اظن انه ليس هناك مصطلح اكثر اهمية في الفلسفة من العقل فمنذ بارمنيدس و بدأت مشكلة العقل و هي حتى الان لمن تنتهي بعد و النظريات التي تناولت العقل كثيرة و الجهات التي تبنتها كل نظرة متنوعة و لهذا فالاوصاف التي وصف بها العقل مختلفة و احيانا متناقضة ...فمن جهة الفعل (سلبي ...ايجابي )....و من جهة الصيرورة و الثبات (ساكن ...متحرك)....و من جهة الحدود (قاصر....لا حدود له )....الخ ....
و لان جهات النظر الي العقل كانت كما قلنا كثيرة و متنوعة فلا نستطيع ان نفصل بين هذه الاوصاف التي وصف بها العقل فالتداخل بينها كبير و في رغبة منا مناقشة مسألة علاقة الدين بالعقل و التي قد تظهر في النظر الي المشكلة من جانب حدوده و هل هو قاصر ام لا حدود له ؟ لهذا فانه الجانب الذي سننطلق منه محاولين الاطلال على بقية جوانب النظر من خلال علاقة حدود العقل به .
ان كانت الفلسفة هي فعل الدهشة فان ما يدهش الفلاسفة يختلف من واحدهم الي الاخر و لعل ما ادهش كانط هو كيف نستخدم العقل دون ان نعرف حدوده ؟
ان كان العقل للمعرفة اداة فكيف لنا ان نستخمها دون امتحان ؟
هل يصلح العقل لمعرفة كل شيء؟ ....هل يستطيع الوصول للمطلق ؟
او بلغة الفلسفة هل يمكن قيام ميتافيزيقا في يقين العلم النيوتوني ؟
جواب كانط يأتي عن طريق بحث لملكات العقل و تقسيم ثلاثي شهير لها فهي ..ملكة الحس , ملكة الفهم , ملكة العقل و طبعا دون دخول في تفاصيل جدل كانط المتعالي نستطيع ان نقول ان ما يهمنا هو ان مقولة الحس تحوي المفاهيم الخاصة بالزمان و المكان و التي تضمن يقين علم الرياضة و ان مقولة الفهم تحوي مقولات العلة و الجوهر و الجهة ..الخ و التي تضمن يقين علم الفيزياء و هذا لان مفاهيم المقولتين هما مفاهيم قبلية "اي سابقة للتجربة و موجودة في العقل" و تركييبة " اي تخبر عن العالم الخارجي" , اما مقولة العقل فهي ذات وظيفة تأليفية و توحيدية لمقولات الفهم لكن لا يمكن لنا ان نمد هذه نتائج هذا التأليف حتى ننسب لها وجود حقيقي يتسم بالجوهرية و العلية و الا اصبحنا نطبق مقولات الفهم في غير موضعها و لهذا نفى كانط امكانية الكلام عن اثبات علة للعالم او نفيها او اثبات جوهرية النفس او خلودها او وجود حرية ام لا و لان ان ننشأ فلسفة عقلية في يقين الفيزياء .
و حين يتسائل كانط لماذا جعلتنا الطبيعة نتجاوز حدودها في مقولة العقل و ما دلالة ذلك في تصورنا للعقل و الوجود ؟
او كما عبر كانط تعبير غريب لكن مثير للتأمل و هو ان من ينفي ماوراء اعالم يضيقون نطاق العقل , و الذين يثبتون ماوراء العالم و يطبقون عليه مقولات الفهم .....لكن البحث عن اجابة لهذه الاسئلة سينقلنا لفيلسوفين اخرين هما فيبر و هابرماس ..
الحداثة و ابتسار العقل
___________________
العقل الحداثي هو عقل رشيد اداتي لا يهتم سوى بالاجراءات ...هكذا يرى فيبر , و يختزل العقل في الرياضة و يهمل ابعاد العقل التأملية و النقدية و الجمالية ...هكذا يرى هابرماس ..و كانط حين تكلم عن مقولة العقل في العقل النظري و عن العقل العملي و الجمالي كان يدافع عن تلك الاببعاد التأملية انه يرى العقل اكبر من الرياضة "مقولة الحس" , و اكبر من الفيزياء " مقولة الفهم " انه قادر على تجاوز الطبيعة ( لذا انتقد من يقصرون العقل عى الطبيعة فقط و ينفون ما وراء العالم و النزعات الشكية التي تنفي القدرة على المعرفة تماما ) و لكن غير قادر على معرفة كل شيء عن ما وراء العالم (لذا انتقد الفلسفات التوكيدية التي تدعي امكان العقل فهم المطلق تماما )..لذا فعقل كانط ليس حداثيا بل هو اكبر و اكثر غنى بتجاوزه للطبيعة .
من بروتاغوراس الي اسبينوزا
_______________________
" لا استطيع ان اعرف هل الالهة موجودة ام لا , فان امور كثيرة تحول بيني و بين هذا الموضوع منها قصر الحياة و غموض الامر "
هذه جملة شهيرة للسفسطائي الاشهر بروتاغوراس الابديري تعبر عن رغبة في ترك المسألة لان العقل لا يسعف فيها و لا يستطيع حلها و هو ما عبر عنه ب"غموض المسألة" و يرى د\ مراد وهبة ان هذه اول محاولة لربط نظرية المعرفة بالمطلق و البحث عنه و طبعا تنهي هنا بالايقين و ترك الموضوع و ليس موضوع المطلق فحسب بل نظرية المعرفة نفسها نهار لايمان السفوسطايين بالحس فقط و سيلة للمعرفة ..و لكن سقراط و افلاطون في محاولتهم انقاذ الحقيقة حاولوا البحث غن امكانيات اخرى للعقل غير المعرفة الحسية فبحثوا في التعريف و الرياضة و الحب و الفن كطرق جديدة الي الحقيقة او المثل و هذا للايمان بان العقل اكبر من الطبيعة و ان له اصل الهي لذا فهو قادر على تجاوز الارض الي ما ورائها عن طريق تحرير بعض امكانياته .
يرى اسبينوزا ان العالم هو الله فهو طبيعة طابعة و هي طبيعة مطبوعة و هو علتها الباطنة او قل هي علة ذاتها و ان العقل جزء من الطبيعة و انه غير قادر على تجاوزها لانها الجوهر المكتفي بذاته و لقد اثبت د\فؤاد زكريا في كتابه عن اسبينوزا ان مرحلة المعرفة الاعلى عند اسبينوزا و هي الحدس ينحصر معناها في معرفة قوانين الطبيعة الازلية فهي لا تتخطى العالم لعالم اخر و ليس لها اي معنى صوفي و لهذا فان كل مراحل المعرفة عند اسبينوزا مقصورة على العالم بقوانيه الرياضية ...و هنا نجد كانط يجعل كل ما قال سبينوزا مجرد امكانية من امكانيات ( مقولتي الحس و الفهم ) لا العقل نفسه لان العقل النظري له مقولة تتجاوز الطبيعة و هي مقولة العقل و ايضا لوجود العقل العملي الخاص بالاخلاق و الجمالي الذين يثبتان امكانية تجاوز الانسان للطبيعة بكونه هو وحده القادر على تشريع قانون في حين ان الطبيعة تخضع فقط للقوانين و بهذا فلانسان اعلى من الطبيعة ( و الفارق بين كانط و افلاطون هو ان العقل الكانطي اكثر ايجابية من افلاطون و ايضا لان افلاطون يرسم شكل معين لما وراء العالم مما يختلف مع كانط في تأكيده على انه رغم قدرتنا على معرفة ما وراء العالم فنحن لا نستطيع ان ندركه ادراك كامل و موقف افلاطون اسباب تتعلق بخصائص الفلسفة اليونانية مثل الموضوعية و الخلط بين المادة و الروح كما عرضها شبنجلر و ربما لن نستطيع في هذا المقال التوسع فيها )..
عودة الي السؤال
_____________
اذن بعد كل هذا هل للعقل حدود ؟
اخر فيلسوف سنهيب به هو هيجل و هو معترض على سؤال كانط عن معرفة حدود العقل و اعتراضه وجيه فهو يرى هذا السؤال تكرار لحكمة اسكولائية قدية و هي "تعلم السباحة قبل ان تنزل الي الماء !" ان كان هذا غير معقول فكيف نعرف حدود العقل دون استخدامه ؟!
ان سؤال كانط يقع في هذا المأزق ان ظنناه سؤالا واحدا و الي الابد لكن لو نظرنا اليه على انه سؤال متجدد فسنجد ان هذا السؤال يخرج امكانيات العقل الكامنة الغير ظاهرة و هي عملية لابد ان لا تتوقف فتصبح الفلسفة بهذا نقدية محررة لامكانات العقل التي تؤدي بعض الظروف و النظرات الي كبحها و قصرها ..
ان العقل قادر على الوصول للمطلق فهو اعلى من الطبيعة قادر على تجاوزها للشعور بروائح الحقيقة و الوجود لكنه غير قادر على ادراكه بتمامه لان ارجله لا تزال تدب في الارض يشمله زمان و مكان معينين يحملون الي وجوده بعض روائح العدم .
لذا فلابد الا نحاول قصره و وصفه بالعجز و هذا ما يحدث للاسف من بعض التيارات الدينية ربما لقصرها معنى العقل على المعنى الحداثي و ربما كلامنا عن كانط و افلاطون وضع امامنا حقيقة ان هذه مجرد امكانات للعقل و ان العقل اكبر بكثير و هذا يتفق للغاية مع روح الدين الذي جعل الانسان مخاطبا بكلام الله ( وهو فوق الزمان و المكان ) رغم وجود الانسان هنا في الارض مما يدل على ان العقل امكانية اكبر تقدر على تصور ماوراء العالم بصورة عامة حتى بملأها النص تفاصيل ,ببساطة لو كان العقل قاصرا لما نزل الوحي و لما استطعنا الصلاة ( فالصلاة اتصال بما وراء الحس ) لان العقل القاصر الاداتي لن يفهم عن ما راء العالم شيء و هذا يفسر ثورة فلاسفة الموسوعة الحداثيين على الكتب المقدسة و الغيب و الطقوس , لذا فالدين يعزز تصور امكانات العقل و تحريرها و العقل يتعطش لما وراء العالم و الغيب و الطقوس لان العالم لا يكفي امكاناته .
ثنائية قديمة
_________
هنا نصل للمشكلة الاصلية التي طرحناها و هي علاقة الدين بالعقل و هذه الثنائية قديمة للغاية منذ وجود دين و منذ وجود عقل اي منذ الازل و لكنها احيانا تأخذ شكل صلب شكل اما \ او , و لعل السبب في هذا عدم الكشف عن المعنى وراء الالفاظ و ان كانت من انجازات العصر الحديث التحليل و التفكيك فاننا سنحاول تحليل المعاني وراء الالفاظ ثم تفكيك الثنائية .
لو سألنا ما هو الدين سنجد انه عقائد نظرية و طقوس و اخلاق و ان سألنا ما هو العقل سنجده من خلال تحليلنا السابق امكانية لفهم الطبيعة و تجاوزها في رحاب النقد و التأمل و الفن و الاخلاق و ادراك المطلق و بهذا يتبين عدم خلاف الدين و العقل , فالعقل الاداتي الذي يقتصر على الطبيعة هو من لا يتفق مع الدين في حين العقل الذي طرحناه في هذا المقال هو لا يخالف الدين بل ان الاخلاق و الطقوس و الايمان بالغيب هي احدى امكاناته , و الدين يفترض العقل كونه الوسيلة لانشاء الجسر بين الارض و السماء و اقامة العدل في الارض و انشاء المنظومات الحضارية من علم و فن و فلسفة و اخلاق و قصص حب مما يحقق فكرة خلافة الانسان لله..
و لهذا فالثنائية غير منطقية فليس ثمة عقل و دين بل هناك دين يفترض عقل و عقل يفترض دين و تكون الكلمة المدرسية القديمة " اؤمن لاتعقل ثم اتعقل لاؤمن " غير مفيدة فهي تحدد مجالين منفصلين ايضا و بهذا تقصر العقل علي الطبيعة فقط و لا تجعل الدين بعقائده و طقوسه و دعوته الاخلاقية دليل على امكانياته و لعل العقل الاداتي الحداثي هو ابن هذا العقل المدرسي الذي تعلم ان لا يكشف عن امكاناته و لهذا كان لابد من نقد الثنائية لان عواقبها رأيناها بأعيننا , و لهذا فالجملة الافضل "لان لي عقلا قادر على التجاوز فانا مؤمن و ايماني في تحقيق امكانية التجاوز عن طريق الصلاة و الايمان بالغيب و حب الانسان و انشاء الحضارة "
ان العقل هو الواقعة المعرفية الاولى هو معقل امكانيتنا الكثيرة و العديدة و الكاشف الابستمولوجي للواقع و المطل على انطولوجي الوجود و هو صانع القيم و منشيء الحضارة و الثقافة في مقابل الطبيعة , انه فاعل ايجابي متجاوز هو سبب دهشة الفلاسفة و دعوة الانبياء و دستور المصلحين فالقضاء عليه قضاء على الدهشة و التأمل و الاصلاح بل و الدين فدافعوا عنه!
والله اعلم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق