السبت، 3 مارس 2012

العلم و الدين.............محاولة لتجاوز الثنائية (2)


  • ان محاولة التوفيق بين الدين و العلم اتخذت اشكال كثيرة و حاولنا كما وضحنا في مقال بعنوان ( ما بعد ثنائية العلم و الدين .....محاولة لتحاوز بقية الثنائيات ) ان نضع طريقا لهذا عن طريق تحليل كلا منهما  و البحث عن العلم داخل الدين و الدين داخل العلم و في المقال السابق اوضحنا ان البحث عن الدين داخل العلم سيكو عن طريق بحث كيف ينظر العلم الي " علاقة الله , الطبيعة, الانسان" و ان هذه النظرة لن نبحث عنها داخل نتائج العلم لاسباب ذكرناها هناك و لكن سنبحث عنها في فلسفة العلم حيث تتقاطع اسئلة المعرفة بسؤال الوجود !!

و وصلنا هناك الي ان نظرة فلاسفة الحداثة للعلم "فلسفة علم الحداثة" نتج عنهابعض المباديء هي 
  • 1-انفصال الذات العارفة عن الموضوع فيما يعرف بالموضوعية المطلقة
  • 2- بساطة الذات و كونها فقط ذات مفكرة ذات عقل رياضي محايد تماما
  • 3-بساطة الموضوع نفسه و تصور خضوعه التام لرياضة اقليدس و مبدأ الحتمية

  • فالعلم في هذه الرؤية نشاط محايد تماما يستطيع بلوغ يقين كامل عن  كون بسيط محايد يخضع للميكانيكية و الاقليدية و المنطق الثنائي (اما \أو ) و هو عالم لا غيب فيه و ان وجد غيب فهو خارجه و لا يتعلق به فيما يعرف عند فيبر بتهميش المطلق تماما و نزع السحر عن العالم تمهيدا للسيطرة التامة عليه و نستطيع تذكر فاوست و هو يطالب من الشيطان الحقيقة المطلقة و المعرفة الكاملة و نظير ذلك يعطيه نفسه فلا نجد فرقا بين ما رسم جوته و بين طلب بيكون بعقل خال من كل الاوهام و طلب ديكارت عقل ابستيمي معرفي محض ينتزعه من كوجيتو يحوي بعض المشاعر و تفاؤل لوك بأن العقل أصلا خالي فلا داعي للمساومة مع الشيطان !!

  • السحر و العالم
___________
" أحدد حدود العلم لافسح مكانا للايمان" هكذا تكلم كانط !!ان محاولة كانط هي محاولة لاعادة السحر الي العالم فكاانط يرفض النظر للطبيعة على انها محض موضوع معرفي و الي الذات على انها محض اداة معرفية و يرفض جعل العلاقة بينهما علاقة استخدام فنراه يشير الي جمالة الطبيعة و جلالها و الي قدرة الانسان صناعة الفن و الاخلاقان هذه المحاولة في رايينا محاولة جيدة جدا للتخلص مما نتج فعلا بعد هذا كنتاج لنزع السحر عن العالم و هو ازمة البيئة و استغلالها الغاشم و ايضا الحروب الي اخر الازمات !!هنا كانط يعيد للكون بعض الجمال و للانسان بعض التعالي....و يتخذ كانط جمال الطبيعة و "و الجمال فعل غائي خارج عن الالية و النفع " و الاخلاق دليلان على وجود "الشيء في ذاته او المطلق" و كانط ينفي القدرة على تبين هذا الشيء في ذاته جيدا او حمل معرفة تفصيلية كاملة عنه لان العقل لا يحوي مقولات خاصة به بل فقط مقولاته تتعامل مع الطبيعة مما يعني بقاء "الشي في ذاته" مجهولا ....لكن يظل كانط موقن بيقين العلم و ان العقل يحوي المقولات اللازمة لفهمها أو فهم "الظواهر" في حين "الشي في ذاته مجهولا" ....و هذه الرؤية يشارك كانط فيها تقريبا مدرسة فرانكفورت التي رات الخلاص في الفن لانه فقط يحمل طابع غير اداتي ......لكننا ندعي ان كانط (أو القائلين بنفس الموقف )لم يستطع هذا لاسباب تتعلق بالتطور العلمي و الفلسفي في عصر الفيلسوف الالماني العظيم ...و نقول ان كانط لم يعد السحر الي العالم بل فقط اوقفه على باب العالم !!!فرؤية كانط هذه تجعل هناك عالمان ...طبيعة او ظواهر \ شيء في ذاته... و يبدوا ان العالمين منفصلان ...و هنا النقطة الهامة و هي ما قصدنا من جعل السحر على باب العالمو لعل القاريء يستشف اننا نريد ادخال السحر الي العالم  ...و هذا صحيح لكن لا نريد ادخاله من نفس الباب اي من باب الفن و الاخلاق و هما محل ابداع و انفصال عن الطبيعة  بل نريد كسر الباب اي البحث عن الابداع داخل العلم نفسه 

  •  العلم بعد 1900
_______________________ 
و بقيام العلم الحديث و خاصة اكتشاف الالكترون الحر ( اي الغير خاضع للحتمية المطلقة و الذي يتحرك ببعض حرية تتطلب قوانين من نوع اخر) تبين ان الكون ليس حتمي "فانهارت الحتمية الانطولوجية " و وصفها ساخرا ارثر ادنتجتون العالم اانجليزي بانها تصور لا يقل سذاجة عن تصر ان القمر مصنوع من الجبن الروكفور , و عن طريق مبدأ اللاتعين لهايزنبرج ثبت ان الذات تتدخل في الرصد و ليست تسجل دون تتدخل و هذا ايضا في النسبية و هذا انهيار لمبدأ اخر من مباديء الابستمولوجي التقليدي و هو الذات المحايدة و الموضوعية المطلقة....

  • ان ابسط نظرة للعلم الحديث تطلعنا على ان ما كنا نظنه يقين مثل حتمية العالم و انطباق رياضة اقليدس و قواعد ارسطو عليه لم يعد صحيحا بل أضحى مجرد حالة داخل نطاق اوسع بكثير فالكون الحتمي هو مجرد طريقة للقرائة معتمدة فقط على اننا ننظر للامور على انها سبب و نتيجة في ين هي اعقد من هذا , و الرياضة الاقليدية مجرد ابداع عقلي يتوائم مع شكل عالمنا و ان كان غير صالح للتعامل مع الكون خرج جدود ارضنا و حتى قواعد ارسطو التي كانت تعد قواعد للعقل البشري أصبحت حالة ساذجة لا ترى سوى لونين اسود و ابيض في الظواهر على حين كشف لنا المنطق الغائم "للطفي زاده "عن الالوان و تدرجها الطيفي الذي يصعب معه هذا التعامل الحدي ....

اي ان كل ما اعتبرناه يقينا ليس سوى ابداع عقلي في محاولة الوصول للحقيقة قابل لان ينقد في اي وقت  ...كانت هذه التصوارت صالحة في وقت معين لكن وجب تغييرها حين فقدت مبررات وجودها و بحث العقل عن تصورات اقرب ....


  • ان تبدل اغلب المفاهيم التي تحكم العملية المعرفية "الحتمية و الموضوعية المطلقة و لهدنسة الاقليدية" الي اطر اوسع يكشف لنا الخطأ الذي وقع فيه كانط و قبله ديكارت حين ظنا بيقين هذه المفاهيم و جعل العقل مساوي للطبيعة في عملية المعرفة العلمية " فكرة القوالب الكانطية و افكار ديكارت التي يضمنها الاله الطيب" ....ان العقل ليس مساوي للطبيعة حتى في العلم و قوانين الطبيعة ليست محفورة عليه و لا قوالبها ,بل هو منفصل عنها بمسافة كما يظهر من امكانه تبديل الرؤى للحاق بحقيقة الطبيعة ...اي ان العقل هو قدرة دينامية كما يرى بياجيه بحق قادرة على انتاج تصورات لفهم العالم و استيعابه و كما يرى " بريجوجين الحائز على نوبل " ان الطبيعة لا تجيب الا عن ما نسأل فقط !! اي ان قدرة العقل على السؤال الدائم هي ما تسمح بتطور العلم و تقدمه للامام  ...و السؤال لا يجيء الا ممن استطاع الوقوف على مسافة مما يسأل عنه 


  • العقل هل هو محايد؟
________________
لعل فكرة حياد العقل و موضوعيته المطلقة هي اكثر فكرة حاول زعزتها الابستمولوجي الحديث خاصة في رافده النسوي و ايضا عند توماس كون الذي تكلم عن اهمية الجانب الاجتماعي في بنية العلم و فيير ابند بول و غيرهم و لعل  هذا جعل كثير من الباحثين ينبشون وراء كثير من النظريات العلمية  باحثين عن تحيزها الاجتماعي او السياسي فالعلم نشاط غير معزول و يرجع اغلب الفلاسفة النسويات  و من يشاركه الشك افي الموضوعية الكاملة للعلم الترويج للموضوعية الكاملة الي انها دعاوى ايدلوجية الغرض منها السيطرة على من لا يحقق هذا الحياد مثل "المرأة التي هي النسق الذكوري عاطفية مطلقا غير قادرة على التفهم الموضوعي " و على الثقافات التي لا تحقق نفس الاطار من الموضوعية المزعومة و لهذا حاولت هذه الاتجاهات زعزعة هذه الموضوعية و اظهار ما فيها من زيف ....و اظهر كثير من الباحثين مثل كون و لودان و غيرهم ما يعتري الحكم على الفروض العلمية الي جانب المعايير العلمية"البساطة...العومية...الخ" من معايير سيقاية "مصطلح لودان" او اجتماعية ثقافية" مصطلح كون ...مما يجعل فكرة العالم مغمض العيني ذي العقل المحايد تماما فكرة سخيفة و هذا ايضا ما حاول التاكيد عليه كون حين اشار الي ما يطلق عليه فرض "سابير - وورف " في اللغة و الذي يقضي ان اللغة ليست تصف العالم بل تعيد بنائه بصورة معينة و ان اللغة ليست وسيلة فقط لايصال الفكرة بل هي تشارك في تشكيلها ...و يلخص الامر ما يقوله خالد قطب في كتابه على طريق توماس كون "جوهر الامر أن اي معرفة علمية تفترض استخدام وسائط معينة بين الذات و الموضوع ...الادوات و الاجهزة و جميع ما ابتددع الانسان ثم الانساق الاشارية الرمزية و التكوينات المفاهيمية ..و و نظام الاجهزة ادوات  القياس علاوة على جماع النظريات و ما بينها من علاقات خاصة ...فقد سقطت اسطورة العقل الذي يبدأ كصفحة بيضاء "و لعل ايضا كتاب فلسفة العلم في القرن العشرين لدونالد جيليز يحفل بما يقطع بالتخلي عن هذه الاسطورة الغريبة التي قال عنها فيير ابد بول " ان العلم ليس كتابا مغلقا لا يمكن فك طلاسمه الا بعد سنوات من التدريب بل هو نظام عقلي يمكن ان ينتقده اي شخص معني بالعلم , و ان الصعوبة المزعومة ترجع الي الحملة الايدلوجية التي يشنها العلماء الغربيين لادخال الرعب في نفوسنا" 

  • الفرض المقبول مجرد احتمال
_______________________
يقول ليفي  لا يوجد ثمة دليل تجريبي قادر على التاكد من صحة او خطا فرض ما , بل هناك دليل يجعل فرضا ما اكثر احتمالية او اقل و هذا ايضا يؤكده  تيوارث كما ينقل جيليز في كتابه فلسفة العلم في القرن العشرين حين  يبين ان عملية تغيير فرض علمي او نظرية من اجل اصلاح النسق العلمي يشبه اصلاح مركب في البحر ...فعليك ان تنتقي لوح على انه هو السبب في الخلل و اي لوح ممكن اختياره وفقا لفروض نظرية معينة ...لا نريد ذكر الامر تفصيلا و ما يتعلق به من النزعةة الكلانية عند كواين و غيره و فكرة الملاحظة المشبعة بالنظرية لكن نكتفي بالقول انه لا دليل على ان ما اخترناه فرضا لتفسير الطبيعة هو الافضل !!و ان ما استبعدناه هو السيء فتجريب كل الفروض غير ممكن كما يلاحظ بول فيير ابند ايضا ...
  • الغيب داخل العلم 
______________
علينا ان نحاول لددقائق تغيير نظرتنا للغيب على انه مكان يقع اخر الحس او الواقع الحسي و ان نحاول تخيله على انه فعل او نتاج لفعل ...فنحن حين نريد فهم الطبيعة نبتكر تصورات كما قلنا لفهم الطبيعة هذه التصورات ينتجها العقل اما من خبرة سابقة او حدس او خيال يرى فبريدج " ان الخيال ليس فقط يقود لفروض جديدة بل هو يخلع الحياة على الملاحظات الميتة دون خيال"و قد تكون رؤانا متحيزة كما يرى بعض الباحثين في علم اجتماع المعرفة و قد لا تكون ...لكن هي لا شك مرتبطة ببراديم علمي معين " مجموع المفاهيم التي يعتنقها علماء المجتمع العلمي في فترة معينة " و كما قلنا ان الفرض المطروح غير قادرين على التيقن التام منه ...و ايضا كما ذكرنا فالطبيعة تجيب على ما نسأل فقط لا غير ...اذن في اثناء عملية العلم نفسها التي تحضر لنا جزء من العالم يغيب جزء اخر في نفس اللحظة ....اذن هو في نفس الوقت علم و غيب ....طبيعة و شيء في ذاته !!ان الشيء في ذاته الذي كان خارج العالم عند كانط يدخل الي العالم من بوابة العلم من بوابة العقل الذي لا يمكن ان يتحول لصفحة بيضاء او مكان لافكار فطرية او قوالب جامدة انه العقل الذي المتحرك الذي لا يتوقف و لا يني البحث عن الحقيقة في طبيعة هي ساحرة ...فهي ليست محايدة الحياد التام و هي متترددة بين جسيم و مادة يزيد سحرها ان الانسان لا يستطيع احضارها كلها في قبضة يده بل يده التي تحاول القبض عليها تلتقط جزئا و في نفس الوقت و بنفس الفعل تستبعد اخر!!ان الانسان باعتباره كما راينا كائن مبدع للتصورات يقف على مسافة من الطبيعة مظهرا تعاليه ...بل ان عدم موضوعيته دليل على تعاليه ...الا تروا ارتباط الحياد التام بالاستسلام للطبيعة و ارتباط عدم الحياد التام بوجود منظومات الفن و الفلسفة و الايدولوجي و هي منظومات تدل على قدرة الانسان الحياة في عوالم من صنعه منفصلة عن الطبيعة  ؟ ان عدم موضوعيته يظهر تعاليه و يرجع سحرا الي الطبيعة و ينهي اسطورة اليقين في معرفتها التي انطلقت منها الحداثة ان ارض الحداثة و عالمها الذي اضحى بديلا للسماء مكتفيا بذاته يتسرب اليها السحر بسبب وجود الانسان المنبيء عن الاصل السماوي ان السماء لم تدع الارض ...انهما يلتقيان في عقل الانسان ذاك الكائن الذي لا ينفك يغني رافضا ان يسلم روحه و ابداعه و نفسه الي الشيطان و ان كان في مقابل اليقين المطلق !!
  • هنا نجد ان تحليل فلسفة العلم الحديثة للعلم و لنتائجه اظهر وجود الانسان كفاعل مبدع و ليس متلقي سلبي ( و نكرر هذا لا نجده في نظرية علمية بل في تحليل بينة النظريات ) ...و ايضا ان الطبيعة ليس بسيطة ( و هذا و ان اثبته العلم عن طريق جعل حالات الحتمية و الاقليدية مجرد حالات من الطبيعة فقط لا غير و ايضا مبدأ الاتعين الذي قضى على الحياد التام , الا  اننا حاولنا اثبات هذا عن طريق فعل الانسان في المعرفة الذي يجعل اثبات صحة فرض و خطا اخر مطلقا مستحيل مما يجعل العلم و الغيب قرينان في العملية العلمية )

  • حاولنا اذن من فلسفة العلم او من خلال تتبع بنية العلم ان نعيد بناء الثالوث الذي ذكرناه (الله , العالم , الانسان) فوجدنا انالانسان كائن طبيعي \الهي بمعنى انه متأثر بالزمان و المكان لكن ايضا ليس مستوعب فيهما و في الطبيعة لكنه قادر على ابدا تصورات لفهم هذه الطبيعة في استقلال و لو قليل عنها ....و ان الطبيعة تفلت من يده لا لشيء الا لانه منفصل عنها ببناه الحضارية كاللغة و الفلسفة و الفن و التي تعيد بناء العالم و توجه بلاشك نظرته اليه ....مما يجعل الطبيعة تحوي غيبا و يجعلها مكان للتأمل الجمالي ايضا و ليس القنص فقط .
و حضور الغيب للعالم بسبب الانسان يسقط فكرة انفصال الله عن العالم و ايضا اتصاله الكامل "الحلول" فالله موجود مفارق للعالم لكنه لم يتركه بل لازالت كلمته باقية في عقل خليفته المنتج المبدع المتأمل .ان هذه المقال و ما سبقه محاولة لتقريب الدين و العلم و هذا اول شق حيث بتحليل العلم و جدنا  الانسان المتعالي الذي يكشف عن اصل الهي و وجدنا الغيب يتسرب الي العالم بسبب وجوده و المقدس يطل على عالمنا لا يتركه و اننا نراه في عملية المعرفة حين تكشف تلك الاخيرة عن تعالي الانسان و ابداعه ...اي اننا ببحثنا عن الدين داخل العلم و جدنا الله داخل العالم "ليس بالمعنى الحلولي" بقي لنا مقال نحاول فيه التنظير لهذه الفكرة و ربطها بالمحاولات الاخرى للتوفيق بين العلم و الدين و أيضا عرض لقصة "حكاية بلا بداية و لا نهاية" لنجيب محفوظ و التي نألف فيها قربا للطريقة التي اتبعناها لحل المشكلة ثم يعقب هذا البحث عن العلم داخل الدين في مجموعة اخرى من المقالات  ...و الله اعلم  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق