كما يعيش الابطال امورا و لا يفهموها , انه العبث و غياب العقل يطيح بالمؤلف من منصة العارف ببواطن الامور
ففي الحقيقة لا احد يعرف و هذا ليس بسبب صعوبة الحقيقة او تعد الحياة بل بسبب تشويه متقن و ارهاب يمارس بنظام
و هذه الطريقة في السرد يخبرنا نجيب من خلالها مدى تعقد لعلاقة بين الشكل و المضمون و انه لا اشكال ثابتة و ان المضمون يساعد في اختيار الشكل و فرضه و يصبح الاديب الاكثر عبقرية هو هذا الذي يمتلك حساسية قادرة على النفاذ الي باطن الامر و اختيار القالب المناسب لعرضه , و لعل بعض النقاد حين يقول ان النوع الادبي مثل القصة ليس رواية قصيرة بل يختلف عنها من حيث الموضوع المطروح و طريقة معالجته يكشف عن اهمية الحس الفني و القدرة على اختيار القالب المناسب فالوسيط الفني ليس مجرد وعاء نصب فيه الافكار بل هو طريقة مرتبطة جدا بما سيتم التعبير عنه من خلالها و ليس هذا فارق بين نوعين ادبيين مثل القصة و الرواية فقط بل داخل الرواية تختلف طريقة السرد و موقع الراوي الي اخره تبعا ايضا للمضمون


  • الاحداث
____
و يحكي الراوي عن اربعة اشخاص رئيسية و طبعا يعرج على بقية الاشخاص
و نلاحظ كما قلنا تخبطه في فهم بعض التغيرات حتى يستطيع عن طريق الاسئلة معهم بحكم صداقتهم ان يصل الي فهم اكبر

لا شك تهدي الثورة الي اشخاص مثل اسماعيل الشيخ و زنب دياب فرصة كبيرة هي التعليم الذي لم يكن متاحا لاهل حارة دعبس قبل هذا و هي حارة فقيرة يتكلم اسماعيل عن بيئته فيقول " مسكننا مكون من حجرة واحدة في فناء ربع , كأنه اسرة كبيرة يجاوز افرادها الخمسين عدا , و ليس به حمام و لا ماء , و به مرحاض واحد في الفناء تحمل اليه المياه في صفائح , و في الفناء يجتمع النساء و الرجال احيانا يتبادلون الاحاديث و النكات و ربما الشتائم و اللكمات و بأكلون و يصلون "
و يردف "لم يتغير شيء في حارة دعبس الي الان"
و لا شك ان في حالة مثل هذه فان الاب يتمنى لو يترك لابن التعليم ليساعده و هذا ما حدث غير ان نجاح اسماعيل و دخوله الحقوق يفتح عند الاسرة امال ان يصبح وكيلا للنيابة و تقول الام " ولو بعت عيني "

و نفس الامر مع زينب فاسرتها تحلم بتزويجها و اذا بتاجر دواجن يطلب يدها في الثانوية لكنها ترفض و الكل يعلم حبها لاسماعيل من الطفولة
و حين يدخلان الي الجامعة يجدان فيها حجة مناسبة للتلاقي بعيدا عن تزمت الربع و حارة دعبس
و تتعرف الي اصدقائه و تصبح صديقة حميمة لحلمي حمادة الشاب الاشتراكي

و في يوم يلاحظ اهل الكرنك غياب الشباب و يكفهر وجه قرنقلة صاحبة المقهى و التي تحب حلمي و يبدالها هو الحب
قبض عليهم بتهمة الاخوانية و ينقل اسماعيل معصوب العينين بجلباب و قدم حافية عبر سيارة الي مكان لا يدريه " و لم يند عن المكان صوت ,ترى اي نوع من المكان هو ؟ مددت ذراعي اتحسس المجال , تحركت تحركت بحذر شديد ,سرت برودة الارض في قدمي ,لم اعثر بشيء الا الجدران .....الظلام و الفراغ و الحيرة و الرعب ....و في اعماق العذاب يتوثب لطرح همه باستهتار يستوي ان تعده قوة او ياسا فاستسلمت للمقادير و قلت ليات الشيطان ان كان مقدورا له ان يأتي , و ليأت الموت ايضا ....."

و يستمر وصف المعاملة القاسية لاسماعيل حى يلبث امام خالد صفوان المحقق راميا في وجهه تهمة الاخوانية و ينكرها فلا يستجيب صفوان و بلطمة من مخبر يسقط مغشيا عليه و بعدها الي المكتب مرة اخرى لقال له انه بريء و انه حدث اعتقاله خطأ
و اثر التجرة ان كفر بجهاز من اجهزة الثورة ...
على حين كفر بها كلها حلمي

و يتم الاعتقال مرة اخرى بتهمة الشيوعية و اجبار له على الاعتراف يتم تهديده باغتصاب زينب و يعترف و بعد الاعتراف
"اعيد الي زنزانته فلم يلق تعذيبا اضافيا كما توقع و لكنه ايقن من الضياع "
و بعبثية تعلن برائته و قهر تطلب صداقته فعليه ان يصبح جنديا في الدولة البوليسية
"و هكذا رجع من معتقله مرشدا ذا مرتب ثابت و ضمير معذب ......"

و ظن انه انقذ المحبوبة و شرفها لكن صفوان تلذذ برؤيتها تغتصب على يد مخبر على مرأى منه و بعد ان كسرها طلب الصداقة او فرضها و هكذا اضحت مرشدة

و ملأها شعور بالضياع و السقوط تصفه هي "...........................هيهات , انتظر حتى اكمل قصتي , ربما اكون قد اخطات و لكني اندفعت في الطريق الوحيد المتاحة و هي اذلال النفس و انزال اقصى العقوبة بها ...انا ابنة للثورة و رغم كل ما حدث لم اكفر بجوهرها و اذن فانا مسؤلة عنها و متحملة لمسؤليتها بالكامل ...لذلك رفضت التظاهر بحياة الشرفاء و قررت ان اعيش كما ينبغي لامرأة بلا كرامة .."
و هنا يفهم الراوي سر تغير علاقتهما الذي لاحظه هو قبل ان يسألهما و ارجعه خطا الي علاقة بين زينب و حلمي و لعل المفارقة واضحة بين ترف تفسيره و عبث الحقيقة, فالان لكل عالم لا يستطيع ان يحدث عنه احد, انه الاغتراب في اكبر صوره اذ يفسد اجمل علاقة و هي علاقة الحب

  • الصور
_____
 نجيب هنا يعرض امامنا كيف تجلت شمولية الدولة في عذابات الافراد , كيف تحولوا الي كائنات حائرة تهوى الموت , كيف تحول المقهى الي اذن كبيرة و كيف تحول العاشق الي جاسوس رغم انفه و كيف تحول ماسح الاحذية لقواد , انها اللامبالاة تفرض نفسها على الجميع فبين ضائع و بين ملتف على ذاته تمضي حياة المغتربين الممزقين
هذه الدولة الشمولية هل يغفر تأميمها القناة تكميمها الشفاة , هل يعفر انها تقدم تعليما مجانيا  ممارستها هي للامعقول !!
ان اخر اعتقالات ابطال الراوية بخرجون منها بعد الهزيمة هزيمة ناصر و هزميتهم خرجوا اشباحا لا ارواح مكسور حبهم و مفتقدون حلمهم مجسدا في صديقهم  "حلمي " الذي مات لانه مثل كل حلم "عصبي و به جرأة " و تبكيه قرنفلة بحرارة و يشعر الخبيبان انهما القاتلان ....
و يعرض نجيب هذا بتطوير صور المجاز ففي البداية نجد احتفال بالشباب واضح و ذكر للحب في حضرة قرنفلة و حلمي و اسماعيل و زينب وحتى الاعتقاد الخطا بعلاقة حلمي و زينب , ثم نجد الصور هذه و الالوان و المرايا التي يصفها الراوي حين يصف الكرنك تحل محلها صور الظلام و العبث و الهرب و الخوف و الوباء
و يتم ذكر الوباء على لسان اسماعيل و زينب كوصف لما يحدث و لعل وصف الوباء وصف هاديء لانه يحتمل الدواء و لا يصل للكفر التام لكن لعل خالد صفوان الذي ينزل الكرنك بعد اقالته و مصادرة امواته و يحادث اهل الكرنك قائلا ....
يعمق الامر حين يقول لشاب اوصاه باحضار دواء لمرضه و يعود الشاب دونه " الداء موجود لكن الدواء غير موجود "

و يحاورهم قائلا : لعلكم تتسائلون ما قصة هذا الرجل تجدونها في الكلمات المنثورة :
براءة في القرية, و طنية في المدينة , ثورة في الظلام ,كرسي يشع قوة لا محدودة , عين سحرية تعري الحقائق ,عضو حي يموت , جرثومة كامنة تدب فيها الحياة

و كما ان الشباب هم جيل ضاع حلمه و انهار الحب في وطنه تحت وطأة الارهاب فان خالد صفوان هو الدولة بعد ان تفقد عملقتها منهزمة بمرض يعزّ دوائه

  • ختام الرواية
__________
و لكن نجيب لا يترك الرواية تنتهي يائسة فهو دوما متفائل و يبحث عن حل و لو كان الامل !
و يصل الي فكرة ربما وافقها الجميع الي "حلمي" و هي ان علينا التمسك بميراث الثورة مع تغيير الكثير
ففي النهاية يقول خالد صفوان:
ساعترف لكم في الدقائق الباقية لي هنا بخلاصة تجربتي ,لقد خرجت من الزيمة او قل من حياتي الماضية مؤمنا بمباديء لن احيد عنها ما حييت , ما هي هذه المباديء ؟
اولا: الكفر بالاستبداد و الدكتاتورية
ثانيا :الكفر بالعنف الدموي
ثالثا : يجب ان يطرد التقدم معتمدا على قيم الحرية و الرأي و احترام الانسان و هي كفيلة بتحقيقه
رابعا: العلم و المنهج العلمي هو ما يجب ان نتقبله من الحضارة الغربية دون مناقشة أما ما عداه فلا نسلم به الا من خلال مناقشة الواقع متحررين من اي قيد قديم او حديث
ثم تثائب و هو يقول: هذه هي فلسفة خالد صفوان التي تعلمها في اعماق الجحيم و التي اعلنها في الكرنك حيث يجمعنا النفى و الجريمة.


و نطالع في الختام شخصية منير احمد الشاب الغير منتمي لتيار معين و الذي حين يسأله الراوي عن الاصالة يشير الي صدره قائلا هنا و هو يحترم الدين و الاشتراكية معا و تميل اليه قرنفلة كما مالت من قبل الا "حلمي" و ان كان الحلم مات فربما يحيه منير و ينير الطريق
"و وجدتني اتمنى ان يمضي على الصراط متوازن بلا انانية من جهة و لا استغلال من جهة اخرى ليتحقق للحب النقاء و البراءة .."

هكذا استطاع نجيب برواية ذات طريقة  سرد رائعة و صور مجازية منتقاة و شخصيات تمثل الشعب بأجيال الشباب و الكهولة و الشيخوخة  و تمثل الدولة  ان يعرض كيف كان الوضع في مصر في احد اهم حقبها الطويلة .....


شكرا عم نجيب :)