الجمعة، 14 ديسمبر 2018

في "تقرير إلي غريكو" سيرة حياة كازانتزاكيس، قصة على لسان الأب "جواكيم" أحد من قابلهم كازانتزاكيس في رحلاته، يقول "جواكيم" أنه في منامه رأى و كأنَّه حكيمٌ كبيرٌ في القدس يشفي الأمراض و يأتيه المرضى من كل حدب وصوب كي يشفيهم، وفي يوم أتته "مريم" و معها ولدها، و توسَّلت إليه أن يشفي ولدها المصاب بالشياطين، و حين سأل جواكيم الولد مما تشكو، قال له "إنني أقضي أيامي أتصارع مع الرب!"، يقول "جواكيم" أنه صاحب الناصري وشفاه مما يشكو، وبحث له عن صنعة، شُفِيَ الناصري ونجح في حياته ولم يعد يتصارع بعدُ مع الرب، "و بدلًا من أن يُنقِذ المسيح العالم أصبح أشهر نجَّار في الناصرة!

"ما فعله "جواكيم" مع ابن مريم في منامه هو ما نفعله دوما مع أنفسنا في صحونا في كل الأمور تقريبًا، فنحن نخشى تلك المشاعر الجارفة، القوية شديدة الخطورة، تلك التي تلقي بنا بعيدًا عن كل شيء، في فراغ ووحدة على حافة كل قانون عقلي أو اجتماعي، إننا وقد تعلمنا جيدًا الهدوء في كل شيء، بمجرد أن نشعر بشعور من هذه المشاعر فإننا نخونه بتأويله، نلطِّفه ونهذِّبه، نحصره حصرا في أحد هذه العلب التي أنهكها الاستهلاك، كم من مرة خجلنا من التعبير بأننا نعشق حد الوَلَه والجنون فجعلناها إننا نحب أو نشعر بإعجاب، بل كم من مرة تركنا عشقًا جارفًا يزلزل الذات بحثًا عن "حبٍ هاديء بلا خطر!"، كم من كلمة أردنا أن نستخدمها مع الله -الله- و منعنتنا حواجز منيعة - من خوفٍ وخجلِ- عن هذا فلجأنا لأحد الأدعية المُدوَّنة على الورق، إننا نفعل هذا دون أن ندري أن التغطية على ما نشعر به في لحظة ما هو قتل للحظة لن تتكرر أبدًا، نور في عمرنا نحيله ظلامًا للأبد، إنَّ الأبياء والمتصوفة والقديسين والعشاق والصادقين الذين لم يدوِّنْ التاريخ -كثير النسيان- حكاياهم كرسلٍ لم يقصصهم علينا، لم يفعلوا بكل بساطة سوى حُسْن تلقِّي هِبَات الزمن، إنهم فحسب ثبتوا أمامها لم يهربوا منها ولم يجبنوا، واجهوها وامتلأوا بها فانكشف لهم ما لا يُرى..

وفقًا ل"إيريك فروم" فإن إطفاء النور هذا، أي تعلُّم كيف نخون آلامنا شديدة الصدق، وكيف نُلطِّف شطحاتنا المفاجئة والاستثنائية في عمر كل منا -القصير والمنفتح على الأبد في آن-، هو ما يفعله كل "مجتمع سوي" كي يحفظ توازنه -و كل فرد عاقل كي يضمن عمره ورزقه-، هذا أحد أدوار علم النفس التقليدي -الحفيد المثالي لحكيم القدس "جواكيم"-، أن يشفينا من قلقنا العميق بتقليصه لتوتر أعصاب يُعالَج بجلسة وبعض العقاقير كما يقول "تيليش"، فبناء المجتمعات ربما يحتاج نجَّارين لا يعرفون أنفسهم أكثر مما يحتاج لبحثٍ مضنٍ عن الذات، كذلك فخوف الانفراد بذاوتنا و تأمُّل تلك الهاوية العميقة داخلها والترنُّح على حافّتها يجعل آخر ما نفكر فيه هو تأمُّل ذواتنا ويدفع بنا للهرب نحو عقارٍ مُخفِّض، لذا فمع الوقت نتحوَّل لأناسٍ يحفظون بكل قوة تلك القواميس لنغترف منها الكلمات المناسبة لكل شيء إلا وصف ما نشعر به، نفعل هذا خوفًا، خوفًا من تجربة خلْق كلمة جديدة مناسبة لما نشعر به ولو كانت كلمة غريبة وعجيبة وصادمة مثل كلمة ابن مريم في حضرة حكيم القدس"أصارع الرب"، خوفا من استمرار شعور لا نريد احتمال ما يفرضه من وِحدة وتزلزُل...إذا تعلَّمنا هذا القتل شديد الاحتراف سنصبح الأفضل في كل شيء، لكننا ببساطة لن نكون أنفسنا!
على ضوء حكاية كازانتزاكيس تبدوا كلمة "ماذا لو كسب المرء كل شيء وخسِر نفسه" و كأنَّها نعيٌ يُطلقُه المسيح من فوق جبل الجليل على صورته في منام "جواكيم"، تلك الصورة التي شُفِيَت بالفعل، نجحت جيدًا، وخسرت تمامًا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق