الخميس، 23 فبراير 2012

لقاء مع سراب ...........( قصة شبه قصيرة شبه ذاتية شبه موضوعية)


 لم يكن يدع فترة طويلة تنقضي حتى يعود الي هنا ...على ضفاف النيل يجلس يتأمل العشاق و هم يتهامسون و يلقون احلامهم في عمق النيل الذي لا يبارح هدوئه 
لطالما قال لنفسه ان النيل هو اكبر معبد في مصر ليل نهار يؤمه النساك و هو كأي معبد  زواره منهم محسن و منهم مقتصد و منهم ظالم لنفسه , ويبقى الحب اقوى الالهة و أجملها و أقساها 
و عجب كيف الفيلسوف داخله يناطح بحثا عن النظام وراء الكون و يدافع عن العقل ثم يقف هائما أمام الحب مسلما بعبثيته مسلما انه اله غير منصف حتى انه كتب مرة " الحب يملأ جهنمه رهبانا !! ", 
في اوقات يثور و يعلن الكفر بهذا الاله القاسي العبثي لكن ترتد اليه نفسه سائلة كيف تكفر بمن في صدرك معبده؟
ان الشك عنده أصاب كل شيء مذاهب الفلاسفة و نظريات العلم و احيانا ما يسمونه قوانين العقل لكن ظل الحب يقين ,هو في الحقيقة  كان لا يميل للعدم فيظل مؤمنا بالعقل و قدرته  و بتعالي الانسان الذي ينبءعن اصل الهي فظل ايمانه بالعقل و الله اساسا لا يتزعزع الا قليلا ثم يثوب و كان يبحث في الارض عن اي شيء يقوده للتدليل على ان السماء لم تزل حية و ان سهام نيتشة لم تنالها و ان جودو لم يغيب بل نحن وقفنا في المكان الخطا 
فكان يعول كثيرا على الحب و الفن و الابداع,  كان دوما يستدل هكذا العقل اعلى من الطبيعة بدليل قدرته على الانفصال عنها و رسمها و محاولة فهمها  انه عقل ايجابي مبدع للتصورات و الرؤى في العلم و الفن و في كل نشاط , و كان يبحث عن دلائل هذا في فلسفة العلم و فلسفة الفلسفة كان يعلم ان الله قريب و اننا في لابداعنا نراه و نعيد لحظة الخلق!!
  و هكذا ظل استنتاجه عقل مليء بالعاطفة يحكي عن عدم اقتناعه بأن الرياضة قد تقتل الحب أو ان ثمة عقل لا روح فيه !!
كان يعول على الانسان و كان يردد ان مات ادم فينا فالوصول لله مستحيل , تحرير العقل و اليد هما طريق البشر الي الله لذا ظل ماركس و كانط من اهم عقول البشر عنده فالأول حرر العقل و الثاني حرر اليد بالاضافة الي كل فيلسوف يؤمن بالانسان
 هكذا كان دوما غارقا في التأملات اذا انفرد و احيانا وهو بين الناس , كنت اذا مررت الي جواره تظنه صنم لكن ليس كل الصمت عن ارادة  ففي الذات بؤرة اشتد فيها النور فأظلمت و اصبح الكلام عنها محال و الاشارة اليها بحروف الصمت اقصى الاماني !!

لم يطل وقوفه طويلا حتى دنت منه امرأة عشرينية تميل الي القصر اقتربت و الي جواره اسندت ظهرها الي السور و وقفت تلتقط انفاسها كأنها اتت من مشوار طويل كانت تنظر اليه بعين لم يستطع تحديد لونها في هذا الظلام فاعتبرها بلا لون و أسكره الخمر في بشرتها و اعادته غجرية شعرها الي عهد الاساطير و ابتسمت فطلعت الشمس من مغربها بلون فضي !!

  • _قالت له : ألا تذكرني ؟
  • هل يذكرها ؟
قال في نفسه و كيف لاحد يعلمها ان ينساها ؟, لكنه متأكد انه لا يعرفها!! ..تبا اين الشك الان ذهب و من اين جاء اليقين الان؟و تمثل له طاليس يطعن كاهنا يدعي الحقيقة المطلقة في ساحة الاجورا و اضطربت نفسه و قال من تكون هذه ؟ و سأل نفسه ان كنت أنا لا اعلمها فلماذا أنا أنا ؟؟!!و هرب الالهة جميعا من رأسه و غرقوا في النيل فلم يدري على من يصب اللعنات؟!أما هي فنظرت اليه في حدة و أخذت تروح و تجيء أمامه في عصبية و تتمتم هاهو يتظاهر انه لا يعرفني أما هو فظل غير مدرك وشعر انه يترنح كتلك المراكب الصغيرة التي تتحرك تحته على صفحة النيل 
  • كيف تنساني هكذا بكل بساطة ألم تكتب في ّ الاشعار و ترسلها مع الليل قرابين على محرابي؟
  • اشعار.....قرابين .....ليل !!!
يعلم جيدا هذه الاشياء فهو عاشق قديم لكن عشقه للا احد عشق بلا أمل !! ماذا يقول هو لا يملك كلاما هي تقول انها حبيبته و هو لا يذكر لكنه يصدقها , هو لا يعرفها لكنه يرى نفسه في نور محياها 
  • أجمع امره ثم قال في صوت ظاهره الهدوء و باطنه من قبله العذاب: صدقيني انا اول مرة ارى حضرتك و لا اظني اعرفك قبل هذه اللحظة و كل ما اكتب فهو  للاأحد
مستهزئة :للا أحد !!كلنا يقول هذا يقول اكتب للا أحد في حين اننا نكتب نجوى لالهة لا ترى !!
  • ما اعمقها من كلمة ......لعل عندك حق 
  • _لكني اراك كنت دوما ااتي الي هنا و اراقبك من بعيد  حين تأتي , اراقب في قلبك بذرة الايمان بي و بذرة الكفر و لما خشيت كفرك اتيت..... انظر الى عيني ستعلم من أنا !
  • _ نظر اليها قليلا ثم بعصبية... أنا لا ارى شيئا فالظلام يملأ المكان دعيني ارحل اذا سمحتي و يهم بالرحيل لكنها تعترض طريقه , تمسك بكتفيه و تنظر اليه تقول لا ترحل , لا تعجل , لا تسرع, تأمل قليلا ....لا يزال في عينيك بعض نور لترى
  •  _لا نور بقى
  •  _انت ترى عيني , انت تعرفني لكن تخادع
  •  _لعل عيني الفت الظلام 
  • _اذن تذكرتني
  •  _ مستسلما و هل لي ان انساك ؟
  • _اذن فيم الرحيل ؟
  • _و فيم البقاء ؟
  • _اترحل الان دون ان تعرف من انت؟
كم هزه السؤال ...ارداه قتيلا دون قتال ...ابتلعه كما ابتلع النيل امال العشاق .... قذف به الي تلك البؤرة التي اشتد نورها فأظلم من أنا؟
  • _ اتعرفين من أنا ؟
  • _لا أحد غيري يعرف من أنت ؟
  • _ لكن في المرة السابقة حين قابتلك تركتيني هائما في الصحراء لا ادري من أنا؟
  • _ لعل هذا فعلا حدث
  • _ لا يهم اخبريني الان من أنا !!
  • _ليس الان 
  • _لماذا؟
  • _لأنك في البدء انكرتني !!
  • _فقط كنت مشوش صدقيني 
..الان أنا استطيع الرؤية

تتركه و تتراجع خطوات الي الوراء في شبه رقصة و نظرته اليها تتضرع و تتسائلو فجأة  تركض بعيدا دون كلام و لا يملك نفسه فيعدو في اثرها تركض و هو ورائها, تركض و هو ورائها ......  يتعثر و يقع  لكنه يقوم و يكمل الركض ثم يتعثر و يقع ...و هكذا الي ان ينال منه التعب....هي غابت كفراشة!! فيستلقي على الارض يجمع انفاسه اللاهثة !!
  ثم يقف و قد غلبه الاعياء يريد أن يصرخ بأعلى صوته من أنا ؟
  لكنه لا يستطيع  و ينظر الي النيل فيجده لا يزال هادئا !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق