بالطبع ليس من المعتاد ان يسأل الفرد نفسه ما هو الدين,تماما كما انه ليس من المعتاد ان نسأل ما معنى الضحك او الكلام , ان الامر كلما زاد اقترابا منا فهو في الحقيقة ابعد ما يكون عن ان نسأل عنه, ولهذا نحن نجد دوما ان السؤال عن الذات دوما يأتي متأخرا فلم يظهر السؤال عن الذات في الفلسفة اليونانية مثلا الا في عهد السفوسطائيين حين بدأوا الاهتمام بالذات و جعلوها مقياس كل شيء على حين ترامى من الزمن قبلهم قرنان يسأل فيهم الفيلسوف عن اصل الكون و عن معنى الحركة ومعنى السكون, و في نشأة العلم كلنا يعرف ان العلم في ثوبه الجديد اي العلم التجريبي القائم على التجربة و الملاحظة و الباديء في القرن السادس عشر تقريبا مع كوبرنيقوس هذا العلم بدء بالفك و الفيزياء ثم الكيمياء ثم المجتمع ثم النفس وهذا لنفس السبب.
و نعلم ان الفلسفة لم تهتم باشد الامور اقترابا ن الانسان مثل الالم و الضحك و الجنس و اللغة و الموت الا مع الوجودية في القرن الماضي و بعض ارهاصات قليلة قبلها, و الامر كذلك في الدين فهو لا يزال في داية ان يشق له طريق كفرع مستقل من فروع الفلسفة و لكن هذا لا يعني ان موضوع الدين و معناه لم يكن يبحث من قبل الفلاسفة فهذا بالطبع غير ممكن فافلاطون و ارسطو و فلاسفة العصور الفلسفية الوسيطة و كانط و هيجل و كثير من الفلاسفة يحضر الدين في نسيج فلسفاتهم المتشابك.
لكن هنا نحن نحاول فقط ان نعرف الدين في علاقته بالثورة و لهذا سنبحث علاقته بالسكون و الحركة ...
و قبل هذا فلنتفق على تعريف للدين و نحن لو عرفناه بكونه..
1-عقائد نظرية
2-طقوس
3-منظومة اخلاقية
نكون جمعنا بين تعريفات الكتب المقدسة و تعريفات كثير من علماء الاجتماع و النفس و الفلاسفة للدين, ولكن هذه الاركان الثلاثة ليست بالطبع منفصلة بل نستطيع ان نقول ان الدين هو ايمان بعقائد نظرية توجهنا لطقوس و معاملات معينة , لكن ايضا اظن هذا الشكل غير متداخل بالقدر الكافي و ايضا غير قادر على البحث عن موقع الانسان و كشف امكاناته لذا فلنجعل الدين هو اكتشاف الانسان لماهيته و انه رغم وجوده في الزمان و المكان قادر على تجاوزهما " عن طريق الايمان بالغيب كون العالم الحسي غير كافي لامكانيات العقل
و عن طريق الطقوس" (انظر مقال ...العقل و الدين محاولة تجاوز الثائية ) و هذا يجعل الانسان جسرا بين الارض و السماء و اول ما يمر بهذا الجسر هو العدل الذي ينشره الانسان في المجتمع و الدولة لتحويل الارض الي ارض الله ..
و لان لنعود لقضية الحركة و السكون هل الدين يدعوا للسكون ام يدعوا للحركة ؟؟
مبدئيا و قبل ان نحاول ان نلقي اجابة سريعة لنحاول فهم علاقة السكون و الحركة باليقين و علاقة السكون بالزمان و النمطية و الفردية اولا , وبعدها نحاول الاجابة على السؤال...
اليقين عدو الزمان هكذا يقول فلاسفة الزمان و هكذا يعلم كل قاريء لفلاسفة اليقين المطلق كهيجل مثلا و كانت فكرة الحتمية التي انتشرت في الفلسفات و العلم الحداثيين معضدة ليقين العلم لانها تنفي فكرة دخول الزمان في الظواهر الطبيعية او في دراستنتا لها, ان من يبغي اليقين المطلق لابد ان يختزل تلك المسافة التي تفصله عن الموضوع المدروس و التي يقطعها في زمن معين ليصور لنا انه موضوعي صرف يرفع الواقع دون تدخل و يلتحم بموضوع بحثه دون مسافة فيختتفي الزمان و يصبح العلم تراكمي كمي لا تجديد فيه و لا ثورة و يظهر اليقين , و الزمان في العلم موضع التجديد حيث العقل لا يرفع الواقع و لا يلتحم بموضوع البحث بل يفرض المناهج التي تتفاعل مع الموضوع في زمان معين ثم تفقد صلاحيتها لانها مرتبطة بزمان و مكان كعيني ثم ينشأ ما هو افضل منها و هكذا تظهر الثورية في العلم فالعلم لا يتطور بالتراكم الكمي بل بالنقطاعات الثورية التي تغير طريق النظر نفسها للعالم , و الزمان هو موضع التفرد لان فيه يتم التتفاعل بين الانسان و الواقع و الانسان و الاخر و الذي يتم في زمان ....
اذن الزمان, الحركة, الفردية , مرتبطين ببعض , وعكسهم اليقين المطلق , السكون , النمطية .....و نعود للسؤال اين نضع الدين مع السكون و ما يترتب عليه ام مع الحركة و ما يترتب عليها؟؟؟
سنجاول ان نرسم طريقتين في العمل و السلوك احدهما الدين عنده حركة و الاخر الدين عنده سكون لنرى هل هما ضدان ام انهما امكانيتن داخل الدين ..
سنذكر اكثر من مثال على مستوى الفرد و على مستوى الفقيه او عالم الشرع مسلسة بالارقام و كل مثال مقسم أ و ب حيث أ يمثل من يمثل الدين عنده حركة, و ب يمثل من يمثل الدين عنده سكون ....
الفرد
______
1-أ -الدين عنده مؤيدا لبحثه عن هوية فردية خاصة لان الدين يعلمه انه ولد وحده و سيموت وحده و انه يبعث وحده و يحاسب وحده مما يجعله غير قابل للاعادة و عليه ان يجد لنفسه هوية محددة
ب-يتجه للبحث عن الامور الاكثر عمومية و نمطية مثل ثياب معين او طريقة كلام معينة و هي امور قد تصل الي حد اعتبارها مقدسة و يتم نفي الزمانية عنها رغم ان امور مثل هذه ترتبط جدا بالعادات و الزمان المعين.
2-أ- علاقته بالمجتمع تكون علاقة مشاركة دائمة لان الانسان بحكم وجوده في زمان و مكان معينين هو دوما غير حاصل على كل الحقيقة لذا عليه التكامل و التفاعل داخل الزمان ..
ب- علاقته بالمجتمع علاقة الناصح فقط لانه يمتلك يقين و لا يحتاج للحركة الي و من الناس , فهو في مرتبة اعلى و الكل عليه فقط الالتفاف حوله و التعلم منه ..
3-أ-العبادة شعور بالقوة و القدرة على التجاوز و المركزية و مقدمة للحركة لتغيير الواقع الفردي و الجماعي و انشاء المنظومات الحضارية الانسانية المتعالية مثل الفن و العلم و الدولة العادلة..
ب-يتم الاهتمام و التركيز على صفة الصلاة و تحريك الاصبع في التشهد و وضع اليد علىالصدر بعض الرفع من الركوع ..
4-أ-القران كلام الله الذي ينبغي تدبره جملة و تفصيلا و هو جملة يعتبر دليلا على مركزية الانسان في الكون و قدرته على التعالي و ضمان لعدم اغتراب الانسان عن الله او عن هويته باعتباره خليفة الله.
ب- يتم الاهتمام بكم حسنة سنحصل عليها و كم قصر في الجنة و لهذا لا يلزم كثيرا التأمل , فالمهم القراءة نفسها و لهذا لا فرق ان تكون في هدوء و سكينة و مكان ملائم او حتى في المترو...
5-أ- يعامل الافراد على انهم افراد يحملون افكار غير نمطية و لا يمكن التنيؤ بها دفعة واحدة لذا فالنقاش مطلوب..
ب-يعامل الافراد على انهم تحملهم افكارهم بصورة نمطية مما يجعل النقاش دوما قائم على افكار مسبقة ...
و هنا نلاحظ ان كل سلوك أ نابع من تصوره الحركي للدين في حين ان سلوك ب نابع من تصوره الساكن للدين و بهذا نجد الجانبين موجودين بالفعل داخل الدين على حسب نظرتنا له.
الفقيه
______
1-أ الواقع متغير و النص منفتح و مهمة الفقيه انزال النص على الواقع مما يجعل فهم الواقع و استيعابه ضرورة ..
ب-النصوص كلها واضحة و الواقع يكسر لاجل الفهم الحرفي للنص و الاحكام ثابتة لا يؤثر فيها ابدا الزمان و المكان.... اجترار فتاوى الامام ابن القيم و شيخ الاسلام
2-أ-الزمان يؤثر في خريطة الخطاب الديني و ما يوضع في مركز الخطاب و ما يوضع في الهامش
ب-الزمان لا يؤثر ابدا في شكل الخطاب الديني "لانه ليس هناك زمان اصلا في الرؤى اليقينية" بل يحتل دوما مركز الخطاب امور قادرة فقط على جزب الجمهور....مثل فتنة المرأة , و طريقة السلام على اهل الكتاب
3-أ- الايمان يامكانية تغيير الفتاوى وفقا للزمان و المكان المعينين
ب- عدم امكانية هذا لان الزمان لا يؤثر ...لذا تصبح فتاوى اللجنة الدائمة في المملكة السعودية كافية لاهل مصر!!!
5-أ -يبحث عن مشاكل الواقع ليقوم بحلها فيكلمنا عن العولمة و النسبية الاخلاقية و الاستنساخ و الفلسفة و غيرها
ب- يخرج المشاكل من طيات الكتب فنجد مشكلة خلق القران لا تزال مطروحة و بنفس الحجج كأن الزمن لا يتغير و نفس الامر في اعادة قراءة كتب الواسطية و التدمرية و غيرها و هي كتب تعبر عن اسئلة اهل هذا العصر , لكن اين ما يعبر عن اسئلة عصرنا؟؟؟
6-أ - التعامل مع افكار الحضارات الاخرى على انها حضارات انسانية تحمل قدر من الخصوصية لكن فيها من العام الكثير لذا ينبغي الانفتاح عليها و الاستفادة منها..
ب- اي حضارة اخرى هي حضارة معادية لنا نحن بالذات لذا فهي كافرة و كل ما يأتي منها باطل...
7-أ- الاهمام بمشاكل الواقع و محاولة تشخيصها في ضوء الكتاب مما يجعله يدين علنا الانظمة الفاسدة
ب- الاهتمام بمشاكل تتعلق بالغيبيات او بالقواعد العلمية المتخصصة
ان ماذكرناه هنا من سلوك أ ينبع من تصور لامتلاك اليقين الكامل و عدم اعتبار للزمان و اتجاه نحو التنميط و قهر للفردية , على عكس أ الذي ينبع سلوكه من تصوره للدين باعتباره متحرك دافع للتفرد و ضرورة في المشاركة التفاعلية في المجتمع ....
و نحن في ايام الثورات هذه لابد ان نعلم ان الثائر ابدا لا يثور على النظام او رجاله فقط بل ثورته على كل ما يدعي السكون و اليقين المطلق , على كل من يجتر و لا يبدع لذا لابد ان ينتقل الدين من هذا الجانب السكوني ب الي الجانب الحركي أ , ونحن نظن ان يقين الدين هو يقين حركي فكما وضحنا ان القين في العقائد النظرية كاشف لامكانية الانسان على التعالي و اقامة المنظومات الحضارية الكاملة و اقامة العدل و ظهور التفرد و الهوية الخاصة , ان هذا الجانب من الدين لابد التركيز عليه و اقول جانب لان بعض سلوكيات الجانب ب ليست خطأ في ذاتها بل الخطأ فقط في التركيز عليها و نفي الجانب الحركي منها ..
ان الدين بالشكل الذي نراه عند ب هو منعزل عن الناس و عن المجتمع و عن الفعل فيه لذا فهو عرضة للتحييد و علينا تجديد الخطاب الديني حتى يعود لحركته و فعاليته و انا ابتسم ثم اضحك حين ارى من بتشدق بالمادة الثانية و كأنها هي التي ستنقذ الاسلام على الرغم ان دستور انجلترا الذي يجعل الملكة رئيسة الكنيسة الانجيلية لم يحمى المجتمع من الالحاد و تحييد الدين!!
ان المشكلة هي في تجديد الخطاب و اعلاء الوعي النقدي عند الافراد...و عودجة الدين لان يفعل في المجتمع عن طريقة تغيبر خطابه الساكن ...
1- لابد من تدريس اصول الفقه في المدارس الي جانب فلسفة العلوم ليعلم الفرد ان الشيخ ليس هو النص نفسه بل فقط مفسر له مما يعلي عدنه الجانب النقدي..
2-لابد من تدريس الفلسفة بجدية داخل المدارس لمساعدة الطالب على توين رؤي شاملة حتى يكون في منأى عن الاختزال و اهله
3- لابد من تدريس الفن في المدارس حتى يزداد الشعور بالحرية و الفردية و تقليل الاحتقان تجاه الاخر ...
و لا شك اننا قد نى اكثر من هذه مظاهر تدل على ان الدين في عصرنا اصبح ساكنا منعزلا مقيدا في يد من يظنون انهم فقهاء في حين نهم لا يزيدون عن كونهم بيروقراطيين منعزلين عن تيار الشباب المتدفق الثائر و عن تيار الحياة المتغير , ان لم يدرك الفقهاء هذا و ان لم يختلف الخطاب سبتعد الشباب عن كل ما يقف امام ثورتهم و حركتهم , الثوار وقفوا امام النظام القائم و وقف منهم الشعراء امام اللغة التي التي احسوا ببرجوازيتها (كما نرى في اغاني الشيخ امام و اشعار نجيب سرور و احمد فؤاد نجم) و نخشى ان يقفوا امام الدين......ان كان للدين كما بينا جانبا متحركا فعليه الان ان يسمو الي السطح محتلا مكان الخطاب الساكن المنعزل المقصي للاخر ....
و الله اعلم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق