يطرح المفكر الايراني عبد الكريم سروش سؤلا يعد الأهم في هذه المرحلة باطلاق و هو سؤال ما الهدف من الدين الذي جاء به الانبياء ؟
- تأتي أهمية هذا السؤال من كون الدين مكون هام في وعي و وجدان الانسان العربي و بالتالي فان أي نهضة مرجوة لابد من أن تنطلق من وضع تصوراتنا عن الدين موضع النقد
.و يحاول سروش أن يقدم اجابة على هذا السؤال بعد أن يطرح الاجابات الممكنة و هو يحصر هذه الاجابات في اربعة :أولها أن يكون الدين لا فائدة منه لا في الدنيا و لا في الاخرة و ثانيها أن يكون الدين للدنيا و ثالثها أن يكون الدين للاخرة و الرابع أن يكون لكليهما , و لا شك أن الاول مرفوض , و الثاني الذي يجعل الدين من أجل الدنيا فقط بحث تصبح الاخرة مجرد هامش و الدنيا أصل يسميه سروش الدين العلماني و يراه خطرا على الدين حيث يحوله ألي ايدولوجي و مجموعة من القواعد لاصلاح الدنيا و يرة سروش أن هذا التصور لا يتفق مع رأي المتدينين حيث تهمش الاخرة هنا تماما , أما عن الشكل الاخير و هو أن يكون الدين من أجل الدنيا و الاخرة معا فيرى أن هذا التصور ليس له نتيجة واحدة و تختلف نتائجه وفقا لطريقة التفكير في علاقة كل منهما بالاخر , من التابع و من المتبوع؟ من الخادم و من المخدوم ؟و عند عدد من المجددين مثل الافغاني و شريعتي أخذ هذا التصور شكل معين هو أن الدين يعطي للانسان النعيم في الدنيا و في الاخرة معا و هنا يقول شريعتي " ان الدين الذي لا ينفع الانسان قبل موته لا ينفعه بعد موته أيضا " و لا يشكك سروش في وجاهة هذه الافكار حيث هي تجابه تراثا صوفيا لا يستهان به همش الدنيا تماما و انشغل بجهاد النفس عن جهاد الخارج مما أصبح ملاءما لنمو السلاطين الطغاة , و لكنه لا يرى هذه الرأي فهو يتخوف من أن تؤدي هذه الرؤية إلي تسرب الايدولجي الي الدين و اعتباره تعمير الارض و انشاء العلم و الزراعة و الصناعة ليست من مقاصد الدين الأصلية و ليس في الدين برنامجا لها , و رأي سروش في هذه العلاقة بين الدنيا و الاخرة تجعل الدين أصلا هو من أجل الاخرة و من أجل الاتجاه إلي الله و الانقطاع له لكنه يرى أن هذا غير ممكن الا بسد حاجات الدنيا أولا حتى يتفرغ الانسان بعدها إلي الله , فالدنيا قنطرة و الاهتمام بها ضروري اضطراري من أجل التفرغ للاخرة " فنحن نعمل بالنهلار لنصلي الليل "
و لعلنا نختلف مع رأي المجدد سروش حيث هي رؤية لا تختلف كثيرا عن رأي الزهاد الذي ينتقدهم فبينا هم يرون الدنيا عائق لابد من التخلص منه بقتله هو يراها عائق لابد من التخلص منه عن طريق اشباعه و بهذا لم تبرح الدنيا مكانها كعائق عن الاخرة و لذا فما نرجوه من انسجام بين الدنيا و الاخرة " و هو ما يؤكد عليه المفكرون الاسلاميون دوما أن الاسلام ليس دينا أخرويا كالمسيحية " لم يتحقق بعد .و لتحقيق هذا الانسجام فربما علينا أثناء مقاربة علاقة الدنيا بالاخرة أن نخرج من علاقة التابع \ المتبوع , الخادم \ المخدوم , الأصل \ الفرع لعلاقة أخرى و هذه العلاقة تحتاج منا العودة إلي السؤال الأول "ما الهدف من الدين؟"الهدف من الدين هو أن يصل الانسان إلي ربه عن طريق تحرير امكانات الانسان حيث هذه الامكانات هي دليل الأصل الألهي و بالتالي فتحريرها هو الطريق إلي الله ..لذا فالدنيا ليست قنطرة أو عقبة لابد من التخلص منها (ب النفي عند المتزهدة \ الاشبااع عند سروش) لنتفرغ بعد هذا الي التبتل للواحد تحضيرا للنعيم الأبدي , بل هي المكان الوحيد الممكن لنصل إلي الله و الطريق الوحيد لاستحقاق نعيم الاخرة هو اخراج كل ممكناتك في هذه الدنيا , فممكنات الانسان لا تعمل إلا في العالم فالعقل عقل بشيء و الذات لا توجد الا لوجود الموضوع ( و لعل مسألة اخراج الممكنات و نعيم الاخرة تحتاج منا وقوف كامل مع قصة قصية لنجيب بعنوان السماء السابعة و لذا فنؤجلها لموضع غير هذا حيث هنا نشغل بالطريق و الشحاذ )
القران و تحرير امكانات الانسان
__________________
في الحقيقة أن فعل الانسان في العالم ليس أمرا يتم بسهولة فهو محدد بموقف ذهني من العالم , و لن يستطيع انسان فهم العالم و تغييره دون تصور معين للعالم , و لهذا فان القران يقوم بتفكيك رؤى معينة للعالم نستطيع القول انها تجعل التعامل مع العالم مستحيل , و هذا هو انجاز القران الكبير حيث كما ذكرنا سابقا أن القران لا يفرض نماذج على الواقع بل يفكك نظام المعنى القائم خلفه حيث فرض النماذج على الواقع لا يغيره بل يطليه فقط, و لعل هذا يوافق ما توصل اليه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتبه حيث يرى أن الوعظ " فرض النماذج" لا يغير الانسان بل لابد من تغيير نمط التفكير و الا لن يفعل الوعظ سوى تحويل الانسان لمزدوج شخصية (1)و لهذا فالقران لا يعظ في الحقيقة بل يفكك الأفكار و انماط الادارك التي تقف ضد تحرير امكانات الانسان الموصلة لله .
من تلك الأمور الأصلية التي تجعل العلم بالعالم و تفسيره تمهيدا لتغييره مستحيلا هو سحرية العالم أو تصوره مملوءا بالالهة , فهذا التصور يجعل دراسة العالم مملوءة بالمحاذير و الخطوط الحمراء و على مدى التاريخ وجدنا من تعرض للاذى من جراء هذا , فنجد اناكساجوراس يتعرض لسخط أهل أثينا نتيجة قوله أن الكواكب مجرد أحجار و أجرام لا قداسة لها و سبب من أسباب تعذر نقد فيزياء ارسطو طوال العصور الوسطى هو أنها مرتبطة بفلكه و فلك ارسطو مليء بالمحاذير حيث ما فوق فلك الفمر مقدسا و زاد الأمر صعوبة صبغ فكرة مركزية الارض بصبغة دينية , و دراسة اللغة العربية كما يقول طه حسين لا تمكن الا بعد التخلص من القداسة التي طالتها , و التاريخ لا يمكن دراسته سوى بالدخول اليه من مدخل زمني غير الهي كما يقول المسيري .
لذا فنقل القدااسة الي خارج العالم الي الله وحده هي الخطوة الاساس لفهم العالم تمهيدا تغييره " يسئلونك عن الاهلة" و قد كانت مقدسة عند البعض قبل الاسلام "قل هي مواقيت للناس و الحج" و بهذا يعود العالم إلي كونه خلقا لله و ليس مملوء بالالهة مما يجعل دراسته ممكنة و ينزع عن الانسان شعور الرهبة و الخوف و القداسة تجاهه بنقلها الي الله بعد ادخالها في وحدة أعلى كما ذكرنا سابقا.و القران فيما يرى الجابري استخدم طريقة القياس التي تنبع من قلب لغة العرب "قياس الغائب على الشاهد " لاثبات وجوده فهو يقيس وجوده "غائب" على نظام العالم المتقن "شاهد" و قديما قال الأعرابي "البعرة تدل على البعير .. والأثر يدل على المسير .. فسماء ذات أبراج .. وأرض ذات فجاج .. ألا تدل على العليم الخبير .."
و هنا يصبح العالم "عَلَم" أي دليل على وجود الله و لكن القران حرص على ألا يحصر كلامه عن الطبيعة في كونها دال أو أمارة على وجوده فقط حيث هذه الرؤية ينبع عنها افقار للعالم و للوعي ..يقول مبروك "من حيث يتحدد وضع العالم داخل هذه العلاقة- على فرض أنها حقاً علاقة- كمجرد دليل أو أمارة، فيما يتحدد عمل الوعي في مجرد الإحاطة بوجه تعلُّق هذه الأمارة بالمدلول أو الصانع سبحانه. ومن هنا أن الوعي، في كليته، لا يتجاوز في علاقته مع العالم حدود الانشغال ببيان وجه دلالته على ما يتجاوزه، وليس بالكشف عن قوانين كامنة تفسره وتنكشف دلالتها ضمن حدوده" " حيث الوعي الذي يعمل هنا هو مجرد وعي استدلالي لا يكتشف جديدا بل يسعى لاثبات ما هو مؤمن به أصلا" ..وترى يمنى الخولي في دراستها عن موقع الطبيعة في دوائر التراث الاسلامي "علم الكلام , الفلسفة و علوم الطبيعة و التصوف" "2 " أن الطبيعة كانت مجرد وسيلة لاثبات وجود الله فهي محض دليل و مكانها في التفكير كان دائرة الالهي لا الانساني و ترجع يمنى الخولي عدم وجود علم في عالمنا إلي هذا السبب حيث تقول "كان اقصاء الطبيعة عن نظرية العلم و الذي ساهم فيه الاشاعرة و المعتزلة على حد سواءهو السبب و العلة و الأصل ؛ أما المعلول و النتيجة و الأثر فهو أن أصبحت الطبيعيات الهية تدور في الدائة المغلقة من الثيولوجي ألي الانطواوجي و بالعكس , لأن الوجود اثبات لله و المعرفة اثبات الانسان "" و اخراج الطبيعيات من العلم مجال الانسان و وضعها في مجال الالوهية هو سبب انفلاتها من يد المسلم المعاصر "و هذا الافقار للعالم و لفعالية وعي الانسان و قدرته على كشف حقائق جديدة و تغيير العالم هو ما جعل القران كما قلنا لا يقتصر على وصف العالم بكونه مجرد علامة بل جعله ميدان لفهم الانسان و استيعابه تمهيدا للاستفادة منه "لتعلموا عدد السنين و الحساب" و لم يحصر الدليل على وجوده في العالم فقط بل " و في انفسكم " فالانسان في فهمه للعالم و استعابه و تغييره و اضفاء لمسته الانسانية عليه لهو أكبر دليل على وجود الله ..ليس هذا فقط بل قام القران بضرب فكرة التبعية حيث هي فككرة تفقر المتبوع و هذا من الممكن التوصل له بالتأمل قليل في الإصرار على شهادة المرأة و توريثها و تسمية سورة ب " النساء" فربما لم يكن الهدف مجرد رفع الظلم عن المرأة , فالتأكيد على مثل هذه الأمور بخصوص المرأة في مجتمع قبلي ذكوري يعني أكثر من هذا بكثير , إنه يمتد ليكون زلزلة لنظام القبيلة نفسه , اضف إلي هذا التحفيز على عتق العبيد و ذكر اسم صحابي واحد هو مولى من الموالي و ليس صريح النسب , كل هذا هو قلب لنظام القبيلة و خاصة فكرة التبعية التي تبدأ من علاقة الرجل \ المرأة , الحر \ العبد لتنتقل بعد هذا لعلاقة الله بالعالم فيصبح العالم تابعا لا استقلال له , فيتم تفسير الكون و حوادثه بالله " و هو غيب مطلق " و ليس بقوانين مستقلة يعرفها العقل , و يصبح العالم الامارة على الله فقط ,
لذا فان تفكيك القران لعلاقة التبعية هذه بما تحمله من افقار للمتبوع يشترك مع ما ذكرنا من عدم حصر الطبيعة في خانة الامارة في تحقيق استقلال للطبيعة يؤدي الي اغناء الوعي جوهر وجود الانسان .
و بهذا فليست الطبيعة مجرد قنطرة لاثبات وجود الله بعدها نتفرغ للعبادة و التبتل بل هي موضع وعي فعال يقوم بالفهم المستمر والتغيير محررا لامكانات الانسان الدالة على الله و بهذا فليس العلم كما كان يرى سروش مجرد وسيلة للانسان يسهل بها حياته ليتفرغ لله بل ان العلم بما هو فعل الوعي الانساني و نقل للطبيعة من الحتم للحرية هو ذاته طريق الي الله.
__________________
في الحقيقة أن فعل الانسان في العالم ليس أمرا يتم بسهولة فهو محدد بموقف ذهني من العالم , و لن يستطيع انسان فهم العالم و تغييره دون تصور معين للعالم , و لهذا فان القران يقوم بتفكيك رؤى معينة للعالم نستطيع القول انها تجعل التعامل مع العالم مستحيل , و هذا هو انجاز القران الكبير حيث كما ذكرنا سابقا أن القران لا يفرض نماذج على الواقع بل يفكك نظام المعنى القائم خلفه حيث فرض النماذج على الواقع لا يغيره بل يطليه فقط, و لعل هذا يوافق ما توصل اليه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتبه حيث يرى أن الوعظ " فرض النماذج" لا يغير الانسان بل لابد من تغيير نمط التفكير و الا لن يفعل الوعظ سوى تحويل الانسان لمزدوج شخصية (1)و لهذا فالقران لا يعظ في الحقيقة بل يفكك الأفكار و انماط الادارك التي تقف ضد تحرير امكانات الانسان الموصلة لله .
من تلك الأمور الأصلية التي تجعل العلم بالعالم و تفسيره تمهيدا لتغييره مستحيلا هو سحرية العالم أو تصوره مملوءا بالالهة , فهذا التصور يجعل دراسة العالم مملوءة بالمحاذير و الخطوط الحمراء و على مدى التاريخ وجدنا من تعرض للاذى من جراء هذا , فنجد اناكساجوراس يتعرض لسخط أهل أثينا نتيجة قوله أن الكواكب مجرد أحجار و أجرام لا قداسة لها و سبب من أسباب تعذر نقد فيزياء ارسطو طوال العصور الوسطى هو أنها مرتبطة بفلكه و فلك ارسطو مليء بالمحاذير حيث ما فوق فلك الفمر مقدسا و زاد الأمر صعوبة صبغ فكرة مركزية الارض بصبغة دينية , و دراسة اللغة العربية كما يقول طه حسين لا تمكن الا بعد التخلص من القداسة التي طالتها , و التاريخ لا يمكن دراسته سوى بالدخول اليه من مدخل زمني غير الهي كما يقول المسيري .
لذا فنقل القدااسة الي خارج العالم الي الله وحده هي الخطوة الاساس لفهم العالم تمهيدا تغييره " يسئلونك عن الاهلة" و قد كانت مقدسة عند البعض قبل الاسلام "قل هي مواقيت للناس و الحج" و بهذا يعود العالم إلي كونه خلقا لله و ليس مملوء بالالهة مما يجعل دراسته ممكنة و ينزع عن الانسان شعور الرهبة و الخوف و القداسة تجاهه بنقلها الي الله بعد ادخالها في وحدة أعلى كما ذكرنا سابقا.و القران فيما يرى الجابري استخدم طريقة القياس التي تنبع من قلب لغة العرب "قياس الغائب على الشاهد " لاثبات وجوده فهو يقيس وجوده "غائب" على نظام العالم المتقن "شاهد" و قديما قال الأعرابي "البعرة تدل على البعير .. والأثر يدل على المسير .. فسماء ذات أبراج .. وأرض ذات فجاج .. ألا تدل على العليم الخبير .."
و هنا يصبح العالم "عَلَم" أي دليل على وجود الله و لكن القران حرص على ألا يحصر كلامه عن الطبيعة في كونها دال أو أمارة على وجوده فقط حيث هذه الرؤية ينبع عنها افقار للعالم و للوعي ..يقول مبروك "من حيث يتحدد وضع العالم داخل هذه العلاقة- على فرض أنها حقاً علاقة- كمجرد دليل أو أمارة، فيما يتحدد عمل الوعي في مجرد الإحاطة بوجه تعلُّق هذه الأمارة بالمدلول أو الصانع سبحانه. ومن هنا أن الوعي، في كليته، لا يتجاوز في علاقته مع العالم حدود الانشغال ببيان وجه دلالته على ما يتجاوزه، وليس بالكشف عن قوانين كامنة تفسره وتنكشف دلالتها ضمن حدوده" " حيث الوعي الذي يعمل هنا هو مجرد وعي استدلالي لا يكتشف جديدا بل يسعى لاثبات ما هو مؤمن به أصلا" ..وترى يمنى الخولي في دراستها عن موقع الطبيعة في دوائر التراث الاسلامي "علم الكلام , الفلسفة و علوم الطبيعة و التصوف" "2 " أن الطبيعة كانت مجرد وسيلة لاثبات وجود الله فهي محض دليل و مكانها في التفكير كان دائرة الالهي لا الانساني و ترجع يمنى الخولي عدم وجود علم في عالمنا إلي هذا السبب حيث تقول "كان اقصاء الطبيعة عن نظرية العلم و الذي ساهم فيه الاشاعرة و المعتزلة على حد سواءهو السبب و العلة و الأصل ؛ أما المعلول و النتيجة و الأثر فهو أن أصبحت الطبيعيات الهية تدور في الدائة المغلقة من الثيولوجي ألي الانطواوجي و بالعكس , لأن الوجود اثبات لله و المعرفة اثبات الانسان "" و اخراج الطبيعيات من العلم مجال الانسان و وضعها في مجال الالوهية هو سبب انفلاتها من يد المسلم المعاصر "و هذا الافقار للعالم و لفعالية وعي الانسان و قدرته على كشف حقائق جديدة و تغيير العالم هو ما جعل القران كما قلنا لا يقتصر على وصف العالم بكونه مجرد علامة بل جعله ميدان لفهم الانسان و استيعابه تمهيدا للاستفادة منه "لتعلموا عدد السنين و الحساب" و لم يحصر الدليل على وجوده في العالم فقط بل " و في انفسكم " فالانسان في فهمه للعالم و استعابه و تغييره و اضفاء لمسته الانسانية عليه لهو أكبر دليل على وجود الله ..ليس هذا فقط بل قام القران بضرب فكرة التبعية حيث هي فككرة تفقر المتبوع و هذا من الممكن التوصل له بالتأمل قليل في الإصرار على شهادة المرأة و توريثها و تسمية سورة ب " النساء" فربما لم يكن الهدف مجرد رفع الظلم عن المرأة , فالتأكيد على مثل هذه الأمور بخصوص المرأة في مجتمع قبلي ذكوري يعني أكثر من هذا بكثير , إنه يمتد ليكون زلزلة لنظام القبيلة نفسه , اضف إلي هذا التحفيز على عتق العبيد و ذكر اسم صحابي واحد هو مولى من الموالي و ليس صريح النسب , كل هذا هو قلب لنظام القبيلة و خاصة فكرة التبعية التي تبدأ من علاقة الرجل \ المرأة , الحر \ العبد لتنتقل بعد هذا لعلاقة الله بالعالم فيصبح العالم تابعا لا استقلال له , فيتم تفسير الكون و حوادثه بالله " و هو غيب مطلق " و ليس بقوانين مستقلة يعرفها العقل , و يصبح العالم الامارة على الله فقط ,
لذا فان تفكيك القران لعلاقة التبعية هذه بما تحمله من افقار للمتبوع يشترك مع ما ذكرنا من عدم حصر الطبيعة في خانة الامارة في تحقيق استقلال للطبيعة يؤدي الي اغناء الوعي جوهر وجود الانسان .
و بهذا فليست الطبيعة مجرد قنطرة لاثبات وجود الله بعدها نتفرغ للعبادة و التبتل بل هي موضع وعي فعال يقوم بالفهم المستمر والتغيير محررا لامكانات الانسان الدالة على الله و بهذا فليس العلم كما كان يرى سروش مجرد وسيلة للانسان يسهل بها حياته ليتفرغ لله بل ان العلم بما هو فعل الوعي الانساني و نقل للطبيعة من الحتم للحرية هو ذاته طريق الي الله.
طريق الشحاذ"3"
_______
_______
بطلا روايتي الطريق و الشحاذ هما باحثان عن الله لكنه بحث من نوع غريب فصابر الرحيمي يبحث عن ابيه من أجل الكرامة و السلام بعد ماضي لوثته الدعارة و القوادة في كنف امه و الجنس في عطفة الانفوشي تحت سماء الاسكندرية حيث تعود في طفولته على الرغد بمال قادم من امه بسيمة عمران و بعد موتها يجد نفسه مضطرا للبحث عن ابيه الذي تكشف له امه في اواخر ساعتها عن سره و سر حياته و انه لم يمت , بحثه عن ابيه هو بحث عن ذاته نفسها لكن تظل روحه تنازعه بين استمرار الماضي ممثلا في كريمة ابنة صاحب الفندق الذي يسكنه في القاهرة في رحلة بحثه عن ابيه أو الاستمرار في البحث عن ابيه الذي يحن الي كرامته و سلامه مع الهام التي تعرف عليها في الجريدة التي ينشر فيها اعلان للبحث عن ابيه .و يشير جورج طرابيشي في كتابه الرائع " الله في رحلة نجيب" الي هذا التنافر بين الهام و صابر في التعامل مع هجران الاب فهو ينتظر قدومه بمعجزة لينقذه و حتى لا يبذل من الجهد الكثير للبحث عنه و يرفض البحث عن عمل فلا فائة من العمل اذا لم يظهر الرحيمي , اما هي فتعمل و تتجاهل هجرانه لانه هو الذي اراد ذلك و حين تعمل يظهر مرة أخرى الي الوجود , فالعمل في العالم هو الذي يظهر الله لنا فالله لا يظهر للكسالى أمثال صابر و حتى لا نظن أن أدانة نجيب لبطل الطريق " و لعلنا هنا قد نقول ان البطل هو الهام و ليس صابر فهي التي سارت الطريق الي الاب بالعمل في العالم " هو لانغماسه في كسل الشهوة و شبق الرغبة و انما لانشغاله عن رسالته كانسان بالعمل في العالم فان نفس الادانة من نجيب تتوجه لعمر الحمزاوي بطل الشحاذ حين تحل كتب الغيب محل كتب الاشتراكية في مكتبته فكأن نجيب يريد القول أنه لا فارق أن تهجر الدنيا في حانة أو في مسجد على سرير غانية أو في الرسالة القشيرية فالامر سيان طالما هجرت فعاليتك في العالم التي تعني وجودك ذاته , و عمرو الحمزاوي يهجر ماضيه الاشتراكي و الشعري و ثورته على التقاليد و العالم و الرغبة في تغييره هجر كل هذا و استسلم لتيار الدنيا ثم أفاق على الم روحه التي خوت و من خواءها لم تعد قادرة على البحث عن الله بل هي الان تبحث عن النشوة , ان ما يقاسيه حمزاوي هو من جراء تخليه عن ذاته و عن طريقه الأصلي بتغيير العالم انه الان يتسول تلك الحقيقة المطلقة و لن يصل لها بل ستحدثه من الابدية قائلة "ان كنت تريدني فلماذا هجرتني ؟ "
يرى عدد من النقاد ان ادب نجيب هو ادب تطهيري فدوما يتعرض البطل للعقاب نتاج حماقاته و هذا ما يحدث هنا حيث يتعرض الرحيمي و حمزاوي للعقاب حيث يسلكا في البحث عن الله طريق التسول طريق الشحاذ لا طريق العمل و مهم التأكيد على هذا حتى لا يظن البعض ان فشل البطلين في الوصول الي الله هو نزعة عبثية او عدمية بل هو في الحقيقة نابع من نزعة مؤمنة جدا بالانسان و بعمله في العالم حتى ترفض أن يصل الي الله أحد قاتلي الانسانية داخلهم أو أحد الباحثين عن الله كتئكة لكسلهم عن حل مشاكلهم التي يحيونها ليل نهار , فلا يصل الي الله , الي السلام و الكرامة و الحقيقة الا الذي يفعل في العالم و يغيره "و لعل من يصل الي هذا هو الهام في الطريق و عثمان خليل و ابنة عمر الحمزاوي في الشحاذ".
فالدنيا ليست مجرد قنطرة بل هي الموضع الوحيد الذي تتحرر فيه امكانات الانسان , و العالم ليس مجرد امارة بل هو ميدان اغناء الوعي و انشاء العلم تأكيدا لوجود الانسان المعجزة الحقيقة التي تركها الله باقية تشهد على وجوده في سعيها الحثيث إليه ...
فالدنيا ليست مجرد قنطرة بل هي الموضع الوحيد الذي تتحرر فيه امكانات الانسان , و العالم ليس مجرد امارة بل هو ميدان اغناء الوعي و انشاء العلم تأكيدا لوجود الانسان المعجزة الحقيقة التي تركها الله باقية تشهد على وجوده في سعيها الحثيث إليه ...
- ___________________________________________________________________________________________
- الهوامش
- "1 " يرى الوردي ان المسلم مسلم في الظاهر و باطنه بدوي , و رأي نزار قباني اننا اخدنا قشرة الحداثة و الروح جاهلية فنحن نعظ سواء بالاسلام او بالحداثة و لا نقوم بتفكيك بنى تفكيرنا أولا و في البداية كما هو المفترض ..
- "2" في الحقيقة ان جملة مثل ان التراث الاسلامي عرف العلم الطبيعي تعد جملة فارغة من المعنى حيث هي جملة فاقدة الاحداثيات فهي لا تخبرنا عن هل هذا العلم كان مكتملا أم ارهاصات؟ كان متغلغل في الثقافة أم مجرد تيار هامشي ؟ اذا كان في المركز فكيف لم يبق في عقولنا اثار من هذا التصور التجريبي في حين التصور المعاكس له حتما لازال فاعلا بقوة ؟ هل هؤلاء العلماء كان تصورهم للكون نابع من الاسلام اصلا أم من فلسفات أخرى حيث لو كان من فلسفات أخرى يكون العلم في التراث الاسلامي نابع من فكر غير اسلامي أي ان الفكر الاسلامي التراثي لا ينتج علما .. ان العلم بالتراث يتطلب البحث عن النموذج المعرفي ورائه و الذي ينتظم معظم التيارات و يعطيها المعقولية و لعل هذا ما وصل اليه كتاب دكتورة يمنى "الطبيعيات في علم الكلام" حيث المتجه الالهي الذي يهدر الطبيعة و يضعها في نظرية الوجود لاثبات وجود الله أو المحرك الاول ساد كل دوائر التراث حتى دائرة التفلسف و الفلسفة الطبيعية حيث سيطر على بحوث ابن الهيثم و البيروني و غيرهم نفس المتجه الالهي ذاته
- "3"يقول سيد قطب عن رواية " خان الخليلي" : إنك لتقرأ القصة ثم تطويها، لتفتح قصة اإلنسانية الكبرى.و لعل هذا يصدق في كل أعمال نجيب فكلما أردت أن تتحدث عن الرواية وجدت نفسك في بحر هائل من الأفكار و الرؤى و ها نحن نريد الكلام عن الشحاذ و الطريق فنجد الحديث يبدأ من عند سروش الاصلاح الديني و يمر بالتراث الاسلامي و بالقران قبل ان نستطيع التحدث عن الروايتين ..و لعل تحديد فكرة الانسان كمدخل لقراءة نجيب هون علينا الكثير من هذه البحور على كل حال ..
المراجع
- -الدين العلماني ...سروش1-
- تكوين العقل العربي ...الجابري2-
- الطبيعيات في علم الكلام ...يمنى الخولي3-
- الخطاب السياسي الاشعري ....علي مبروك 4-
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق