الخميس، 15 نوفمبر 2012

رسائل إلي صديق ما



  • هذه مجموعة من الرسائل كتبتها في فترات متباعدة لأصدقاء كثيرين هي لشخص منهم معين و لهم جميعا في ذات الوقت!  بل ربما هي  لكل أحد و للا أحد, كُتِبت في وقت ما بعيد أو قريب , بعقلي و بروحي, جاءت هكذا عفو الخاطر أو بترتيب خفي , هي الذات ترغب في التحرر من الموضوع , و أهم شيء هي ليست لها بداية محددة و كذا لا أظن لها نهاية محددة !!




1- الرسالة الأولى
___________
بالأمس رمت كتابة قصة قصيرة , ربما الدافع هو إحساس يعتريني في الوقت الحالي بخمود روحي و ربما رغبة في أن أشعر بهذا الإحساس الغامض المتردد بين الواقع و المثال الذي يشكل التراب بيد من نور سماوي, حضرت الورق و القلم و جلست لأكتب , لكن فاقد الشيء يا صديقي أبدا لا يعطيه و كأن القصة قالت لي أنها لن تعيد إليَّ توثب الروح المفقود لان كتابتها في الأصل تحتاج لروح متوثبة , فالشوق إليها و الفشل في كتابتها دليل على أن الروح خامدة ,
و لسبب ما تذكرت المسيح و تذكرت من صنع له الصليب فحتما قد سأل عن طول المسيح و عرضه قبل أن يصنع الصليب حتى يتأكد أن يكون على مقاسه و انتقى من المسامير أجود الأنواع و صنع بدقة أكاليل الشوك لتوضع حول رأس العبد الصالح , أترى كيف تم استخدام العقل بدقة لقتل الروح  ؟ ليس خفيا عليك أن البشرية لازالت تخطو نفس الطريق و لا زالت المعلومات تُجمع و الكشوف تُعد فلازال الساسة هم الصيارفة  و الناس  كما هم يتعاطفون مع المسيح لكنهم لا يحركون ساكنا يوم الصلب و بعده يبكون داخل المحاريب ثم يخرجون منها للقاء القاتل بوجه بشوش !!
لا أدري ما سبب استطرادي في قضية المسيح أردت فقط أن أقول أن لكل صليبه و نحن البشر بارعون في صنع الصلبان لقتل أرواحنا و تخيلت صليبي مصنوعا من كتب و أنا مُعلق عليه , أظنني عبقريا أحمله في حين أني محمولا عليه بلا روح !!

2_ الرسالة الثانية
________
أريد أن أروي لك قصة , يوما ما كنت جالسا مع حبيبتي على ضفاف النيل و كنا نتحدث عن جمال الطبيعة و حينها قلت لها أني لا أشعر بجمال الطبيعة المجردة كما أشعر بجمال الروايات و القصص , فلا أدري ما سبب أني مشدوها دوما لتأمل ما صنع الإنسان فيعجبني فنه أكثر من جمال الطبيعة و يبهرني بحثه عن قانون الطبيعة أكثر من القانون ذاته و الفلسفة عندي أهم من الحقيقة , ليس هذا لعدم إعجاب بما صنع الخالق !! بل ربما هذا جوهره فلعل أجمل ما صنع الخالق هو هذا الكائن دائم الإبداع الذي لا يرضى أبدا عن شيء تتحول الأشياء بين يديه لأفكار و رؤى و أحلام و ل أغاني , دائم الحركة في العالم لسانه يردد كلمته الأثيرة "لا" ,إن الإنسان بطبعه شاعر فنان دائم الثورة و الإبداع , قد يكون شدة إعجابي بالإنسان التي تصل لحد الغرور بهذا الكائن المغرور هي سبب انشغالي عن جمال الطبيعة بالجمال الذي خلقته يداه , لكن لا أخفيك سرا يا صديق فرغبتي الآن هي أن أهرب للمروج أفترشها و أترك للشمس صفحة وجهي و لصوت عصافير الشروق أذناي و أصدقك القول أن ثقتي في هذا الجمال الإلهي الذي يتجلى في العالم أكبر من ثقتي في قانون الطبيعة , فالعلم ميدان التغير و لا أدري هل ما كشف عنه من قوانين سليم أم لا , لكن جمال هذا العالم يقين يتسرب إلي الروح فيمتع العقل , و ليغفر الله لي غروري و قرباني إليه أنه غرور بما صنعت قدرته و حكمته أيضا , فأينما تجد الجمال و الإبداع فثم وجه الله.

3_ الرسالة الثالثة
_____________
لقد جفتني من مدة الصلاة , أقول هي جفتني و لا أقول أني من جفاها , فلا أظنني يوما أجفو الصلاة , فحين تمر عليَ مثل هذه الأيام أشعر بالقلق يعتصرني و يضيق النوم فلا يسعني  و أظل كملقى وسط البحر يرى
الشاطئ  و تمنعه قوى خفية من السباحة إليه !!
و لكن هذه الليلة لانت الروح لذكر ربها و شكوت له ضعف قوتي ,
 أتعلم يا صديقي أن روحي تكاد تكون ممزقة فهي تشتاق للبارئ و تحن لرؤيته لكنها توقن أن رؤية الله محال ..
 الإنسان قارئ نصوص يدفعه القرآن للعالم و العالم للقرآن و يرى في هذه الحركة بصيصا من نور الخالق , لكن أليس البصيص يكفي , ألم يخر الجبل حين تجلي الحق لموسى ؟!!

4_الرسالة الرابعة
______________
لعلك تعرف يا صديقي أن مشكلة التراث تسيطر على ذهني و أن عدم الاهتمام بالواقع و العالم و نفيهم لمصلحة النص في هذا التراث من أهم أسباب النقد الموجه له , لكن هناك شيء غريب فأنا رغم كل انتقادي هذا بعيدا عن الواقع و عن العالم , فربما أنا أبعد أهل مصر عن ما يحدث فيها , فأنا لا أحسن الاهتمام بواقعة جزئية , أراها فلا أشعر بوجودها حتى تتراكم مع غيرها و غيرها فأفيق لوجود رابط يربط هذه الجزئيات , فأنا أذكر جيدا أني لم أقترب من موضوع علياء المهدي و لم يخطر على بالي التفكير فيه إلا بعد شهور عديدة تحول معها الأمر من قضية علياء إلي قضية سيطرة السياسة و آليتها و منطق الإجراءات على الفكر و ألي قضية الجنس في أدب شكسبير و نجيب, و حتى الثورة لم أنتبه لها إلا متأخرا فأنت تعلم أني لم أنزل في أيام الثورة , و حين شغلت ذهني كانت قد تحولت من ثورة شعب لخلع طاغية إلي بحث في كتب الماضي عن جذور التسلط و نفي الإنسان , غريب أني مضطر للدعوة إلي الإيمان بالعالم و الواقع بما هو موضع فعل الإنسان في حين أني بعيدا عنهما , فلعلي حين أعلن نقدي لهذه الطريقة أعلم أني نفسي لم أتخلص منها !!
 لا أدري إن كانت هي مشكلة سببها مزاجي الخاص المجبول على التجريد أم أن الاتجاه للواقع مستحيل دون خرق خيوط العنكبوت التي تحجبه أولا !!

 5_الرسالة الخامسة
____________
في الحقيقة يا صديقي لقد سئمت اكليشيهات لا للاستهلاكية  و الإنسان ذا البعد و خلافه من تلك الكلمات الرنانة , أنت تعلم أني قليل التعامل مع الاستهلاكية ربما لم يستطع اختراقي حتى الآن سوى بعض أنواع الشيكولاتة التي انتقل بينها باستمرار لانتقاء الأفضل , لكن ربما الشيكولاتة ليست منتج استهلاكي ابدا بل هي جزء لابد من وجوده في حياتنا , و من العبث أن ننزل بها لمستوى الماك و الببسي و خلافه , إنها بناء عتيق سوي على مهل في عصر بناء الفلسفات الكبرى و السيمفونيات الخالدة , صدقني إنها سابقة لعصر موت الإله  , المهم أنه بخلاف الشيكولاتة فإني عدو للإستهلاكية ربما قبل فهم هذه الفلسفة من كتابات المسيري و جارودي و فؤاد زكريا و فيبر و مدرسة فرانكفورت غيرهم , فأني بطبعي مغرق في الخصوصية أعظم أكلة خارج البيت عندي ليست الشاورما مثلا بل الكشري و حين اضطر مع الأصدقاء للذهاب لأحد محلات الفاست الفود فأني أهرع لطلب الكبده الاسكندراني لأشعر فيها ببقية خصوصية , أما في المشروبات فالنكسافيه و اللاتيه و الكابتشينو و الاسبرسو و تلك الأكياس التي تجمع عجينة السكر و القهوة و الكريمر و تصب على ماء سخن بواسطة كهرباء فاراداي كلها لا محل لها من الإعراب عندي , فغير القهوة التركي "بوش" مصنوعة في كنكة لا يمكن أن أشرب , و لا تتصور سعادتي بكنكتي المنزلية "و هي كنكتي لأن لا أحد غيري هنا يشرب القهوة" و أنا أضع فيها البن و السكر و أنتظر بجابها كأني أرعى وليدي , ثم أغسلها بيدي و أعيدها إلي مكانها في رف عالي معززة مكرمة أغيب عنها و أنا مشتاق للعودة , ها أنت ترى أني لست استهلاكيا بحكم طبيعتي قبل أن أعرف من خلال الكتب الفلسفات الكامنة وراء الكوكلة و علاقتها بالتدجين و صندوق النقد الدولي , إذن لماذا أصبحت أضيق ذرعا حين أسمع ليل نهار تلك الكلمات ؟!
ربما السبب هو أني أحيانا أرى هذا الكلام يقال  "من حيث ظني طبعا" في غير موضعه أو أنه فقد تلك القداسة التي قابلته بها أول مرة حيث وجدته يعبر عن احتفاء بالإنسان و ثورة على استهلاكه و تحويله لمجرد مشتري حصيف كما يقولون في علم الاقتصاد  فإذا به الآن يتحول إلي نوع من التكرار الممل غرضه أن نقول كلاما في كلام يقوله بعض من أؤكد لك أنهم مستهلكين كبار !!
و ربما لسبب آخر أنني لا أقابل أكثر هؤلاء المتشدقين بتلك المصطلحات إلا و أجدهم ينقلون الكلام كله عن ظاهرة الاستهلاك بقده و قديده فوق واقعنا البائس و آخذ أياما لأفيق من صدمة كيف حلا لهذا الرافض للاستهلاكية هذا الاستهلاك نفسه للأفكار الذي ينفي خصوصية واقعنا و احتياجه لنمط آخر في تفسير ظواهره !!

6_الرسالة السادسة
____________
 اليوم باكرا استيقظت و استغللت فرصة أن البيت شبه خالي و صنعت قهوتي و شغلت موسيقى شرقية "تقاسيم عود لفريد الأطرش " و جلست في حجرتي لا أتأمل سوى الموسيقى و رائحة دخان القهوة الذي يعالج بواسطته بعض الهنود أمراض القلق و الاكتئاب و ما شابه و قطع علي تأملي هاجس هو ماذا لو حرمت من هذا الهدوء ؟
أصدقك القول أن الهدوء و صفاء الروح هما الأمل و البغية عندي , بسببهم لا أنزل من بيتنا صباحا إلا بعد أن أسمع أغاني و موسيقاي المحببة أولا و لو هناك وقت بعض من رواية أو مسرحية أتخذ  هذه الأشياء وجاءا لي من أن أسقط في "الهم" على رأي هيدجر أو أن أنسى الوثبة الحيوية بالسقوط في السكون على رأي برجسون , فهذه الأشياء هي  أنا حيث هي  حريتي ومن اختياري و فعلها محصن لخصوصيتي قبل أن أنزل لعالم كل ما فيه يبتلع الشخصية و الفردية , اتخذهم سلما يرقى بي إلي قمة العقل البارد أتأمل فوقه أخطائي و أخطاء الناس بنفس سمحة متعاطفة لا تسرف في اللوم ..
لكن يا صديقي الدنيا ليست على قدنا و كما يقول نجيب لا يمكن أن تنجح خطة كاملة لأن غيرنا يشارك في تأليفها و هاهي الدنيا تقود للخلاف و الجدال في مجتمع لا يحتمل بعد اختلاف الرؤى و الآراء , كم كنت أتمنى لو استطيع قول الكلام سمحا سهلا بسيطا كهدوء النيل , لكن ماذا تفعل إن كنت مضطرا في كل كلمة أن تقول أقصد هذا و لا أقصد ذاك حتى لا تفهم خطأ و يصل إلي الأذهان فقط المعنى الذي تريد !!
كنت أتمنى أن أقضي الحياة كما قضاها توفيق الحكيم في برج عاجي نهاره و تحت مصباح أخضر ليله لكن ربما نزول الميادين و العراك هو قدر جيلنا أحيانا عراك أمام وزارة الداخلية أو عراك أفكار تعشش في الرؤوس !!
لكني لا أستطيع أن أتفلسف كنيتشه بمطرقة أحطم بها الأصنام , لكن من قال إن الأصنام تحطم فقط بالمطارق ؟!
أليس من عجائب الطبيعة أن قطرات المطر قادرة عبر السنين أن تؤثر في الحجر الصلد؟!


7_ الرسالة السابعة
_____________
اليوم خطر لي خاطر غريب فتخيلت أنه بعد سنين طويلة سأضطر للذهاب إلي طبيب لعمل فحص شامل و حينها سيسألني بعد الفحوصات و الأشعة طبعا عن هل أتتناول سجائر أو كحول أو خلافه و رغم تغير طبيعة البشر أكاد أجزم أني لن أقرب يوما لا كحول و لا سجائر و لا أدعي أن التقوى و الورع وراء هذا بل مجرد أني لا أشعر بأن هذه الأشياء تشبهني أني لا أحبها و لا أكرهها بل هي بعيدة عن تفكيري تماما رغم وجودها حولي و ربما يكون لبعدها عن تفكيري سبب كامن في عقلي اللاواعي لا يعرفه أحد سوى المغفور له فرويد , لكن الدكتور لن يعلن الهزيمة و بعد اعترافي بشرب القهوة بكثرة سيقول لي بلهجة الواثق بذاته حيث هو يتكلم مجللا بسحر الطب و له قدرة فائقة فيما أعرف على التخويف من أكل معين أو شرب أو التحبيب فيهم عليك بترك القهوة , أتظاهر أني امتثلت لكني لن أترك القهوة حتى لو صدر بيان من منظمة الصحة الدولية بأنها ضارة , القهوة ليست نزوة أو مرحلة بل هي جزء من ذاتي حين تجتمع مع الموسيقى أصعد إلي عالم آخر هو عالم اللذة البريئة , و أدعوا الله أن يسكنني جنته و هناك لن أهتم بأنهار الخمر بل يكفيني القهوة ...

8_الرسالة الثامنة
___________
لنا عادات غريبة لا ندري أين و متى كان منشؤها و كيف نمت و تغلغلت فينا حتى أصبحت جزءا منا , من عاداتي الغريبة هي حبي الشديد للمنزل , فأنا "بيتوتي" بكل ما تحمل الكلمة من معنى  و كثيرا حاولت أن أصل لسبب هذه الصفة في لكن لم أهتدِ لشيء و نعيت _ككل مرة أحاول فيها تفسير خصلة من خصالي فتبوء  محاولتي بالفشل  _على نفسي قلة إلمامي بتراث فرويد و واطسون و يونج و لاكان , لكن على كل حال لا يزال ديستوفيسكي و ابسن يفيان بالغرض و لو بصورة ضئيلة , و عن موضوع بيتوتي تذكرت حين كانت أمي في طفولتنا تحكي لنا قصصا و منها قصة الولد الذي رأى الاراجوز فانشغل به و سار وراءه حتى تاه عن بيته , ألايمكن أن تكون هذه القصة تغلغت في أعماقي فأصبحت ألزم البيت خوفا من الضياع ؟!! لكن يبدو أن القصة ما كانت لتحكيها أمي عفو الخاطر بل لعلها خطة مدبرة لتغرس فينا هذه العادة "البيتوتية" !! على كل حال كانت قصة مدبرة أم عفو الخاطر فقد آتت أكلها و ها أني لا أعدل بجلسة المنزل و الراحة داخله أي جلوس في مقهى أو كافيتريا

9_الرسالة التاسعة
___________
 أتعلم ..منذ أيام كنت جالس مع أحد المثقفين في أحد المقاهي نتناقش حول عدة أمور و فجأة انصب بالنقد على عقل الحداثة الساكن و شاركته في ثورته على هذا العقل الساكن فجوهر العقل حركته , و أخذ صاحبي يترنم بأن العقل المتحرك فكرة جاءت بها اللغة العربية و أعلاها الإسلام , أعجبني أنه قال هذا بلهجة تخلوا من الخطابة , لكن غاظني علمي الشديد أن صاحبي لا يمكن أن يمضي بالفكرة لآخرها و لا يستطيع الأخذ بنتائجها الخطيرة التي منها الإيمان بحركة القرآن و تاريخيته فطالما العقل متحرك في الواقع و التاريخ و العقل تعبر عنه اللغة و القران استخدم في كلامه لغة قوم معيين لهم تاريخيتهم فلابد من فهم الكتاب فهم تاريخي , لكني أعلم أني صديقي لم يمض بالفكرة لآخرها خوفا على أفكار ظنناها مقدسة لا تمس رغم أنها من صنع البشر, و هذا هو السائد فمع الخوف و الخطوط الحمراء لا تجد سوى نصف أفكار و نصف مثقفين و نصف قراء و نصف كتاب و نصف ثورة , أنا أعلم أن الكمال محال و بالطبع لا أدّعيه  لكن الرضا بالنصف و غياب حتى الطموح للكمال هو ما يقلقني !!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق