
الكرنك .......1974
ينقلنا نجيب سريعا الي داخل مقهى الكرنك حيث نجد "ثلاثة شيوخ و كهل و مجموعة من الشبان بينهم فتاة حسناء...." و الرواي الذي ننتقل معه الي الكرنك يجده مصادفة بعد ان تتعطل ساعته و يتطلب اصلاحها بعض ساعات و هو يعرف اذ يدخل صاحبة المقهى انها نجمة قديمة من عماد الدين "قرنفلة" كان يعرفها و ان لم تقم بينهما علاقة و اذ يستقر على كرسيه فاذا بها تخطر اليه تجامله كزبون جديد و تتذكره بها و يالف المكان فيصبح من رواده
....................
- طريقة السرد
______
السرد في روايات محفوظ يكون اما عن طريق صوت المؤلف كما في زقاق المدق و خان الخليلي او عن طريق احد الشخصيات او شخصية البطل كما في اللص و الكلاب او اكثر من شخصية كما في افراح القبة او راوي ينتمي للحدث و يرويه دون ان نتعرف اليه او ندري ملامحه كما في قشتمر
و هنا في الكرنك نفس الامر فالراوي هو شخصية لا نعرفها جيدا و لا نعرف عنها سوى انها اهتدت الي المقهى صدفة و هو معجب قديم بصاحبة المقهى لكن الاهم و الذي يجعل هذا السارد مختلف هو ان السارد ليس عليما بالاحداث كما تعودنا في "زقاق المدق حيث صوت المؤلف " او قشتمر حيث صوت الراوي
ليس هو الراوي الذي يخبرنا عن الاشخاص و يعلل افعالهم و يربطها و يقيمها و يدينها او يستحسنها او حتى يتركها ؟
انه يقول اظن و لا ادري !!
و لعل نجيب اراد بهذه الطريقة ان يرسم صورة حية لتلك الحقبة التي تمثل حاضر الكرنك ,حقبة ما بعد ثورة يوليو , الاعتقالات و ماشابه فهي فترة غموض و عدم ظهور للحقيقة ,مليئة بالامال و السذاجة التي تنكر امورا حتى تظهر امامها غير راثية لبرائتها الساذجة
الراوي يرى امور و لايفهمها كما يعيش الابطال امورا و لا يفهموها , انه العبث و غياب العقل يطيح بالمؤلف من منصة العارف ببواطن الامور
ففي الحقيقة لا احد يعرف و هذا ليس بسبب صعوبة الحقيقة او تعد الحياة بل بسبب تشويه متقن و ارهاب يمارس بنظام
و هذه الطريقة في السرد يخبرنا نجيب من خلالها مدى تعقد لعلاقة بين الشكل و المضمون و انه لا اشكال ثابتة و ان المضمون يساعد في اختيار الشكل و فرضه و يصبح الاديب الاكثر عبقرية هو هذا الذي يمتلك حساسية قادرة على النفاذ الي باطن الامر و اختيار القالب المناسب لعرضه , و لعل بعض النقاد حين يقول ان النوع الادبي مثل القصة ليس رواية قصيرة بل يختلف عنها من حيث الموضوع المطروح و طريقة معالجته يكشف عن اهمية الحس الفني و القدرة على اختيار القالب المناسب فالوسيط الفني ليس مجرد وعاء نصب فيه الافكار بل هو طريقة مرتبطة جدا بما سيتم التعبير عنه من خلالها و ليس هذا فارق بين نوعين ادبيين مثل القصة و الرواية فقط بل داخل الرواية تختلف طريقة السرد و موقع الراوي الي اخره تبعا ايضا للمضمون
- الاحداث
____
و يحكي الراوي عن اربعة اشخاص رئيسية و طبعا يعرج على بقية الاشخاص
و نلاحظ كما قلنا تخبطه في فهم بعض التغيرات حتى يستطيع عن طريق الاسئلة معهم بحكم صداقتهم ان يصل الي فهم اكبر
لا شك تهدي الثورة الي اشخاص مثل اسماعيل الشيخ و زنب دياب فرصة كبيرة هي التعليم الذي لم يكن متاحا لاهل حارة دعبس قبل هذا و هي حارة فقيرة يتكلم اسماعيل عن بيئته فيقول " مسكننا مكون من حجرة واحدة في فناء ربع , كأنه اسرة كبيرة يجاوز افرادها الخمسين عدا , و ليس به حمام و لا ماء , و به مرحاض واحد في الفناء تحمل اليه المياه في صفائح , و في الفناء يجتمع النساء و الرجال احيانا يتبادلون الاحاديث و النكات و ربما الشتائم و اللكمات و بأكلون و يصلون "
و يردف "لم يتغير شيء في حارة دعبس الي الان"
و لا شك ان في حالة مثل هذه فان الاب يتمنى لو يترك لابن التعليم ليساعده و هذا ما حدث غير ان نجاح اسماعيل و دخوله الحقوق يفتح عند الاسرة امال ان يصبح وكيلا للنيابة و تقول الام " ولو بعت عيني "
و نفس الامر مع زينب فاسرتها تحلم بتزويجها و اذا بتاجر دواجن يطلب يدها في الثانوية لكنها ترفض و الكل يعلم حبها لاسماعيل من الطفولة
و حين يدخلان الي الجامعة يجدان فيها حجة مناسبة للتلاقي بعيدا عن تزمت الربع و حارة دعبس
و تتعرف الي اصدقائه و تصبح صديقة حميمة لحلمي حمادة الشاب الاشتراكي
و في يوم يلاحظ اهل الكرنك غياب الشباب و يكفهر وجه قرنقلة صاحبة المقهى و التي تحب حلمي و يبدالها هو الحب
قبض عليهم بتهمة الاخوانية و ينقل اسماعيل معصوب العينين بجلباب و قدم حافية عبر سيارة الي مكان لا يدريه " و لم يند عن المكان صوت ,ترى اي نوع من المكان هو ؟ مددت ذراعي اتحسس المجال , تحركت تحركت بحذر شديد ,سرت برودة الارض في قدمي ,لم اعثر بشيء الا الجدران .....الظلام و الفراغ و الحيرة و الرعب ....و في اعماق العذاب يتوثب لطرح همه باستهتار يستوي ان تعده قوة او ياسا فاستسلمت للمقادير و قلت ليات الشيطان ان كان مقدورا له ان يأتي , و ليأت الموت ايضا ....."
و يستمر وصف المعاملة القاسية لاسماعيل حى يلبث امام خالد صفوان المحقق راميا في وجهه تهمة الاخوانية و ينكرها فلا يستجيب صفوان و بلطمة من مخبر يسقط مغشيا عليه و بعدها الي المكتب مرة اخرى لقال له انه بريء و انه حدث اعتقاله خطأ
و اثر التجرة ان كفر بجهاز من اجهزة الثورة ...
على حين كفر بها كلها حلمي
و يتم الاعتقال مرة اخرى بتهمة الشيوعية و اجبار له على الاعتراف يتم تهديده باغتصاب زينب و يعترف و بعد الاعتراف
"اعيد الي زنزانته فلم يلق تعذيبا اضافيا كما توقع و لكنه ايقن من الضياع "
و بعبثية تعلن برائته و قهر تطلب صداقته فعليه ان يصبح جنديا في الدولة البوليسية
"و هكذا رجع من معتقله مرشدا ذا مرتب ثابت و ضمير معذب ......"
و ظن انه انقذ المحبوبة و شرفها لكن صفوان تلذذ برؤيتها تغتصب على يد مخبر على مرأى منه و بعد ان كسرها طلب الصداقة او فرضها و هكذا اضحت مرشدة
و ملأها شعور بالضياع و السقوط تصفه هي "...........................هيهات , انتظر حتى اكمل قصتي , ربما اكون قد اخطات و لكني اندفعت في الطريق الوحيد المتاحة و هي اذلال النفس و انزال اقصى العقوبة بها ...انا ابنة للثورة و رغم كل ما حدث لم اكفر بجوهرها و اذن فانا مسؤلة عنها و متحملة لمسؤليتها بالكامل ...لذلك رفضت التظاهر بحياة الشرفاء و قررت ان اعيش كما ينبغي لامرأة بلا كرامة .."
و هنا يفهم الراوي سر تغير علاقتهما الذي لاحظه هو قبل ان يسألهما و ارجعه خطا الي علاقة بين زينب و حلمي و لعل المفارقة واضحة بين ترف تفسيره و عبث الحقيقة, فالان لكل عالم لا يستطيع ان يحدث عنه احد, انه الاغتراب في اكبر صوره اذ يفسد اجمل علاقة و هي علاقة الحب
- الصور
_____
نجيب هنا يعرض امامنا كيف تجلت شمولية الدولة في عذابات الافراد , كيف تحولوا الي كائنات حائرة تهوى الموت , كيف تحول المقهى الي اذن كبيرة و كيف تحول العاشق الي جاسوس رغم انفه و كيف تحول ماسح الاحذية لقواد , انها اللامبالاة تفرض نفسها على الجميع فبين ضائع و بين ملتف على ذاته تمضي حياة المغتربين الممزقين
هذه الدولة الشمولية هل يغفر تأميمها القناة تكميمها الشفاة , هل يعفر انها تقدم تعليما مجانيا ممارستها هي للامعقول !!
ان اخر اعتقالات ابطال الراوية بخرجون منها بعد الهزيمة هزيمة ناصر و هزميتهم خرجوا اشباحا لا ارواح مكسور حبهم و مفتقدون حلمهم مجسدا في صديقهم "حلمي " الذي مات لانه مثل كل حلم "عصبي و به جرأة " و تبكيه قرنفلة بحرارة و يشعر الخبيبان انهما القاتلان ....
و يعرض نجيب هذا بتطوير صور المجاز ففي البداية نجد احتفال بالشباب واضح و ذكر للحب في حضرة قرنفلة و حلمي و اسماعيل و زينب وحتى الاعتقاد الخطا بعلاقة حلمي و زينب , ثم نجد الصور هذه و الالوان و المرايا التي يصفها الراوي حين يصف الكرنك تحل محلها صور الظلام و العبث و الهرب و الخوف و الوباء
و يتم ذكر الوباء على لسان اسماعيل و زينب كوصف لما يحدث و لعل وصف الوباء وصف هاديء لانه يحتمل الدواء و لا يصل للكفر التام لكن لعل خالد صفوان الذي ينزل الكرنك بعد اقالته و مصادرة امواته و يحادث اهل الكرنك قائلا ....
يعمق الامر حين يقول لشاب اوصاه باحضار دواء لمرضه و يعود الشاب دونه " الداء موجود لكن الدواء غير موجود "
و يحاورهم قائلا : لعلكم تتسائلون ما قصة هذا الرجل تجدونها في الكلمات المنثورة :
براءة في القرية, و طنية في المدينة , ثورة في الظلام ,كرسي يشع قوة لا محدودة , عين سحرية تعري الحقائق ,عضو حي يموت , جرثومة كامنة تدب فيها الحياة
و كما ان الشباب هم جيل ضاع حلمه و انهار الحب في وطنه تحت وطأة الارهاب فان خالد صفوان هو الدولة بعد ان تفقد عملقتها منهزمة بمرض يعزّ دوائه
- ختام الرواية
__________
و لكن نجيب لا يترك الرواية تنتهي يائسة فهو دوما متفائل و يبحث عن حل و لو كان الامل !
و يصل الي فكرة ربما وافقها الجميع الي "حلمي" و هي ان علينا التمسك بميراث الثورة مع تغيير الكثير
ففي النهاية يقول خالد صفوان:
ساعترف لكم في الدقائق الباقية لي هنا بخلاصة تجربتي ,لقد خرجت من الزيمة او قل من حياتي الماضية مؤمنا بمباديء لن احيد عنها ما حييت , ما هي هذه المباديء ؟
اولا: الكفر بالاستبداد و الدكتاتورية
ثانيا :الكفر بالعنف الدموي
ثالثا : يجب ان يطرد التقدم معتمدا على قيم الحرية و الرأي و احترام الانسان و هي كفيلة بتحقيقه
رابعا: العلم و المنهج العلمي هو ما يجب ان نتقبله من الحضارة الغربية دون مناقشة أما ما عداه فلا نسلم به الا من خلال مناقشة الواقع متحررين من اي قيد قديم او حديث
ثم تثائب و هو يقول: هذه هي فلسفة خالد صفوان التي تعلمها في اعماق الجحيم و التي اعلنها في الكرنك حيث يجمعنا النفى و الجريمة.
و نطالع في الختام شخصية منير احمد الشاب الغير منتمي لتيار معين و الذي حين يسأله الراوي عن الاصالة يشير الي صدره قائلا هنا و هو يحترم الدين و الاشتراكية معا و تميل اليه قرنفلة كما مالت من قبل الا "حلمي" و ان كان الحلم مات فربما يحيه منير و ينير الطريق
"و وجدتني اتمنى ان يمضي على الصراط متوازن بلا انانية من جهة و لا استغلال من جهة اخرى ليتحقق للحب النقاء و البراءة .."
هكذا استطاع نجيب برواية ذات طريقة سرد رائعة و صور مجازية منتقاة و شخصيات تمثل الشعب بأجيال الشباب و الكهولة و الشيخوخة و تمثل الدولة ان يعرض كيف كان الوضع في مصر في احد اهم حقبها الطويلة .....
شكرا عم نجيب :)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق