- الدولة
_____
- بعد تهميش المطلق في بناء الدولة الحديثة طبع الانسان اشواقه الي الابدية على الدولة و اصبحت مطلقا جديدا
و تتحول الدولة من كونها مجرد اداة لخدمة الافراد الي غاية في ذاتها ,بل ان الافراد في خدمنها يفعلون فعلا مقدسا كالصلاة تماما لا فرق و تتولى الدولة المهمة القديمة للاله فهي التي تحدد معيار الاخلاق وفقا لمصلحتها العليا , او يحددها الانسان الطبيعي الذي ينص عليه عقد هوبز الاجتماعي بعد ان يتعملق ليصبح وحش اشقر يأكل كل من يقف في طريقه و لا يرثى للضعفاء تماما كالدولة حين تقتل الاطفال لتطهير المداخن او تقتل افكارهم و تحصرهم في خدمة الحزب الواحد , و حين تجيش الجيوش لسرقة الاخر تحت مسمى الكشف و التعليم !!
هذا في اوروبا لكن ماذا عن حارة الحسيني؟في حارة الحسيني قُتل الانسان و لم ير سوى ضوءا صغيرا يطل على مكتب المدير العام اخر ما ترك المحتل لابناء الفقراء في سلسة الوظائف و لم يجد "عثمان بيومي" سوى ان يغدق اشواقه الي اللانهائية على هذا الكرسي فاحتلت الدولة عنده مكانة المطلق او على الاقل معبده الوحيد فالامر متشابه اذن لكن في اوروبا تم تهميش المطلق باخراجه من اللعبة و تحديد اقامته في السماء كما يقولون لكن بعد ان تحول الانسان لقطعة من الطبيعة آن الوقت لان يعلن لنا نيتشة خبر وفاة الاله دون رثاء اما في حارة الحسيني فلم يتعرضوا للاله لكنهم بنوا المتاريث في الطريق اليه فلا عمل و لا نظافة و لا شبع فظهر من وراء الاشياء الها قاسيا يعذب العباد و يتفنن بايلامهم و حين يضع بيومي مطلقه في الدولة فسيعاملها على انها كلمة هذا الاله القاسي ,فلن يعبأ للانسانية التي بقي منها شيئا ضئيلا داخله يتمنى لو مات و لن يرى جمالا حتى و ان عرض امامه ,لن يرى سوى الشقاء في طريق تحقيق هدف وحيد هو الله المتجلي في الدولة
- تماهي الاله مع الدولة في ذهن عثمان بيومي
__________________________
- ان الاله ينزل من عليائه حتى تصبح نصوصه في خدمة مصلحة الدولة العليا فنجد عثمان يقول "ليس بالتعليمات المالية وحدها يحيا الانسان"و يقول حين يحوذ درجة في طريقه المقدس الي منصب المدير العام "ورضي الله عنه اخيرا ففتح له الباب العالي الموصل الي الحضرة الالهية العليا "فهنا يتحول الانسان الي الموظف , و يتحول جدل الخبز و الروح الي جدل التعليمات المالية و الثقافة التي ينبغي للموظف حوزها !!و تصبح الحضرة الالهية حضرة ادارية عليا !!و هذا الهبوط الحاد للاله من عليائه يصاحبه كما ذكرنا هبوطا في الانسانية و الضحايا في هذا الهبوط كثيرة و لننظر الي الاخلاق مثلا فعثمان يتمنى لو مات احد من يسبقوه في الدرجة "حمزة السويفي " علّه ينتقل لها ليقترب من هدفه المقدس و فردوسه و لكنه و لا شك يلوم ذاته على هذا التمني قائلا: اللهم العفو و السماح !!لكن نجده بعد هذا الابتهال يقول "ويؤمن بان طريقه المقدس تتتلاطم على جانبيه امواج الخير و الشر , و ان شيئا لا يمكن ان ينال قدسيته سوى الضعف و الخور و الاستسلام للمسرات و احلام اليقظة "....هذه هي الخطايا التي تنال من قدسية عثمان كل ما يقف في طريقه المقدس , اما استخدام البشر وسيلة فلا تنال من قدسيته لان القدسية بعد ان نزلت من الاله للدولة نزلت من الانسان للطموح المتقد و لهذا فحين يقول عثمان عن نفسه انه رجل يفعل الواجب فايا ان نظن ببطلنا مثالية كانطية ,فليس الواجب هنا هو واجب كانط و اخلاقه التي تزين صدره كما تزين النجوم السماء !!فتمني الموت ان تم لاشخاصا على مستوى الخيال معقوبا بندم سرعان ما يذوب في شعور بقدسية الخطأ لانه من اجل الله ,فان هذا الموت يحدث على مستوى حقيقي بعرض الزنا على كل امرأة تتقدم بها الخاطبة ام حسني غير معقوب بتأثر اكبر !!فالزواج من امرأة ليس عند صاحبنا بداية لحياة جديدة و خروج من الذات و تنسم لرحيق الحب بل هو وسيلة للهدف المقدس و ان لم تكن المرأة قادرة على هذا تتحول من كونها وسيلة للمنفعة الي وسيلة للذة الحرام فبين النفعة و اللذة تدور المرأة في فلك عثمان و يترك في الطريق فتاتين يحبانه و يحبهما لكن الهدف المقدس يجعله يرفضهما بحثا عن من توفر له درجة اعلى !!و لنرى ماذا يقول بعد اغتصاب اصيلة " وقال لنفسه ان احدا لا يعلم الغيب , و لذلك يتعذر الحكم الشامل على فعالنا ,بيد ان تحديد الهدف للانسان يعتبر هاديا في الظلام و عذرا فيتضارب الحظوظ و الاحداث ,و هو مثال على ما يبدوا ان الطبيعة ترسمه في خطواتها اللانهائية )هاهو الذنب الجليل يتوارى في كونه اداة للانهائية!! و يقول " يتمنى في لحظات يائسة لو يموت قلبه و تخمد شهوته لتطهر نفسه في سيرتها المضنية"و خمد الشهوة ايضا للخوف من ان يرقبه احد اثناء تردده على غانية نصف زنجية تحمل تاريخ نصف قرن من الفحش و الابتذال و التي يتزوجها في لحظة يأس من تحقيق هذفه او لحظة جنون و لا يستطيع ان يرثى لحالها كما يجب فهو لا يعتبرها ضحية فطريق الاله شاق و لا عزاء لاحد !!
و مع زميله سعفان بسيوني الذي يجيئه بعد مرض طويل لم يعده عثمان فيه طالبا ثلاث جنيهات فيرفض مختلقا الاكاذيب مدخرا ماله لينفعه اذا تزوج يوما من رافعته الي الدرجة الاعلى و يقول لنفسه" كان يجب ان نقد من صخر او حديد لنستطيع تحمل الحياة""الطريق طويل جدا , عزائي انني اقدس الحياة _نعمة الله _و لا استهين بها "و نرانه يتعجب من احد المستخدمين حين يصفه انه كوالده او اخيه الاكبر !!فهو لم يعهد هذا في محرابه " الحكومة "
- الاله الجبار و الفردية
________________
ان هذه القسوة المفعم بها بيومي لا يمكن ارجاعها الا لتصوره عن الله بأنه متحكم جبار لا غير خلق النجوم لا للتأمل في جمالها وصولا اليه و لكن ليعذبنا (ان الله خلق النجوم الجميلة ليحرضنا ان ننظر الي اعلى , و ان المأساة انها ستطل علينا يوما ما عليائها فلا تجد لنا اثر , و لا يتحقق معنى لوجودنا الا بالعرق و الدم ) و انه يتدخل في كل كبيرة و صغيرة و يتدخل باصابع خشنة في مجرى التاريخ "فهو الذي يعين فرعون " او يجعل الامر بالمعروف من فوق كرسي مدير الادارة حيث يصبح كلام المدير مقدسا ككلام الاله !!........و عثمان منعزل متفرد لا يهتم بالسياسة ابدا و علاقته بها تتلخص في اخ شرطي استشهد في مظاهرة لا يدري اصلا لمِاذا قامت !!...."و طالما شعر بانه بلا صديق حقيقي في هذه الدنيا , و بأنه وحيد متعال عن الضغف البشري" .....هذا الشعور بالفردية المقدسة مع تصور الاله جبارا متدخلا في دقائق التاريخ من اجل من يختارهم محققين لارادته يجعل عثمان جاهزا لاذلال نفسه و قتل ذاته و الاخر من اجل تحقيق طريق الله المتجلي في الطريق الي الدولة .....
- و لعل هذا يذكرنا بنظرة المسيري و غيره الي علاقة اليهودية بنشأة العلمانية المطلقة (1)التي تلغي المطلق تماما حيث تذيبه في الدولة الشوفونية القاسية (استمرار لاله اليهودية القاسي ) التي تقيم المصانع و تستغل العمال ثم تجيش الجيوش لقتل الاخر بلا حياء او حتى في السوق في النظام العالمي الجديد الذي يستهلك الجميع و يتقيئهم سلعا على حد تعبير بودريارد (كما يفعل عثمان في اذدراده اصيلة و ان كان هو يملك بعد بعض الحنين) ,و ايضا التراث الحلولي في اليهودية و خاصة تراث القبالاة يجعل الله صانع التاريخ بنفسه و هو يبارك شعبه المختار و يضفي على اخطائهم حتى قداسة كما تتقدس اخطاء عثمان بيومي لانه مختار !!فهنا اله جبار يتدخل في التاريخ لنصرة شعبه المختار ضد الاغيار و بالنسبة لعثمان بيومي " فثقته بالله كبيرة لكن دور الشيطان معروف في الادارة منذ القدم !!"......
- و ايضا يذكرنا بالعقائد التي تباناها البيوريتان و التي تجعل الاله غير مفهوم و يختار من ينالون الخلاص بلا منطق و لا حكمة ربما و هذه العقائد المفرطة في الجبرية و التي تتضافر مع الغاء طقس الاعتراف في تدعيم قلق البيوريتاني و انكبابه على العمل و البحث فيه عن ارضاء لذاته و يصبح العمل غاية و تضخم الثورة دليل على رضا الاله , و لا شك فالدول الحديثة استفادت من اخلاق العمل البروستانيتية تماما في تضخيم اقتصادها و في هذا كتب فيبر "اخلاق العمل البروتستانية ليبحث فيها هذه العلاقة بين نشأة الرأسمالية و الاصلاح الديني "
- الانسان المتعالي
_____________
اننا نواجه هنا عملا روائيا ضخما في الحقيقة رغم ان صفحاته لا تزيد على 200 بل تقل يشحذ فيها العقل للتساؤل عن كثير من الامور هل الدولة قادرة احيانا على سد المنافذ حتى يتحول اقصى الطموح الي معانقة كرسيها بعد طريق مليء بالشوك المقدس ؟!نتذكر هنا جملة لنجيب في رائعته "ثرثرة فوق النيل" و هي "لابد على الانسان ان يثور ولو مرة واحدة في العام "ان الثورة معناها اننا احياء و لم نمت بعد ,فقد مات عثمان بيومي و رفض ان يتكلم في السياسة او ان يشغل نفسه بهموم الثورات و الحركات الاجتماعية و صراع الطبقات فانتهي به الامر بأن يموت برتبة مدير عام لم يشغلها بل اعطيت له شرفيا و هو على سرير الموت فقد اعطى مجهوده للدولة التي قتلته من قبل و سدت المنافذ عنه , ودعم بنائها قربما ترك خلفه الف عثمان بيومي ومنهم زوجته الشابة التي تزجها قبيل الوفاة "راضية "فلم تتزوجه الا لهدف العلو الوظيفي ايضا فربما تتزوج اخر بعد موته لنفس الهدف !!(2).......
و هذا يحدث حولنا كل يوم و لعل رغبة البعض في ترشيح عمر سليمان دليلا فلم يعد البعض قادر على الخروج من بين يدي جلاده !!!فهم معزولون في حارة كحارة الحسيني و لم يروا الا القسوة فألفوها و لا يدرون غيرها بعد ان قتلت الدولة انسانيتهم ....
و لو تأملنا عالمنا سنجد اننا نستهلك بضائع لا فائدة لها لندعم نظاما عالميا جديدا هو نظام السوق الذي يقتلنا كل يوم بتحويلنا لسلع تستهلك سلع !!ان قتل الثورة داخل الانسان و تحويله لكائن ذي بعد واحد كما يحلو لماركوز ان يقول "وهو البعد الاقتصادي" يصنع منا الاف "عثمان بيومي ".....ان حمى الاستهلاك تتعب حواسنا الخمس فلا نجد وقتا للتفكير في قضايا الانسان الكبرى فلا قتل الفلسطينين يهم و لا اعاصير تسونامي تقلق مضجعنا "تماما مثل عثمان حين شغله طريقه الي الدرجة الاولى و كرسى المدير عن مشاكل الطبقات و الثورات و مشكل الدنيا حوله " ....و لا التفكير في ذواتنا باعتبارنا كائنات حرة متعالية و ليس كائنات وظيفية علاقتها بالبشر تشبه اكلات التيك واي " مثل عثمان الذي كان يجلس وحيدا فقط ليخطط للوصول للدرجة الاعلى و ليس للتعرف على ذاته باعتبارها اكبر من موظف ,و يعامل البشر كأدوات و وسائللا باعتبارهم غايات "......
- الحلم هو ان نصبح كائنات متعالية تبحث عن الله _الودود الذي يجبر الكسر و المتعالي عن الطبيعة فلا يذوب فيها و لا يتماهي في تاريخها و لا في دولها و هو ايضا لا يسلاها بل يرعاها و يحفظها كما عبر المصطلح الرائع للمسيري (علاقة اتصال و انفصال) _...هذا الاله لا يُبحث عنه في الدولة بل في في الحب و تأمل الجمال و الثورة من اجل العدل , في الانسان الذي يعمر الارض و يبني الدولة و يراقبها لا في الدولة التي تقتله ...
.......و في النهاية كالعادة نرفع القبعة لنجيب محفوظ متمتمين شكرا عم نجيب :)
- طارق حجي
__________________________________________________________________
- (1) ليست اليهودية هي سبب ظهور العلمانية لكنها قدمت عقائد حلولية عن طريق تراثها القبالي الحلولي ساهم في زيادة معدلات الذوبان في الطبيعة و ظهر اثره في في معسكري الرأسمالية و الاشتراكية في تصور كل منهما لغائية تاريخية تنتهي بتبشير بنهاية للتاريخ تشبه توحد الاله مع الشعب و الارض و تكوين فردوس ارضي...
- (2) _(و هنا يكرر نجيب ما يفعله في اكثر من عمل حيث يتم عقاب البطل لانه سار في طريق خاطيء بعدم تحقق هدفه بل بسخريةقدرية منه ,رأينا هذا في الشحاذ حيث يتررد بعد موت عمر الحمزاوي صوتا في ذاكرته كأنه صوت الابدية "ان كنت تريدني فلما هجرتني " حيث بحث البطل عن الله في طريق الرعونة بدلا من طريق العمل الاجتماعي و نشر العدل الذي بدأ به حياته ثم تركه خوفا من البوليس الذي يقتله في النهاية !!)_
