الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

ما بعد ثنائية العقل و الدين..........كيف نتجاوز بقية الثنائيات ؟


في المقال السابق "العقل و الدين.....محاولة لتجاوز الثنائية " حاولنا ان نتجاوز هذه الثنائية عن طريق الكشف عن العقل داخل الدين و الكشف عن الدين داخل العقل ..و وصلنا في نهايته الي ضرورة تجاوز معنى العقل الحداثي او العقل الاجرائي و ان نبحث داخل العقل عن امكانات التعالي و بهذا وصلنا الي ان العقل يتجه الي ما وراء العالم و هو ما وصفناه بالعقل المتجاوز ...
و هذا العقل المتجاوز استطعنا ان نجده من خلال تحليل الدين نفسه الذي يقوم على الايمان بالغيب و الطقوس و الاخلاق و هي كلها امور تؤكد قدرة الانسان على تجاوز الطبيعة ..
فبهذا نكون وصلنا للجسر بين العقل و الدين عن طريق توسيع معنى العقل بحيث تصبح القدرة على معرفة العالم احدى امكاناته و ليس كل امكاناته كما راينا هناك في ما سماه هابرماس ترشيد العقل و قتل ابعاده التأملية , و عن طريق النفاذ الي معنى الدين الذي يحتم كون العقل قادر على التجاوز
و اجملنا هذا في جملة واحدة
لان لي عقلا قادر على التجاوز فانا اؤمن بالله و ايماني يتجسد في تحقيق امكانات التجاوز من الايمان بالغيب و الصلاة و انشاء منظومات الحضارة ..

و ربما نجد ان الامر يحتاج الي بحث ثنائيات اخرى كثيرة ...مثل ..الدين و الفلسفة...الدين و الفن...الدين و العلم ....و ربما كنا نستطيع انتهاج نفس المنهج الذي اتبعناه في مشكلة العقل و الدين اي اننا سنحاول البحث عن هذه الاشياء داخل الدين ثم البحث عن الدين داخل هذه الاشياء و بهذا نجد الجسر الذي يربط هذه الانشطة بالدين و يتداخل معها حتى نتخلص من النزعة الاختزالية التي تختزل الانسان في احد نشاطاته الكثيرة او التي ترى الدين مجرد سكون محض منفصل عن بقية الانشطة او احيانا معادي لها او حتى في افضل الاحوال يدعوا لها فقط كما نردد الدين يدعوا الي العلم ...و هذا جيد لكن علينا  محاولة الدخول في اعماق العلم و الدين لنجد تلك الروابط المختفية عن العيون و الاقدر على تدعيم العلاقة بينهما
 و هذه المحاولة في الحقيقة تتطلب خطة , و في هذه المقالة عرض لهذه الخطة او لهيكلها العام مع مناقشة بعض امور راينا التمهيد بعرضها للنقاش ضروري
و هي ..هيراكية العلم و العالم ....و مستويات المشكلة المعرفية...و مركزية رجل العلم ....

اولا تقسيم المقالات التي ستحاول حل هذه الثنائيات

الدين و العلم
__________
1-البحث عن الدين داخل العلم
  أ - العلم و تعالي الانسان ...يثبته ام ينفيه ؟
2-البحث عن العلم داخل الدين
أ- شكل العالم داخل النص
ب- شكل النص (حل مشكلة العقل و النقل) 
3- العلاقة بين الحل المفترض و الحل الذي يطرحه نجيب محفوظ في حكاية بلا بداية و لا نهاية

الفلسفة و الدين
_____________
 و في حل هذه الثنائية سنجد علينا حلها من جهتين
اولا:  تاريخيا
نبحث فيها المحاولة التي تمت في العصور الوسطى للتوفيق بين العقل و الدين ..و غالبا كان يقصد بالعقل هنا الفلسفة و بالذات اليونانية و تبدأ هذه المحاولات من عند فيلون
ثانيا: فلسفيا
1- البحث عن الدين داخل الفلسفة 
أ-معنى السؤال الفلسفي 
ب- الفلسفة و قدرتها على تحرير امكانيات العقل
ج- الفلسفة و نقد منتجات البشرية (قراءة في كتاب اصول الفكر اليوناني )

2- البحث عن الفلسفة داخل الدين
-سؤال ابراهيم -عليه السلام-  علاقته بسؤال كانط في رؤية المرزوقي

الفن و الدين
___________
1- البحث عن الدين داخل الفن
أ- الفن و البعد الجمالي
ب- الفن كوسيلة للتواصل
ج- الفن و المنفعة
د- مسرح العبث و ما بعد العبث

2- البحث عن الفن داخل الدين 

هذه الخريطة تحدد المواضيع التي سيتم عرضها في محاولة تفكيك هذه الثنائيات من اجل اكتشاف الروابط بينها و بين الدين ثم من خلال هذا سيتضح شكل العلاقات بين هذه الانشطة نفسها و في هذا محاولة لتصور الاشياء بشكل مختلف عن ما اعتدنا عليه في تصوراتنا و طرق لجسور على بداهتا اختفت تحت الرمال ...و لا شك هذه الخطة بداية و هي ليست كتملة اكتمال كلي طبعا فهي خطة مفتوحة قد تزداد مواضيعها و يتم تحسين مناهجها و ان كان احد من قارئي المقال يرى الاسهام بمنهج مغاير او ملاحظة على هذا المنهج او يريد ان يتنناول نفس المشاكل هو بمفرده بطريقة اخرى فهذا جميل ان تتناطح المناهج و الافكار ... 

و لكن قبل كل هذا علينا كما قلنا البدء بمناقشة بعض امور اخرى تسبق كل هذا و تمهد له

اولا:هيراركية العلم و هيراركية العالم
______________________
 لا يخلو عصر من تصور معين لترتيب العلوم هيراركيا و هذا الترتيب يكون نتيجة لتصور العالم بشكل معين
فمثلا في العلم الحداثي نجد ترتيب العلوم يقوم على اساس فكرة البساطة و الاجرائية و الدقة و والوضوح و كل هذه السمات تجتمع في الرياضة فتجعلها ملكة العلوم  و هذه الصفات هي شكل العالم كما يراه الحداثي عالم اجرائي مغلق على ذاته لا غاية له يتسم بالوضوح و الدقة فلا نتوءات فيه و لا غيب بل هو سطح املس ...
و نجد تقسيم اخر و هو ما نريد مناقشته هنا و هو تقسيم لم يقم به في الحقيقة فلاسفة ولا متكلمون في الاغلب بل هو تقسيم قام به علماء الشرع و هو ترتيب العلوم على حسب شرفها فعلم التفسير مثلا اشرف العلوم لانه يدرس كلام الله بل اشرف منه علم العقيدة لانه يدرس صفات الله و اسمائه و بالطبع يتراجع هنا علوم مثل الفلك و الفيزياء و النقد الادبي مثلا الي اخره  و هذا لانها تدرس حجرا او كلام بشر 
و التقسيم الاول اي الحداثي يكشف عن ما يسمى عند بعض الفلاسفة خطأ الكينونة اي اسقاط ما في العقل على الواقع
في حين التقسيم الثاني يكشف خطأ عكسي و هو تخيل العقل شفاف للواقع ...اي انه اذا كان الواقع او الوجود مقسم بشكل معين فالله اعلى شيء في الوجود و خالقه و كلامه افضل كلام و اعلى من اي كلام و كل ما غير هذا يحتل مرتبة اقل (هيراكية العالم)
فما علاقة هذا بالمعرفة ؟لماذا نظن بالضرورة ان علم التفسير سيصبح افضل من علم الفلك ؟ ربما نحن لم ندرك اننا انتقلنا من الوجود الي المعرفة و ليس هما متطابقين... بمعنى  ان الانسان يفصله عن معرفة موضوع المعرفة (سواء كان كلام الله او حركة الكواكب) مسافة يقوم فيها  المنهج الذي يصبح هو محاولة استنطاق الحقيقة و على هذا المنهج و دقته في علاج موضوع بحثه يتوقف التفضيل ..اي و في جملة واحدة حاسمة ان التقسيم الهيراركي التراتبي للعالم ان قابله ترتيب شرفي للعلوم فان هذا مجرد شرف صوري اما الافضلية الحقيقة للعلم فهي افضلية لا تتعلق بموضوع بحثه بل هي افضلية منهجية فعالم الفيزياء قد يكون افضل من عالم التفسير طالما ان المشكلة المطروحة استطاع هو ان يقدم لها منهج يقترب من علاجها ......و هذا ينقلنا الي المشكلة الثانية

مستويات المشكلة
________________
في الحقيقة لازلنا نصر في اغلب الاوقات على  اختزال المشاكل في جانب واحد في حين ان اغلب المشكلات كما يتبين انها تحتاج اكثر من جهة لحلها و لعل مشكلة الاختزال هذه ظهرت تماما في عصر الحداثة حين بدء كل علم يرى نفسه احق بتفسير الانسان فنجد علوم اختزلته لعضو في مجتمع و اخرى لعامل اقتصادى و اخرى لكائن جنسي و اخرى و اخرى و حتى في عصرنا نجد علوم بيولوجي تنكر تاثير البيئة و ترد الفرد و تختصر و تختزل كل حياته في جيناته و اخرى ترى البيئة هي العامل الاكبر و تستبعد او تقلل تماما تاثير الجين و هكذا و هذا كله لا ينتج الا من تصور للانسان و كأنه يعيش في مستوى واحد فقط ..مجتمع , اقتصاد, جنس, جين  او حتى مستوى روحي فقط , لكن لان الانسان جسد و روح و لانه هو كل هذا فهو فرد داخل مجتمع في تاريخ تؤثر فيه عوامل الاقتصاد و الجنس و لانه يحلم و يتخيل و يتفلسف فان مشاكله لا يمكن حلها على مستوى واحد
هذا الكلام رغم بداهته الا ان كثير منا يختزل المشكلة لجانب فقط منها لمجرد ان هذا الجانب هو الدين او العلم الشرعي دعنا نقول و لنضرب مثل على هذا في مشكلة الحرية
فهذه المشكلة غالبا ما يتم النظر لها في مجتماعاتنا على انها مشكلة القضاء و القدر في حين مشكلة القضاء و القدر هي احد جوانب المشكلة و هو الجانب المتعلق  بعلاقة العبد بالله و هو الجانب الاعم لكن هذا لا يمنع وجود جوانب اخرى للمشكلة
الفلسفة: تحدثنا عن معنى الحرية و علاقتها بالنظام و الفوضى , الحرية هل هي واقعة اصلية ام اكتساب ؟  و كيف يتم اكتسابها ان كانت مكتتسبة اليس الاكتساب نفسه فعل يفترض حرية؟
العلم: يكلمنا عن علاقة العوامل المؤدية للافعال بالفعل او حتمية الطبيعة و لا حتمياتها و هذا مهم لمعنى الحرية فلا حرية في كون حتمي ضروري 
الفن: يعالج مشكلة الحرية كما تقع في خبرة الافراد في زمان و مكان معينينالاقتصاد: علاقة الحرية بالوضع الاقتصادي و هل لها علاقة به ام انها واقعة لا تتغير 
و بالطبع قد يرى البعض ان الفلسفة هي الاقدر على حل المشكلة بينما يرى اخرون العلم هو الاقدر و اخرون يرون اهمية ان يستعين حل الفلسفة بالعلم او العكس و البعض قد يرى حل الدين لها عام بينما يتطلب الامر تفصيل في مناقشة معنى الحرية سياسيا و اقتصاديا مثلا  و لعلنا هنا نرى انه لا يمكن ان نكتفي في مشاكل بهذا الاتساع بجانب واحد للنظر حتى و لو كان الجانب الديني لانه قد يكون عام دافع للتفصيل في وجهات نظر اخرى و هذا نجده في مشاكل كثيرة منها الشر و الخير و غيرها من المشكلات الكبرى

من خلال كلامنا عن هاتين المشكلتين الهيراكية و مستويات المعرفة نظن ان لا مبرر لوضع عالم الشرع في المركز في كل المشاكل هذا لان هيراكية الوجود لا يتبعها هيراكية في العلم و ايضا لان المشكلة لها اكثر من جانب لحلها مما يدعو للتكامل و ليس للطبيقة و المركزية و نؤكد على هذا ..التكامل حتى لا يظن احد اننا ازحنا عالم الشرع من المركز لنضع مكانه عالم  الطبيعة ..في الحقيقة لم نقصد هذا بل نحن نضع في المركز الانسان نفسه صاحب العقل المتعالي و هو العقل الذي وصفناه بالتعالي على الطبيعة و تجاوزها فهذا العقل كما قلنا هناك عقل غير اداتي و اما العقل العلمي هو عقل اداتي غالبا لذا فحكم العلماء او التكنوقراط هو حكم شديد البروقراطية و الاداتية لا تامل فيه و لا تعالي و طبعا لا يشترط ان يكون العالم بيروقراطي بل نحن نقول الطريقة العلمية هي طريق اداتية اجرائية تهتم للمعادلات و الحركة و الطاقة فقط لا للابعاد و الغايات فهذه النظرة رغم فائدتها داخل المعمل الا ان تحولها لعقيدة و طريق حكم فهو شيء خطير ينذر بحكم يتحول الانسان داخله الي فرد نمطي سلعي غير قادر على التجاوز
و ان كنا نحاول الوصول لهذا الشخص المتعالي الكامن داخل الانسان فعلينا التخلص من مركزية او حكم (حككم سياسي او حكم غير سياسي حكم ايدلوجي) لرجل العلم  و لا ندعو هنا لحكم الفلاسفة بل ندعوا الي دولة الفلاسفة اي دولة الاشخاص القادرين على التجاوز اصحاب الوعي النقدي القادرين على الاحساس بتركيبهم من اكثر عامل و بالتالي قادرين على اخذ المشكلة من اكثر من جانب و تقييم اي الجوانب افضل للاقتراب من المشكلة انه نوع من الديموقراطية العلمية ( بمعنى ان الانسان الحر الميؤل هو الاساس و باعتبار الخضوع للمراجعة و النقد ) لا يحتكر فيه العلماء الكلام مقصين عن طريقهم كل من لا يعلم قواعد العلم الصارمة و كأن قواعد العلم هذه طلاسم و اسحار .و لعل وجود العلماء في المركز تماما و بعدهم عن النقد و كأنهم خلطوا بين زمانيتهم و لا زمانية الحقيقة , او بين نسبيتهم و بين مطلقية الحقيقة ( و لا شك هذا يزيد ان كان العالم عالم شرعي فتراه هو و مريديه يظنون انه نال من يقين الدين او من مطلقيته فكأنه العالم ايضا اصبح كذلك و كذلك اصبحت ارائه و تفسيراته ) ان هذا يحول العلم الي كهنوت و لعل من الاشاعات التي دوما تنتشر عندنا ان الكهنوت مختص بالمسيحية و لا وجود له في الاسلام!!و حتى الان لا ادري من صاحب هذه الفكرة ....
الكهنوت ليس ملحق مختص بجريدة هي المسيحية , بل الكهنوت امكانية قد تتكون داخل اي دين بل و في العلم الطبيعي و سببه ادعاء الحقيقة و ادعاء اليقين و البعد عن النقد و لعل هذا سبب وصف ريتشارد لينتن العالم بهارفارد للعلم الحديث بأنه كنيسة القرن العشرين!و سبق الي هذا توفيق الحكيم في مسرحيته سليمان الحكيم حين يقول الكاهن كلمته الموحية...لكل نبي كهنته ...فمن ظن نفسه نبيا يتحدث بوحي السماء و باليقين لن يقبل النقد ابدا و يضفي على ارائه طابع السحر و الكهنوت و ينعزل, و هذا الانعزال للعلم مؤهل له للدخول في علاقة مع السلطة اما بطريق مباشر و هو ان يقوم العلم بضمان  بقاء السلطة ...و هذا في الكهنوت القديم في الممالك القديمة...و في كهنوت الاقطاع العصور الوسطى ...و في كهنوت العلم الحديث خاصة في نظريات العنصرية المدعمة بنتائج البيولوجي ...
و هذه العلاقة مباشرة تؤيد فيه المؤسسة العلمية النظام القائم كما هو عن طريق نظرياتها التي لا تقبل النقد و التي ليس علينا سوى طاعتها ,في حين يؤيد النظام بقاء المؤسسة العلمية و هناك علاقة غير مباشرة بين السلطة و العلم حيث يؤدي انعزال العلم عن النقد الي تحول العلم لمجموعة قواعد و تحول العالم لمتخصص ضيق الافق فيصبح معادي للثورات او على الاقل غير قادر على التنبؤ بها و المضي في تيارها ,لا يحلم بالتغيير  حتى داخل العلم ذاته فهو مستوعب على حد تعبير توماس كون داخل نسق العلم القائم لا يبغي تغييره   وهذه الاشكال من عزل العلم و ابعاد العلماء عن اي نقد و اعتبار ان للمشكلة جانب واحد يخص هؤلاء العلم كثير لدينا في علماء العلوم الشرعية و هذا يخلق كهنوتا ان لم يؤيد السلطة مباشرة فانه فهو يزيد قالية الناس للقمع فهو يضيف الي قمع الساسة قمع العلماء
و طبعا نكرر ان علم معين غير قادر على حل اي مشكلة و ان العلم وحده غير قادر دون فن و فلسفة على حلها ..فللمشكلة اكثر من جهة , و لذا فمن يوجد بالمركز هو الانسان بعد ان ينضج و عيه النقدي و يقوى فحينها يستطيع مراقبة المشكلة و من اقرب لحلها و كيف يستفيد من بقية جوانبها في الكشف عن كثير خباياها و لعل في هذا بعض الصعوبة فهي دعوة لان يحمل كل انسان مسؤلية ما يعلم مسؤلية افكاره , ان يكونها و ليس ان يجدها ان كان في الديموقراطية لكي يحكم الشعب لابد من ان ينحمل مسؤلية الاختيار ففي المعرفة لكي تعلم حتى لو لم تكن انت عالم فعليك حمل مسؤلية العلم بنفسك و ان تعلي سلاحك "عقلك النقدي"  فهو  القادر على رؤية الصورة اكثر شمولا و هو في نقده يؤكد ان الحقيقة اكبر من النظرية و ان الانسان اكبر مما ينتج و ان امكاناته لا تنضب و ان الحقيقة لا تبلى على مر الزمان لذا يلزم التفكيك من اجل عادة البناء .....
و الله اعلم
طارق حجي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق